الاثنين ١ آب (أغسطس) ٢٠٠٥
بقلم ندى الدانا

سيرة الصراصير

ا- الغزو

قطط هزيلة تفتش فى القمامة عما تأكل، أناس نائمون بعضهم حالمون، وبعضهم تفترسهم الكوابيس المزعجة، شقوق الأبواب صغيرة جدا، لكن الصراصير ماكرة تتسرب من أصغر شق. تبدأ رحلة بحثها اليومي، إنها تحلم بالصابون غذاؤها المفضل، تجوب المدن بحثا عنه، وما إن تجد مدينة غير مسورة حتى يمتلئ صدرها أحلاما، وتغزو المدينة آملة بالغذاء الوفير.
لم يحدث فى تاريخ المدينة أن اختفى الصابون، كانت تختفى بعض السلع أحيانا كى تباع بعد ذلك بأسعار مرتفعة أثناء الحروب، لكن الصابون لم يختف يوما كما حدث فى ذلك الوقت.
ضجة كبيرة فى المدينة، ندوات واجتماعات، ذعر وهلع، فالصراصير صارت قططا سمينة، وما تزال تكبر وتكبر، رئيس البلدية متوتر وخائف، ماذا يفعل إزاء الصراصير؟! إنها تنمو بسرعة، تتكاثر بسرعة، ماذا يفعل؟!

وضع يده على خده مفكرا، حك رأسه، مسد شاربه، استدعى موظفيه:
-  كيف سمحتم للصراصير بالتكاثر هكذا؟ كيف؟ كم نبهتكم أن تحرقوا القمامة خارج المدينة؟! لماذا تركتموها تتراكم؟ أغربوا عن وجهي، لا أريد أن يبقى صرصور فى المدينة، الصابون مفقود، كلما صنعنا كميات كبيرة منه استهلكتها الصراصير، سأعطى مكافأة كبيرة لكل من يقتل أكبرعدد من الصراصير.

صارت الصراصير تتمشى بين الناس علنا، وكأنها من سكان المدينة، ومن يدري؟! ربما يأتى يوم تزيح فيه السكان الأصليين وتحتل المدينة تماما.

فى المقهى:

هذه المدينة معروفة بكثرة المقاهي، وكثرة الكسالى يجلسون فى المقاهي، لا يملون من شرب الشاى والقهوة، الثرثرة ملحهم اليومي، يراقبون الرائحين والغادين، يكررون أحاديثهم ولا يملون، وفى الليل تستقبلهم الخمارات، وما إن يدب السكر فيهم حتى يتصوروا أنفسهم يقومون بجلائل الأعمال، أحدهم يصبح بطلا يقهر الأعداء، والآخر يصبح سلطان زمانه، وحين يأتى الصباح يذهبون إلى وظائفهم كى يشربوا الشاى والقهوة، ويثرثرون ويؤجلون أعمال الآخرين ومصالحهم.

شعر كسالى المدينة بالملل لكثرة ما كرروا من الأحاديث، وجاءت هذه الصراصير لتقدم لهم موضوعا جديدا، وأحاديث مسلية.

فى المقهى اجتمعت عصابة من الكسالى حول إحدى الطاولات، قال أحدهم مشيرا إلى صرصور يتمشى بين الطاولات
-  أرأيتم هذا الصرصور اللعين كيف ينظر إلى بعينيه الخبيثتين؟‍! انظروا كيف يحك قدميه ويرقصهما
-  أجابه صديقه: لقد أصبح كرشه مثل قربة مملوءة بالماء، تكاثرت الأمراض بين الناس بسبب هذه الصراصير.

صاح أحد الجالسين على الطاولة:
-  هل سمعتم بالمكافأة التى وضعها رئيس البلدية لمن يقتل أكبر عدد من الصراصير؟! إننى أشعر بالملل، وسأتسلى بقتل الصراصير، رزق أرسله الله إلي، اللهم أكثر من عدد هذه الصراصير، فالمكافأة تستحق أن نسعى من أجلها.

جلال البصير:

قارض الورق رغم عزلته سمع بقصة الصراصير، قارض الورق يكاد يصبح أثرا من آثار المدينة، فقد قارب الثمانين من عمره، أطلقوا عليه هذا الاسم لأنه كان منعزلا عن الناس، يجلس فى مكتبة منزله ويقرأ، تبحر فى كل العلوم القديمة والحديثة، قرأ التاريخ، والأديان، والفلسفة واللغات.

فجأة خرج قارض الورق من منزله، وبدأ يتجول فى الشوارع بين الناس، يقول لهم إن المدينة فى خطر، فيضحكون ويتهاونون كعادتهم، كان يردد ما سموه هلوسات، يقول إنه قرأ فى كتبه عن نبوءة بقدوم صراصير ذات أشكال مختلفة إلى المدينة، وأن هذه الصراصير ستأكل الصابون، وستأكل كل طفل ذى وشم أخضر على جبينه.

قالوا له: لم نر أبدا طفلا ذا وشم أخضر على جبينه
أجابهم: لم يولد حتى الآن طفل بوشم أخضر لكنه سيولد، وستأكله الصراصير إذا لم نقض عليها.

قهقهوا كعادتهم؟ كل واحد رمى حل المشكلة على الآخر

قالوا له: ولماذا تحمل السلم بالعرض؟! هذه القصة من اختصاص رئيس البلدية، ونحن تعودنا على الصراصير، وتعايشنا معها، وستمل وتترك المدينة، ونعود كما كنا، أنت متشائم، أنت شيخ خرف على حافة قبرك، وهذه هلوسات إنسان يحتضر.

3- التكاثر:

ظلموا جلال البصير، اتهموه بالهلوسة، وجاءت الأحداث مؤيدة أقواله، لقد كان صادقا، أما هم فكانوا كاذبين. دهش كسالى المدينة، فقد ولد لأحدهم طفل ذو وشم أخضر، وأكلته الصراصير، وتكررت القصة مع آخرين، يبدو أن الصراصير لن تكتفى بأكل الصابون، بل ستأكل أطفالهم، الصابون استبدلوا به التراب والماء، ولكن كيف يستغنون عن فلذات أكبادهم؟!

اقتنعوا أن المشكلة خطيرة، فالصراصير كانت تتكاثر بسرعة عجيبة، وتسمن، وتكبر، وتزداد شراهة، ولكن ماذا يفعلون؟!

جلال البصير يحمل طاسة نحاسية يقرع عليها ليلا ونهارا ويقول:
-  يا نيام استيقظوا.. يا كسالى لا تستسلموا..

يتجول فى أنحاء المدينة لا يكل ولا يتعب.

يقولون إن جلال البصير يصارع القدر والإرادة الإلهية، فالله هو الذى أرسل الصراصير، وبرحمة من عنده يبيدها أو يردها عن المدينة.

كسالى المدينة ما زالوا يجلسون فى المقهى كعادتهم يتسلون بالثرثرة، وشرب الشاى والقهوة، وما زالت الصراصير تسرح وتمرح.


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى