الثلاثاء ١٨ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٢
بقلم فيصل سليم التلاوي

حكومة إلكترونية

لا أستطيع وصف سحابة الكدر والقلق والانزعاج، بل والرهبة التي كانت تجثم على صدري أياما عدة، عندما كنت أجد نفسي مضطرا في يوم مقبل قريب على مراجعة دائرة حكومية، ولو لاستخراج أبسط الوثائق كشهادة ميلاد أو وفاة أو تجديد جواز سفر أو نحو ذلك.

ولست أبالغ إن زعمت أنه لا يغمض لي جفن طيلة الليلة التي تسبق تلك المراجعة.

هذا الرعب والفزع أعهده في نفسي منذ أيام طفولتي الأولى. لا أعلم له بداية على وجه التحديد، ولا أدري متى انبعثت في نفسي هذه الخصومة الشديدة، وهذا النفور المرعب من الدوائر الحكومية، لكن الذي أعرفه أنها رفقة سوء رافقتني عمري كله، فما وجدت نفسي مرغما على مراجعة دائرة حكومية يوما إلا وارتسمت أمام ناظري وانزلقت على لساني رغما عني الآية الكريمة التي تقول ( كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون)

لكن ما أنقذني من سطوة هذا الكابوس الذي أرعبني دهرا هو بشارة صديقي الذي يعرف هذه الخصلة من طباعي ووساوسي، عندما يشرني بأننا قد انتقلنا إلى نظام الحكومة الإلكترونية في كثير من الدوائر ومنذ عدة شهور.

فأنت لم تعد مضطرا للذهاب مبكرا وقبل أن تفتح الدائرة بساعة أو ساعتين، لتصطف في الشارع حاجزا لك دورا قد تفلح في الحفاظ عليه وقد لا تفلح، فغالبا ما يدفعك سيل المتدافعين عندما تفتح الدائرة أبوابها لتجد نفسك في ذيل قائمة المنتظرين وأن ساعات انتظارك في الدور قد ضاعت هباء منثورا.

فإذا ولجت عتبة الدائرة بعد عناء تدافع وتزاحم، وجدت صالاتها قد اكتظت بالمراجعين المتدافعين الذين نسلوا من كل حدب وصوب، والذين صاروا أضعاف من رأيتهم خلفك في الطابور الخارجي، ممن لا يراعون أولوية ولا كبر سن ولا ضعف أمومة ولا وقار أبوة، فتَحار إلى أين تتجه ومن أين تبدأ، ومتى يقدر لك الله أن تفرغ من معاملتك؟ أمع نهاية دوام هذا اليوم أم ستليه أيام بعده؟

بشرني صديقي بأن هذا الهم الثقيل قد انتهى، وأن هذه الغمة قد انزاحت في زمن الحكومة الإلكترونية. فتوجهت مستبشرا ووجهتي دائرة تسجيل الأراضي لاستخراج سند تسجيل قطعة أرض على طريقة الحكومة الإلكترونية، وكنت قد سألت صاحبي:

 ما دامت حكومة إلكترونية أليس الأولى أن أستخرج الوثيقة وأنا في بيتي، ومن خلال كمبيوتري بملء البيانات المطلوبة، ودفع الرسوم من خلال تطبيق (فواتيركم).

 لا بد من الحضور لملء الاستمارة من قسم خدمة الجمهور، حول بيانات قطعة الأرض، وتوقيع مقدم الطلب.

وصلت الدائرة فكانت كما وصفها صاحبي هادئة على غير عادتها التي أعهدها، ولجت بوابتها الكبيرة فوجدت أعداد الموظفين المصطفين خلف مكاتبهم أكثر من عدد المراجعين، فاستبشرت خيرا وتوجهت إلى قسم خدمة الجمهور أطلب استمارة لملئها، ففاجأني الموظف المختص:

 لا يوجد أوراق لقد نفدت وننتظر ساعة من زمن حتى تأتينا دفعة جديدة.

 كيف نفدت والنهار بعد في أوله ونحن أول المراجعين؟ ألم تُعِدوا أستمارات من يوم أمس؟

 إن كنت مستعجلا فهي موجودة عند كتبة الاستدعاءات في الشارع.

 لا لست مستعجلا وسأنتظر وصولها هنا، وإن تأخرت أذهب إلى المدير شاكيا.

ما أدهشني إلا هذا الأدب الجمّ الذي هبط على رأس الموظف، عندما بادر خارجا عند واحد من معارفه الكتبة، – وكلهم معارفه- ليحضر استمارة ويقدمها لي لأملأها، بينما خرج معظم المراجعين المنتظرين للشارع استعجالا للوقت، ونفاد صبر من الانتظار بحثا عن الاستمارات عند الكتبة المنتشرين على طول الشارع أمام الدائرة، والذين قد هيئوا أنفسهم لاقتناصهم.

والكاتب هذا لا يعطيك الورقة ولا يبيعك إياها فارغة، بل يشترط عليك أن يملأها لك بكلمات لا تتعدى الخمس، ويعطيك إياها لتذهب للصندوق وهو واثق أنك راجع إليه.

تصل الصندوق الذي أمامه محاسب ذو هيئة وهيبة، فتقطع عليه عبثه بهاتفه، فهو ربما ينشغل بإرسال رسالة أو لعب لعبة إلكترونية لانعدام المراجعين الفعليين أمامه.

يدخل بياناتك في الحاسوب في لحظة ثم يتعالى عليك بصوته آمرا:

 الدفع إلكتروني.

تتراجع للخلف متأملا الوجوه التي سبقتك والتي لحقتك، والتي سمعت نفس الإجابة، فتجدها تتفرس في وجوه بعضها، وتسائل بعضها عن معنى ما قاله وطريقة تنفيذه، وعن افتراض من أصدر هذه التعليمات أن جميع المراجعين الذين يراجعون هذه الدائرة ومثيلاتها، حتى وإن اقتنوا هواتف ذكية، وتباهوا بأنها من أحدث الأنواع وأغلى الأثمان، أنهم يتقنون شيئا من تقنياتها غير الدردشة في الواتس أب والفيس بوك وإرسال الرسائل، وأن أحدهم يستطيع استخدام تطبيق (فواتيركم) للدفع الإلكتروني.

يقلب أحدهم وجهه ذات اليمين وذات الشمال، ليرى وضع الذين مروا بالتجربة قبله فيصنع صنيعهم، ويتذكر أن الكاتب الذي ملأ له الاستمارة قال له:

 ارجع إليَّ بعد مراجعة المحاسب.

فيهرول ميمما وجهه شطر الكاتب الذي ملأ له ورقته، ليقوم نيابة عنه بالدفع الإلكتروني خلال ثوان، ولتصبح الرسوم المسجلة في الاستمارة1،6 دينارا بينما الرسوم المدفوعة للكاتب 5 خمسة دنانير ببركة الحكومة الإلكترونية.

يمضي بعدها ليسلمها للمحاسب وهو منتشٍ بإنجازات حكومته الإلكترونية.

ما أنقذني من هذا المآل، ومن الاصطفاف في الطابور الطويل الذي انتقل من أمام المحاسب في عهد الحكومات الورقية، إلى أمام الكتبة العديدين في طول الشارع في عهد الحكومة الإلكترونية، ما أنقذني من ذلك إلا أن زوجتي التي كانت ترافقني تتقن هذه اللعبة الإلكترونية، فدفعت الرسوم الفعلية 1،6 دينارا في ثوانٍ وأراحتني من عناء هذا الدور الطويل.

وغادرت دائرة تسجيل الأراضي حامدا للحكومة الإلكترونية فضائلها الجليلة، وأولها فضيلة نقل توزيع الاستمارات من عهدتها إلى عهدة الكتبة في الشارع، وتخفيف الزحام والتدافع من داخل الدائرة وصالاتها ودفعه إلى الشارع العام أمام طاولات الكتبة، وأهم من ذلك كله توزيع الرسوم بينها وبين الكتبة: 1،6 دينارا لها و 3،4 دينارا للكاتب ولو أنها قسمة ضيزى، وعلى ظهر المراجع، لكن وعلى رأي المثل الشعبي (يا بخت من نفَّعَ واستنفعَ).


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى