الجمعة ٦ شباط (فبراير) ٢٠٠٩
بقلم حلمي الزواتي

جِـراحُ فِلسطين

في وداع أبي سلمى، الأستاذ الشاعر عبدالكريم الكرمي،
زيتونة فلسطين الخالدة...

(1)

لَمْلِمْ جِراحَكَ فَالجِراحُ وِسامُ وانْهَضْ بِنَفْسِكَ فَاللئامُ لِئامُ
وانْفِرْ الى العَلياءِ غَيْرَ مُهادِنٍ فَمِنَ الدِّماءِ تُخَضَّبُ الأَعْلامُ
وازْرَعْ سِهامَكَ في قُلوبِ عُداتِنا هُوذا الفِداءُ، وهكَذا الإِقْدامُ
فالحَقُ يُنْزَعُ بِالدِّماءِ وطالَما تَجْري الدِّماءُ، فَعِزَّةٌ ووِئامُ

(2)

ماذا أَقولُ وفي فُؤادي غُصَّةٌ والقَلْبُ باكٍ والحَياةُ قَتامُ
أَبْكي .. وما عَرَفَتْ عُيوني عَبْرَةً أَنبو.. وإنِّي في الجِهادِ إِمامُ
سَبْعونَ عاماً لَم نَكِلَّ وحَيْثُما وَلَّيْتَ وَجْهَكَ مَدْفَعٌ وحُسامُ
في أَرْضِنا وُلدَ الكِفاحُ مُجَلْجِلاً وعَلى رُبانا تُغْسَلُ الآثامُ
والفَجْرُ يَبْزُغُ مِنْ بِلادي نُورُهُ والشَّمْسُ تُشْرِقُ والضُّحى بَسَّامُ
والزَّحْفُ يَبْدَأُ مِنْ بِلادي رَكْبُهُ وبِأَرْضِنا تَتَفَجَّرُ الأَلغامُ
والنَّصْرُ يَبْدَأُ مِنْ حِمانا عُرْسُهُ وبغارِنا تَتَزَيَّنُ الأَيامُ
والخَيْرُ يَنْبُعُ مِنْ فِلِسطينَ التي عَبَقَ العَبيرُ ولَذَّتِ الأَنْسامُ
واللهِ ما عَرَفَتْ عُيوني لَذَّةً أَبداً ولا في البُعْدِ طابَ مَقامُ

(3)

عَفْواً أَبا سَلْمى فَقَدْ طالَ السُّرى فَالليلُ داجٍ والطَّريقُ ظَلامُ
قَدْ مَزَّقَ الأَعداءُ صَدْرَ بِلادِنا واسْتَأْسَدَتْ مِنْ حَولِنا الأَغْنامُ
أَنا لَسْتُ أَدْري يَا أَخي ماذا جَرى هَلْ للِعُروبَةِ صَحْوَةٌ وقِيامُ؟
وهَلِ العُروبَةُ أَنْ نَظَلَّ قَبائِلاً تَلْهوبِنا الأَوْثانُ والأَصْنامُ؟
سَلَبوا خُيوطَ الفَجْرِ مِنْ أَحْداقِه وَتَبَدَّدَتْ مِنْ حَوْلِنا الأَحْلامُ
يَتَهاونونَ إِذا مَضَوْا لِعَدُوِّهِمْ وعَلى الشُّعوبِ بُغاثُهُمْ ضُرْغامُ
قَدْ تاجَروا بِدِمائِنا ودُموعِنا وتَهاوَدَتْ في بَيْعِها الحُكُّامُ
قالوا لَنا: نَحْمي دِيارَكُمُ غَداً وإِذا الأَماني كُلُّها أَوْهامُ
يا بائِعي وَطني كَفاكُمْ خِسَّةً ما كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّكُم أَزْلامُ
كَذَبَ الذي زَعَمَ العُروبَةَ مِنْبَرتا وهَلِ العُروبَةُ مِنْبَرٌ وكَلامُ
إنَّ العُروبَةَ أَنْ نَعيشَ بِعِزَّةٍ أَوأَنْ نَموتَ وسَيْفُنا الصَّمْصامُ

(4)

قُمْ يا أَخي واعْصٍبْ جِراحَكَ وانْتَفِضْ فَعَلى دِمانا تَهْتَدي الأَقْوامُ
سَنَشُقُ دَرْباً لِلرُّجوعِ مُعَبَّدٌ بِجَماجِم الأَحْرارِ.. ذاكَ مَرامُ
ونُعيدُ للأَقصى الحَبيبِ جُموعَهُ لا الحَبْرُ يَدْخُلُهُ ولا الحاخامُ
ويُبارِكُ الأَبْطالُ زَحْفَ جُموعِنا وتَضُمُّنا الأَوْهادُ وَالآجامُ
حَسِبوا بِأَنَّا قَدْ تَمَزَّقَ جَمْعُنا إِرْباً وحَطَّتْ فَوْقَنا الآلامُ
ونَسَوْا بِأَنَّ الشَّعْبَ صانِعُ مَجْدِهِ والأُسْدُ مَهْدُ عَرينِها الآكامُ
والشَّعْبُ رُغْمَ سُجونِهِمْ وسِياطِهْمْ باقٍ وهُمْ مِنْ حَوْلِهِ أَنعامُ
والشَّعْبُ باقٍ إِنْ تَمَزَّقَ شَمْلُهُ حُراً، وإِنْ يَتَكاثِرُ الأَخْصامُ
عَهْداً سَنَمْضي لَنْ يَفُلَّ صُمودَنا مَلِكٌ طَغى أَوحاكِمٌ ظَلاَّمُ

(5)

يا شاعِرَ الأَحْرارِ يا زَيْتونَةً خَضْراءَ لَنْ تَجْتَثُّها الأَعْوامُ
سُقْيا لِروحِكَ يا رَفيقَ نِضالِنا يا ابْنَ الجِبالِ الشُّمِّ، يا هَمَّامُ
ذِكراكَ باقِيَةٌ وصَوتُكَ هادِرٌ وجَميلُ شِعْرِكَ خِنْجَرٌ وسِهامُ
فارْقُدْ قَريرَ العينِ لا مَحْزونَها تَفديكَ مِنَّا أَنْفُسٌ وعِظامُ
يَرعى الإِلهُ بِفَضْلِهِ وَبِجودِهِ أَرْضاً عَلَيها العُرْبُ وَالإِسْلامُ
وَيُعيدُ لِلْمَظلومِ كامِلَ حَقِّهِ فَهُوالنَّصيرُ وعَهْدُهُ إِلزامُ
وَاعْلَمْ بأَنَّ اللهَ ناصِرُ دينِهِ وَهُوالوَلِيُّ وحَسْبُنا العَلاَّمُ

جِـراحُ فِلسطين: من ديوان (تَرفضُ السّرجَ الجِيادُ)، بيروت: مؤسسة السنابل الثقافية، 1982. ص ص 55-71.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى