السبت ١٧ تموز (يوليو) ٢٠١٠
بقلم إنتصار عبد المنعم

«تتمة وجع» محمد الفخرانى

محمد الفخراني ؛ فنان تشكيلي جاب الوطن العربي يحمل حلم القومية والوطن الأكبر بين جنبيه ليجسده في لوحات ومنحوتات متناثرة ما بين ينبع البحر، وقرة بوللي (ليبيا) ، فاس، تونس، ومصر . أقام المعرض تلو الآخر فإذا اكتمل الحلم ووصل إلى التتمة تحول عن مرسمه المكتظ بالألوان والتماثيل ليمسك بالقلم يرسم به مشكلا لوحات من أحرف لا تقل ابداعا وتجسيدا لتلك المشاعر والخلجات التي خبرها طيلة عقود مارس فيها النحت والتصوير قبل أن يتجه إلى سحر الكلمة التي أدرك أنها كانت البدء في رحلة الخلق والتكوين .

أصدر الفخراني رواية «نشيد الحرمان» ومجموعة قصصية «لمع السراب» ، و رواية «بساط من قلوب وجباه » التي حصد بها لقب أفضل رواية وتم نشرها في مكتبة الأسرة بعد ذلك . مؤخرا أصدر مجموعة قصصية جديدة بعنوان «تتمة وجع» . وكما يبدو من اسم المجموعة الذي يشي بجوها العام فهي تتأرجح ما بين الحياة والموت والرحلة الممتدة بينهما المفعمة بالشجن الناتج عن الفقد الذي يتساوى فيه فقد الأشخاص مع فقد التواصل والتعايش مع الواقع الذي يتنسم الفنان هزائمه أكثر من غيره .
ولعل احساس الفقد جاء بهذا القدر من الشجن الصادق لأن الفنان محمد الفخراني ينتمي إلى جيل عايش زمن الحروب العربية وصعود الرموز وتواريها ، وعاين عن قرب الانكسارات والهزائم و المد القومي الوحدوي وانحساره بعد ذلك . ولذلك جاء كل هذا كخلفية عامة تغلف قصص المجموعة التي تعكس وجوها متعددة لحالات الشجن والحزن والوحدة .

تتحدث «تتمة وجع» عن الفرد المأزوم الحالمٍ الذي يجد صعوبة في التواصل مع واقعه فيلجأ إلى الإنفصال عنه كحيلة هروبية وقتية قد تريحه عناء تهافت الأسئلة المدوية في ذهنه . ولرسم حالة الإنفصال عن الواقع لجأ الفخراني إلى «الرحيل « والحنين إلى الماضي» ليصبغ بهما سلوك شخوصه في تعاطيهم مع الحياة . فالرحيل يحمل المعنى الزمني مثلما يحمل الدلالة المكانية . والحنين ماهو إلا ارتحال عاطفي شعوري أو لا شعوري ، وانتقال من لحظة آنية إلى عوالم ولحظات بعينها نتيجة عدم القدرة على التواصل أو التكيف مع الحاضر الراهن . و الرحيل بمعناه المكاني البديهي يعبر عن مفارقة المكان واستبداله بآخر سواء جاء ذلك طوعا بحثا عن عمل أو قسرا : «أجوب الدنيا من أجل لقمة عصية، ومن أجل أن أتحرر من كبت طال، ووحشة عمر أقطعه من غير تبرم.....» وإلى غير ذلك من الصور والكلمات التي عبر بها الكاتب عن الحركة والانتقال والديناميكية ، بل إنه لجأ إلى أنسنة الجمادات لمواجهة فقدان آدمية البشر وخلع عليها الصفات التي تعكس حالة الحزن أو الفرح وما يعتلج في نفوس شخوصه العديدة .

وقد يكون الرحيل أو الارتحال بمعناه الزماني الموصول بالحنين الذي يشي برغبة الانفصال عن الواقع الحاضر المستعصي فلا يكون هناك من حل إلا العودة إلى زمن معين ؛ غالبا ما يكون زمن الطفولة حيث البراءة ومنابت الأمل ، ويكون المكان الأثير والملاذ الأخير في صدر أمه «صابرة» التي تحولت إلى رمز دائم الحضور في أعماله يجسد بها الوطن وأرضه البكر التي لا تتبدل مثلما تبدلت الشعارات والزعامات ، ويظل صدرها ملاذا أبديا بعيدا عن ترسيم الحدود وتقنين المشاعر بمسميات المنع والحظر . ويتكرر ظهور واختفاء «صابرة» كأم وكأنها تحولت إلى رمز للتوحد مع المطلق أو للحقيقة التي يصل إليها المبدع وحده لأنه القادر على استنطاق المجهول :» المجهول واللامرئ هو مايراه المبدع بمفرده» كما قالت ناتالي ساروت .

وهكذا تأتي «ارتحال إلى صابرة» متماوجة بين ضمير الغائب والمتكلم والمخاطب، مفعمة بالشجن تعطي دلالة الفقد وفي نفس الوقت تجسد العشق والتوحد الذي جعلها رمزا للحياة ذاتها .
ومن اللافت في قصص «تتمة وجع» تجاور الحياة الموت؛ بل إننا نلاحظ احتفاء الكاتب بالموت وكأنه يعتبره شكلا من اشكال الرحيل بصورة معادلة للسفر لبلد آخر مثلا أو كأنه الحقيقة التي لا تقبل الشك» ..لابد أنه أدرك منطق الموت الذي يسكننا ونسكنه ، ويلازمنا ملازمة الظل ونلازمه»

لجأ الفخراني إلى تقنية الاستباق والاسترجاع أو الفلاش باك في معظم القصص مما أضفى حيوية على لغة السرد التي جاءت مشحونة بالعاطفة ، ففي «ذاكرة النخيل» يبدأ السرد من نقطة سابقة للبداية ثم يعود ساردا ومعطيا تفاصيل ماقبل الوصول لتلك النقطة . وفي «دموع على جدران القلب» يجعل البطل يستخدم الفلاش باك ليتجاوز لحظة موت الأم ولو للحظات بتذكر لحظات له معها ، وهكذا في «دوائر القهر» يرتحل البطل إلى الماضي مسترجعا حماية أبيه الراحل وحضن أمه الدافئ دوما ، وفي «تتمة وجع» يستبق الكاتب الروائي مشهد تكريمه مرتحلا عن لحظة شعوره بالعجز أمام آلام ابنه المريض وهو لا يملك التكاليف اللازمة لإجراء عملية جراحية تنقذ حياته .

و تمضي قصص «تتمة وجع» يتجلى فيها تقنية الفلاش باك لاسترجاع لحظات ماضية ترمم بها أحزان الحاضر ، أو لاستعادة حلم المجد القومي . أما في «البرهان» فقد جاءت تيمة الارتحال ، والانفصال بصورة لا منطقية حيث كان ارتحالا أو فقدانا للعقل . فالشيخ فرهود يمثل عبثية الواقع الذي قد يكون فقدان العقل فيه هو المهرب الوحيد فيفقد الصلة المنطقية بين الانسان ومجتمعه، ففي الوقت الذي يتمتع فيه فرهود بقوته الجسدية وفحولة رجل كامل وهو الفاقد للعقل ، يأتي شيخ الخفر عاجزا عما يستطيعه هذا المجنون الذي أوشك أن يغوي «رضوى»التي لا تجد سوى الأحلام والأخيلة لتجرب مشاعر أمومه بعيدة التحقق . حتى هذا الطفل الذي لم يولد بعد في « ميلاد» يسترجع أبا مفقودا ويستشرف أما على وشك أن يفقدها حينما يولد .

وهكذا في «تتمة وجع» يثبت محمد الفخراني أن القلم ماهو إلا امتداد طبيعي لفرشاته وألوانه وأن ما يكتبه ماهو إلا لوحات تحمل كل مقومات الفن الجمالى.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى