

جِـراحُ فِلسطين
في وداع أبي سلمى، الأستاذ الشاعر عبدالكريم الكرمي،
زيتونة فلسطين الخالدة...
(1)
لَمْلِمْ جِراحَكَ فَالجِراحُ وِسامُ | وانْهَضْ بِنَفْسِكَ فَاللئامُ لِئامُ | |||
وانْفِرْ الى العَلياءِ غَيْرَ مُهادِنٍ | فَمِنَ الدِّماءِ تُخَضَّبُ الأَعْلامُ | |||
وازْرَعْ سِهامَكَ في قُلوبِ عُداتِنا | هُوذا الفِداءُ، وهكَذا الإِقْدامُ | |||
فالحَقُ يُنْزَعُ بِالدِّماءِ وطالَما | تَجْري الدِّماءُ، فَعِزَّةٌ ووِئامُ |
(2)
ماذا أَقولُ وفي فُؤادي غُصَّةٌ | والقَلْبُ باكٍ والحَياةُ قَتامُ | |||
أَبْكي .. وما عَرَفَتْ عُيوني عَبْرَةً | أَنبو.. وإنِّي في الجِهادِ إِمامُ | |||
سَبْعونَ عاماً لَم نَكِلَّ وحَيْثُما | وَلَّيْتَ وَجْهَكَ مَدْفَعٌ وحُسامُ | |||
في أَرْضِنا وُلدَ الكِفاحُ مُجَلْجِلاً | وعَلى رُبانا تُغْسَلُ الآثامُ | |||
والفَجْرُ يَبْزُغُ مِنْ بِلادي نُورُهُ | والشَّمْسُ تُشْرِقُ والضُّحى بَسَّامُ | |||
والزَّحْفُ يَبْدَأُ مِنْ بِلادي رَكْبُهُ | وبِأَرْضِنا تَتَفَجَّرُ الأَلغامُ | |||
والنَّصْرُ يَبْدَأُ مِنْ حِمانا عُرْسُهُ | وبغارِنا تَتَزَيَّنُ الأَيامُ | |||
والخَيْرُ يَنْبُعُ مِنْ فِلِسطينَ التي | عَبَقَ العَبيرُ ولَذَّتِ الأَنْسامُ | |||
واللهِ ما عَرَفَتْ عُيوني لَذَّةً | أَبداً ولا في البُعْدِ طابَ مَقامُ |
(3)
عَفْواً أَبا سَلْمى فَقَدْ طالَ السُّرى | فَالليلُ داجٍ والطَّريقُ ظَلامُ | |||
قَدْ مَزَّقَ الأَعداءُ صَدْرَ بِلادِنا | واسْتَأْسَدَتْ مِنْ حَولِنا الأَغْنامُ | |||
أَنا لَسْتُ أَدْري يَا أَخي ماذا جَرى | هَلْ للِعُروبَةِ صَحْوَةٌ وقِيامُ؟ | |||
وهَلِ العُروبَةُ أَنْ نَظَلَّ قَبائِلاً | تَلْهوبِنا الأَوْثانُ والأَصْنامُ؟ | |||
سَلَبوا خُيوطَ الفَجْرِ مِنْ أَحْداقِه | وَتَبَدَّدَتْ مِنْ حَوْلِنا الأَحْلامُ | |||
يَتَهاونونَ إِذا مَضَوْا لِعَدُوِّهِمْ | وعَلى الشُّعوبِ بُغاثُهُمْ ضُرْغامُ | |||
قَدْ تاجَروا بِدِمائِنا ودُموعِنا | وتَهاوَدَتْ في بَيْعِها الحُكُّامُ | |||
قالوا لَنا: نَحْمي دِيارَكُمُ غَداً | وإِذا الأَماني كُلُّها أَوْهامُ | |||
يا بائِعي وَطني كَفاكُمْ خِسَّةً | ما كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّكُم أَزْلامُ | |||
كَذَبَ الذي زَعَمَ العُروبَةَ مِنْبَرتا | وهَلِ العُروبَةُ مِنْبَرٌ وكَلامُ | |||
إنَّ العُروبَةَ أَنْ نَعيشَ بِعِزَّةٍ | أَوأَنْ نَموتَ وسَيْفُنا الصَّمْصامُ |
(4)
قُمْ يا أَخي واعْصٍبْ جِراحَكَ وانْتَفِضْ | فَعَلى دِمانا تَهْتَدي الأَقْوامُ | |||
سَنَشُقُ دَرْباً لِلرُّجوعِ مُعَبَّدٌ | بِجَماجِم الأَحْرارِ.. ذاكَ مَرامُ | |||
ونُعيدُ للأَقصى الحَبيبِ جُموعَهُ | لا الحَبْرُ يَدْخُلُهُ ولا الحاخامُ | |||
ويُبارِكُ الأَبْطالُ زَحْفَ جُموعِنا | وتَضُمُّنا الأَوْهادُ وَالآجامُ | |||
حَسِبوا بِأَنَّا قَدْ تَمَزَّقَ جَمْعُنا | إِرْباً وحَطَّتْ فَوْقَنا الآلامُ | |||
ونَسَوْا بِأَنَّ الشَّعْبَ صانِعُ مَجْدِهِ | والأُسْدُ مَهْدُ عَرينِها الآكامُ | |||
والشَّعْبُ رُغْمَ سُجونِهِمْ وسِياطِهْمْ | باقٍ وهُمْ مِنْ حَوْلِهِ أَنعامُ | |||
والشَّعْبُ باقٍ إِنْ تَمَزَّقَ شَمْلُهُ | حُراً، وإِنْ يَتَكاثِرُ الأَخْصامُ | |||
عَهْداً سَنَمْضي لَنْ يَفُلَّ صُمودَنا | مَلِكٌ طَغى أَوحاكِمٌ ظَلاَّمُ |
(5)
يا شاعِرَ الأَحْرارِ يا زَيْتونَةً | خَضْراءَ لَنْ تَجْتَثُّها الأَعْوامُ | |||
سُقْيا لِروحِكَ يا رَفيقَ نِضالِنا | يا ابْنَ الجِبالِ الشُّمِّ، يا هَمَّامُ | |||
ذِكراكَ باقِيَةٌ وصَوتُكَ هادِرٌ | وجَميلُ شِعْرِكَ خِنْجَرٌ وسِهامُ | |||
فارْقُدْ قَريرَ العينِ لا مَحْزونَها | تَفديكَ مِنَّا أَنْفُسٌ وعِظامُ | |||
يَرعى الإِلهُ بِفَضْلِهِ وَبِجودِهِ | أَرْضاً عَلَيها العُرْبُ وَالإِسْلامُ | |||
وَيُعيدُ لِلْمَظلومِ كامِلَ حَقِّهِ | فَهُوالنَّصيرُ وعَهْدُهُ إِلزامُ | |||
وَاعْلَمْ بأَنَّ اللهَ ناصِرُ دينِهِ | وَهُوالوَلِيُّ وحَسْبُنا العَلاَّمُ |
جِـراحُ فِلسطين: من ديوان (تَرفضُ السّرجَ الجِيادُ)، بيروت: مؤسسة السنابل الثقافية، 1982. ص ص 55-71.