الثلاثاء ١ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٥
قصة قصيرة
بقلم سها جلال جودت

دمعة ُعاشقةٍ

قررتِ السفر بحثاً عن فيء كلمةٍ تعصر خمرتها في فمها،وحين شاهدت التلال البعيدة وقد اكتست بخضرة الربيع أحست بالغبطة تغمر كيانها.

أوتار عازف الليل تسكن نبضها، تضرب على سيمفونية وجدها في البحث عن الفردوس المفقود، وأوار شوق الروح لرجل الحلم وأنيس المساء ما تزال رعشة صوته مسكونة في داخلها، لم تغادرها، ولن تغادرها،لأنها أحبته من كلّ قلبها، فالحب قدرٌ وقدرها أنها أحبت عاشق الكلام !

أخيراً حطت رجلها في درب المنفى،كان الظلام مخيماً على البيادر والكروم، وحين نظرت إلى السماء رأت النجوم المتلألئة مثل جوقةٍ تزف السماء إشعاعات فرحٍ من وميض الضياء .

تخيلته معها يسامرها حديث النجوم، فألقت بالهدايا إلى الخضرة والعبير التي كحلتها ظلمة الليل بسوادٍ كأنه من مرود عروسٍ، بعد أن منحتهم ملايين القبل، لا، بل أكثر! وهل يعرفُ العاشق الظامئ عدد القبل التي ُيطلقها وقد دخل في غيبوبة الهوى ؟

أنتِ ريحانة القلب ... حين أطلق عليها هذا الاسم دغدغ أفراح قلبها وروحها، ولكم اشتهت أن يكون لها غير ذاك الاسم الذي كتبه والدها في دفتر العائلة !.

دققت النظر في شكل الريحان وفي عمره ، ثم قالت :

 الريحان اسم جميل وعبقه حين تهز أفنانه الصغيرة وقد اكتظت بورقه الناعم الرقيق، يجعله مرغوباً من قبل الناس وهي لا تريد أن تكون ريحانة مشتهاة،هي تبحث عن وجه الآدمية بكلّ تجلياتها السامية،وحين وجدته قد انصرف عنها قررت الرحيل!!

في الغرفة حاولت النوم فلم يغمضْ لها جفن،كانت تراه في كلّ ركن وزاوية،وفي كلّ الأشياء الموجودة حتى بزغ الفجر فخرجت إلى الضوء .

ترامت أمام ناظريها خضرة الأرض بساطاً من سندسٍ، مشت نحوها، دخلت في مفاصل البيدر،توغلت في مسيرها، وراحت تردد عند كلّ سنبلة خضراء: أحببتك .

الأفقُ ممتدٌ وبعيدٌ، وخيوط ذُكاء الذهبية بدأت تنشر جدائلها على سطح الأرض لتبدو مثل راقصةٍ في قصرٍ فرعونيٍ، فتصرخ : "إيزيس" ياإلهة الحب والحياة انهضي من رقادك كي تساعديني، أيقظيه من غفوة النسيان وتتضرع مثل شاعر اشتعلت في داخله حرائق الوجد فتنسى نفسها وتنسى المغيب الذي أعلن عن بداية ليلٍ جديدٍ فتسأل في وهم الوحدة والخوف :

 أين ضوء العاشقين ؟ أين المدى من المدى ؟ من أنا وسط هذا الزحام من العشاق ؟

 أنتِ العاشقة الطيبة !

بوجلٍ تسأل :

 هل أنتِ جنية في وجه عشبةٍ خضراء؟

تطاول السنبلة وتربت كتفها وتتمايل مثل راقصةٍ في معبد "عشتار"، ومن المدى فوق التل البعيد بدأ عازف الليل يُرسل من مزماره أجمل الألحان وعلى أنغام عاشق الألحان تقول لها السنبلة :

 أنا صديقتك في الحب ولسوف أساعدك !

 كيف تساعدينني وأنتِ المغروسة في بطن الأرض؟.

 هذا شأني في التحرر، بعد حين سيتخشب عودي وتصفر الحبات ويأتي المحراث ليقتلعنا،لأعود في العام القادم أنبت مثلما نبت في الأمس القريب،أما أنتِ يا ريحانة فعبوسك من ألم الحرمان شيء فظيع، وعليك أن تواجهيه بالحقيقة فالهروب لن ينفعك !!

 ولكني ؟

 حاولي يا ريحانة، حاولي، من يتيح للعاشقين فرصة البوح بعشقهم سوى خضرة الشجر؟ من يمنع غضب البحر من ابتلاع مراكب العاشقين؟ وهل للعشق زمن يحدده الأوصياء؟ إنه قدرٌ وقدرٌ مكتوبٌ،وعليك أن تواجهيه !

مسّدت شعر رأسها والعتمة تحتضن ظلال وجدها المتكسرة على أعشاب فرحها، وفي صرخةٍ من مشاعرها النازفة أرسلت عين قلبها دمعة كانت سخية سقت بيدراً فأنعشته، وفي شرود ريحانة كانت السنابل تتشاور في أمر خوفها وحزنها الذي أرعف قلوبهن، وقبل أن يستيقظ الصبح توارت واحدة من السنابل في ظلام قعرها وراحت تقطع المسافات، تبدل وجوه الحروف المكتئبة، تستأذن عذارى الحب في أمر ريحانة، وحين وصلت إليه وجدته نائماً فهمست في أذنه وكتبت على وسادته بمداد دمها الأخضر :

 عدْ إلى حب ريحانة...!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى