الأربعاء ٣ أيار (مايو) ٢٠٠٦
قصة قصيرة من الجزائر
بقلم ليلى بورصاص

بائعــــة السعــادة

...إنه أقرب إلى القبر منه إلى بيت أو مكان لاستجداء الحلول والاستشفاء... مكان لا ألوان فيه... سوى الأسود الفاحم و الأحمر القاني... علقت على جدرانه رؤوس حيوانات مفترسة وعقارب و طيور كأنها طيور الجحيم... اتخذت في منتصفه مجلسا... ووضعت بين يديها جمرا ملتهبا وبعض البخور... حفظت بضع كلمات وجدتها في كتب عتيقة أكلت الأرضة نصفها... كلمات لا معنى لها... لكنها تدخل الصدق و الطمأنينة إلى قلب قاصديها... تتساءل أحيانا: كيف لهؤلاء البشر أن يصدقونني؟... كيف لهم أن يثقوا بي؟... إنها تعلم علم اليقين أن كل ما تفعله تمثيل... وأن الترياق الذي تصفه لهم لا يسمن ولا يغن من جوع... فهي مجرد أعشاب برية... لا لون لها ولا طعم لها... ولا مفعول لها أيضا... لكنهم يشعرون بالراحة بعد تناولها... أو بعد استعمالها كبخور أو حمام... أو أي شيء تصفه لهم... لأنهم في قرارة أنفسهم يتمنون أن تشفيهم... هي قشة النجاة بالنسبة لهم... عندها الأمل المرجو الذي يبحثون عنه... تقول لهم ما يحبون سماعه... وإن كانوا متأكدين أنه مستحيل... أنه ضرب من خيال... أنه سراب...

... يأتون إليها ويجلسون عند قدميها... يبوحون بكل الحقيقة دون استنطاق.. يسردون كل ما ارتكبوه من ذنوب... قد لا يعترفون بها حتى لأنفسهم... يعرون أنفسهم أمامها... لا نفاق ولا بهتان... يريدون صنع المكائد... يريدون تحطيم نجاح... يريدون تفريق زوجين... يريدون الوصول إلى ما ليس لهم فيه حق... يريدون الزواج بمن يحبون... يريدون امتلاك الأموال... يريدون قطع الأرزاق... يريدون إذلال عزيز... يريدون السلطة.. وكل هذا من أجل الوصول إلى سعادة ما... إن البشر أنانيون فعلا... كلهم ينظر إلى ما رزق الله به غيرهم... كلهم طامع في ملك غيره... لكن لماذا؟... هل هي الطبيعة البشرية؟... أم أن النفوس تشبعت بالحقد والغيظ و الحسد؟... لكن هل يعلم كل هؤلاء أن من ينشدون عندها السعادة هي اشد الناس حزنا... واشد الناس بعدا عن السعادة؟...

... عندما استيقظت في يوم أسود... خال من إشراق الضحى... واكتشفت أن زوجها الذي منحته نفسها وروحها... قد أخذ كل مجوهراتها... و أموالها... واستقل باخرة تأخذه إلى الجهة الأخرى من البحر... لقد لمعت الفكرة برأسه بعد أن سمع حديث صديق له يعيش في أروبا... صور له درجة التمدن التي وصل إليها الأروبيون... حدث عن التقدم التكنولوجي الذي يتجاوز كل التصورات... حدثه عن حياة أقرب إلى الأحلام... عاد إلى بيته وقد بدا متخذا قراره:
-  ماذا ستفعل في بلاد الغربة؟
-  أعيش حياة حقيقية...
-  وهنا ألا يمكنك العيش؟
-  وهل تقارنين بين الحياة هنا والحياة هناك؟
-  أروبا ليست حلما ورديا كما تظن..
-  معلوماتك تقف عند مخرج الحارة فلا تتكلمي فيما ليس لك به علم...
-  ومن أين لك بمصاريف السفر؟
-  سأتدبر الأمر... هذه مشكلتي...
... بدا أن رجوعه عن قراره مستحيل... داسها دون رحمة... لم يكف أنه تركها بعد أشهر من الزواج... بل أخذ منها كل ما تملك... ذهابه بصفة قانونية كان مستحيلا... فلا عمل لديه... أعطى من يركبه الباخرة خلسة نصيبا من المال... وعندما نزل في الجهة الأخرى قبض عليه... حاول الفرار... فكانت نهايته...

... أضحت أرملة بلا معيل ولا معين... عجوزا في ريعان الشباب... لم تترك باب رزق لم تطرقه... اقتنعت أن السعادة شيء وهمي... لكن هناك الكثيرين ممن يبحثون عنها... قررت أن تبيعها لهم... ماداموا غير مغصوبين على الشراء...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى