الأحد ٣٠ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٥
بقلم أمل إسماعيل

كـان النازفة.. وأبناؤها

جربتُ أن ألقي بنفسي في مرمى النار، ليس طمعا في الاستشهاد البحت! صدقني.. أعرف أني أدنى من أن يهبني الله الشهادة.. هل تعرف الشهادة؟ هل سمعت بها؟ هل رأيت وجه واحد من أولئك الشهداء يوما قبل استشهاده، وبعده؟!

عالِـجني من هذه الهلوسة المقيتة، من هذا الخوف المحموم والرغبة المستعرة في الماضي/المستقبل. أن تصبحَ "هو"، أو "هي"! هل تفهم؟

تمددَت على كرسي جلدي أخضر مريح، له مساند للرأس واليدين والقدمين، كرسي يدرك الجالس عليه تماما، أنه موشك على دخول عالم من البوح.. البوح الأخضر العاري من كل شيء.

ربما لا يعنيكَ الإنصات لما سأقوله، لولا هذا المكتب.. هذا الكرسي.. هذا الرداء الأبيض الذي يجبركَ على ادعاء طهارةِ النية.. وهذه الجدران الزجاجية التي توهمك بالتواجد في قلب الصورة، بينما تبعدكَ آلاف الأميال عنها!

أحضرتُ لك- على غير عادة زائريك- مئات التسجيلات والصور، منها ما هو بالصوت، ومنها ما هو بالصورة، أو بكليهما معا! هاجس أن "تكون"..... هذا ما نعيش لنرقبه!

حاولَ أن يقلب الصور والشرائط، عله يظفر بمكنوناتها خلسة، لكن خجل ادعاء المحاولة لون وجنتيه، فتنحنحَ واعتدلَ في جلسته، ليتابع برنامج إنصاته إليها.

-  أنـاااااااااااااااا..........

صاحت فجأة مُحـمِّلة ضمير المتكلم خلاصةَ ضميرها المنهك، ثم استأنست بابتسامة مرة وتابعت:

أنصحكُ أن تبادرَ إلى استخدام ضمير المتكلم في مجمل حديثك؛ فأنتَ لا تعرفُ متى تـُحرم هذا الحق إلى الأبد.. متى تصبحُ "هو" أو.. "هي"؟!

عندما سَجـّـلتُ أولى لقاءاتي مع أهالي الشهداء، سكـبْـتُ من دمعي ما يفيض عن حاجة صحارٍ ذبلت ضروعها! لكنني بكيتُ بكاء تأثر.. بشيء من الإحساس بالراحة للقيام بواجب البكاء الوطني المقدس على أرواح أبطالنا الشهداء! وسجل المصور بكائي الذي شجع المشاهدين على التوحد مع المشهد!!

في المرة الثانية والثالثة والرابعة وما تلاها كان الشعور أخف وطأة، رغم أني لم أملك حبس دموعي أو انفعالاتي.

هكذا.. بجرأة نازفة مـُرة، تخرج لك أم الشهيد ملابس ابنها- أو ابنتها.. لا فرق!- تلك المبتلة بذكرياته، المعطرة بأنفاسه، تعرضها عليك وأنت تسرح بملكوتك في دور الأزياء.. في آخر صيحات الموضة... هنا موضتنا الجديدة، ملابس الشهداء التي تحمل ما لا يقدر أعتى المصممين على تمريره في قطعة قماش يتيمة!

كان أنيقا... كان طيبا... كان محبا.. كان حنونا.. كان بارا.. كان متفوقا.. كان......!

تسرد لك تفاصيل حياة تظن أنك تعرف عنها شيئا ما- في تلك اللحظة على الأقل- تتخيل حياة كانت، لشخص، ربما لم تكن لتعلم أنه كان حيا.. إلا لأنك علمت أنه أصبح..... ميتا!

-  "الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون"......!

أجل.. هذا ما تقوله الآيات، وهذا ما تردده الأمهات.. أن تكون حيا، بصيغة الماضي، حياة جديدة بلون وطعم آخر، هم يعلمون أنك حي، لكنك لا تستطيع أن تجبرهم على استخدام صيغة المخاطب أثناء حديثهم عنك! يجب أن يكون الضمير ضمير الغائب....! يجب أن تقلب كل الأفعال إلى الماضي، كان.. أداة النزف الأولى!

بدأت أتأقلم مع الوضع، عفوا! أقصد.. بدأتُ أعتاد على الصمت المقدس في حضرة بقايا الذاكرة، لا أدري كيف تسرب هذا الإحساس بالعدم.. بالغياب، أن.. يملأني الخواء!

وجدتني أفتح خزانتي، أشم ثيابي، أرتب صوري في ألبوم الإطلالة الأخيرة على جمهورية الحياة! وأتذكر زميلة لنا في العمل، كانت.. أووه.. تبا!! كم أكره هذا الفعل النازف الناقص من الوجود!

هي صحفية نشيطة جدا، المرة الوحيدة التي تعمق فيها حوارنا كان عندما اضطررنا للتواجد معا في نفس الموقع بسبب الحصار الذي جعل رجوعنا إلى مقر المؤسسة عملية انتحارية!

يومها تأملتني كثيرا بابتسام، ثم أطلقت ضحكة هفهافة بان منها الفرق بين سنيها الأماميين. لا أنكر أني امتدحت أسناني وأنا أتأمل ذلك الفرق في أسنانها! لكنني أحسست أثناء ضحكتها أنني كالمعـلّقـَة في تلك الهوة بين السنـّين!!

سألتها عن سبب ضحكها وتأملها لي فأجابت: هيه.. رندا! إذا استشهدت إحدانا ماذا ستحمل لها الأخرى من ذكرى؟ ماذا يخـلّف فينا الشهداء الذين لم نلتق بهم قط؟! هل ستذكرينني مثلا؟ ماذا ستذكرين؟!
أوشكت أن أجيب بسذاجة: الفـَرق بين سنـّيك! لكنني تراجعت بشيء من الحرج للتفكير في مثل هذه الإجابة حين استطردت: ماذا ستذكرين؟ فعلا.. أنت لا تعرفين إلا اسما أو تفاصيل جسد.. لا يعكسان شيئا عن أرواحنا المحلقة!

ثم حضنتني وقبلتني فجأة، ثم قامت مودعة، فسألتها إلى أين تمضي، فأجابت: أريد أن آخذ قسطا من الراحة، سأموت الموت الأصغر!
ثم عاودتها نوبة الضحك من جديد، لكنها كانت تضحك بتثاقل، كمن ألقي على صدره صخرة بينما هو منشغل بسماع طـُرفة!

مع شقشقات الفجر الأولى، قصف المبنى قصفا لا يترك مجالا للشك أن المرء مُـسيـّر ومخَـيّر في الوقت ذاته!

طال القصف غرفة الموت الأصغر! تاركا للموت الأكبر أن يوقـّع على شفتي زميلتي.. ابتسامته الأخيرة!

-  ها أنت تسردين بالطريقة ذاتها التي يسرد بها الآخرون مجريات حياتهم! هذه هي دورة الحياة، فلم تنكرين على الآخرين الضمائر والصيغ والأحداث؟!

-  لا.. أنا لا أنكر على أحد حقه! أنا فقط أريد أن.. أن....!
تنفَّـسَـت بعمق، لملمت زوايا بصرها لتركزها على ساعة يده.
-  افهمني.. ربما لن تجد لعلتي شفاء؛ إنها علة التاريخ! ربما عليّ أن أصبح مؤرخة!

ماذا يعني أن تعيش حياتك كلها في انتظار الموت؟! أنت تولد.. لتموت! هكذا ببساطة تفني عمرك ليمر شخص ما من أمام قبرك ويصيح محدثا المارة: كان فلان.. وكان عهده!

لا أريد أن أكفر بالقضاء والقدر، ولا بالبعث والحساب، لكنني ما عدت أطيق العمل أو النظر إلى نفسي، إلى المرأة التي تمسح جبيني كل يوم بكف تدعو: الله يرضى عليك يا بنتي، إلى الأخت الصغيرة الباحثة في جيوبي وحقيبتي عن حلوى الليمون، إلى البقال والخباز.. إلى قطة الدار التي ألـِفت يدي التجوال بين شعيراتها الذهبية.

فكرت أن أطلب منهم الحديث معي بصيغة الغائب، أن أفتعل موتا، لأرقب الحكايا التي ستولد كرد فعل عكسي تجاه موتي، أليس لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه؟!

هز رأسـَه مؤكدا، مبتسما.. فتابعت:

هذه هي فيزياء "كان"، عندما تغيب، تختفي، تموت.. بما تحمل من أخبار وأفكار، تولد كل الأفكار والأخبار الكامنة عنك، تصبح لك شهرة من نوع آخر: شهرة الغياب! شهرة لا يمكن أن تتمتع بها أو تحصدها فيما لو كنت حيا!!

-  إذن، فأنت على هذا القياس ممن يرقبون نوعا صاروخيا من شهرة الموت! هل خطر لك ذلك؟!

رفعت يديها عن المسند وهزت رأسها هزا عنيفا.

-  لا.. لا، أنا لن أموت هكذا، أتمنى أن يموت كل من يعرفني فلا يذكرني أحد!

-  أوه! هذا لن يتحقق، لأنك من خاط لنفسه هذه الشهرة الحياتية كثوب فضفاض يستره عن الغياب. أنت أردت أن تدخلي كل البيوت فيراك آلاف المشاهدين يوميا، أن تصبحي قهوتهم الصباحية ووجباتهم المحكية.

ضمت يديها على صدرها: آه، ربما أوافقك على هذا، كبجعات البحيرة حين يستعرضن تأملاتهن الملكية أمام العيون المتلصصة بشيء من النشوة المشبوبة بالحذر!

لكن.. أن تكون شهيدا، فتلك رسالة أخرى، أسمى بكثير مما أنا فيه. أن يمضي المرء مفخخا الماضي بالمستقبل، أن تصبح "كان" لأنك اخترتها. لا لأنها مضت إليك من تلقاء نفسها لتذكرك بموعد رحلتك الأخيرة، وتتأبط ذراعك عنوة. هذه المرة أنت من يمضي إليها.. أنت من يتأبط ذراعها.. أنا..... أمضي نحو "الهو"!

-  أي الطريقين أفضل برأيك؟

صمتت.. هذا السؤال سؤالها، ها هو يتسلل إلى أعشاشها الخاوية، ينبشها بحذر وهدوء محترفين!

عضت عقلة إصبعها.

-  دعني أفكر..

تأملت زمنا لم يشأ أن يقاطعها خلاله، ثم اعتدلت فجأة وتركت الكرسي حاملة حقيبتها الصغيرة وقبل أن تنطق شفتاه بالسؤال أجابت: سأذهب!

لم تترك مجالا للنقاش، لم تحدد موعد الجلسة المقبلة، وعلل الطبيب ذلك برغبتها في كتمان إحساسها بالحرج من أن يلمحها أحد ما وهي خارجة من عيادته النفسية، فتنتشر حولها الشائعات المتخمة بالتوابل.
لملم أوراقها ودسها في ملفها. وألقى نظرة أخيرة على صورة المريضة، قبل أن يعيدها إلى درج المكتب المكتظ بملفات مرضاه.

-  د. يحيى.. كيف حالك؟ لم أرك منذ زمن يا رجل؟
-  أهلا غسان، كيف الحال؟

-  بخير.. تبدو على ما يرام، يبدو أنك في نعيم طالما مجانيننا في ازدياد!

ارتسمت على وجهه تقطيبة.. فاعتذر غسان عن جملته الأخيرة: حسنا، أقصد.. مرضاك!

تمشيا نحو ميدان الجندي المجهول، وبينما هما يمران لمحا إحدى المقاهي تعرض على القناة الرسمية أخبار الساعة، فلمح وجه رندا مكللا بشريط أسود. فجمد في مكانه، بينما استمر غسان في السير غير مكترث.
"هذا وقد استشهدت الزميلة رندا شرف الدين إثر هجوم نفذه الجنود الصهاينة على فريقنا الصحفي أثناء تغطية المجزرة الأخيرة التي وقعت في حي..........."

-  يحيى. لماذا تقف في وسط الشارع هكذا ببلاهة؟!
ابتلع نظراته التائهة، ونظر إليه كأنه يراه لأول مرة.
-  أنا، لا شيء، فقط......

وأشار بإصبع متردد إلى التلفاز.

-  آه، رندا شرف الدين مذيعة القناة الأولى، استشهدت أمس أثناء التوغل على حي النبعة. ألم تسمع بذلك؟

-  لا. الآن فقط عرفت بالأمر!

حك غسان ذقنة الخشنة وابتسم وهو يلكز كتف يحيى بخفة: يقولون إن رندا كانت مريضة نفسيا.. وكانت تتردد إلى عيادة طبيب نفسي. لقد لمحتها عندك مرة، لا تنكر! هذه ليست الآن أسرار مرضى، لقد ماتت المخلوقة!

أحس بضيق في أنفاسه، فتح زر قميصه، وعض على شفتيه متأخرا، بعد أن أجاب:

-  كــ..أ.. أجل، كــــانت إحدى مريضاتي!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى