الاثنين ٣١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٥
بقلم أحمد إبراهيم السعد

مذبحة العشب

- 1-

احث خطى مرهقة وانا اتقافز من رصيف لرصيف , دالفا لشارع النهر من جهة الشمال حيث تمثال شاعر المدينة . ليس في نيتي ,هذه المرة , ان اتوقف عند ركن , اصطاد سمكا او اتأمل زورقا .كل ما اتوق اليه- الساعة - هو ان اقطع شكي بسيف يقيني:".. مضى زمن بعيد منذ ان .. زيارة متأخرة ..كما لو انها وجبة عشاء باهتة ..تتشابك في رأسك الاشياء ..قدمت من مكان بعيد .. لكن من اين ؟ اعصر دماغك جيدا.. هل غادرت زنزانة ام منفى بطعم فردوس عابر ؟ لست تذكر تماما ..الامر سيان .. لا فرق بين الاسر والانقذاف الى غياهب سجن .. ايكما غاب عن الثاني .. انت ام عدن ؟.. "

ارجف , فيما احث خطى متثاقلة , مثل سيزيف , بأغلال خفية. اشارف المكان . امسح الرصيف المقابل بعينين اثقل جفنيهما سهر البارحة .. اين الحديقة ؟ انكر ما تبصره عيناي .. هم لم يكذبوا اذن وهم يعلنون عن وفاة المكان .. اين اليوكالبتوس .. الصفصاف .. الاترج والنارنج.. الخرنوب البري .. عنب الثعلب .. اسيجة الآس .. ممرات الامس ؟ لقد كف المكان عن ان يكون كما كان عليه .. متنزها تتلاعب الريح في جنباته , فبدلا من حدائقه الدائرية الخمس استحال الى مرآب وأي مرأب هو ؟!
ثمة دبابة تربض على ارض اسفلتية وهي تسدد مدفعا باتجاه الشرق !

-2-

" .. مستحيل .. انت في المكان الخطأ .. او انك في حلم .. من حديقة غناء الى مرآب .. من رئة الى مثانة ! نكتة سمجة كالحرب تماما .. اليس كذلك ؟ ..افرك عينيك جيدا .. ما ارهف الخيط بين أي اثنين .. العقل والجنون .. الحقيقة والوهم .. لا .. لا .. انت تحلم .. ثمة من يفعل ذلك .. الخيل تحلم وهي واقفة .. افتح عينيك جيدا .. الصمت الذي يزنر المكان لا يعطيك ايما اجابة ولا حتى القصر الصامت المجاور ..لكن الحقيقة تسطع قبالة عينيك .. جلية داعرة .. باردة برود الحديد في ليل الشتاء .. لا عشب .. لانزهات .. نصيبك ان تبصربرار اسفلتية تجثم فوقها دبابة .. اجل دبابة من نوع سنتوريون او شفتن او تي 72 .. ومن اين لك ان تميز بين ديناصور مجنزر وآخر ؟!

- 3 –

يوميا , دون هدى , تقودني ذاكرة مثقوبة وقدمان ارهقهما الترحال الى شاطيء النهر ومن ثم الى الحديقة التي لم تعد حديقة . حروب بلا انتهاء .. شارع النزهات الساعة بلا متنزهين .. يبدو ان المدينة تأبى التخلي عن عن ردائها الكاكي الماحق لألوان الارض .. حتى الهواء اصبح لونه كاكيا .. !

لمحت عسكري الحراسة يغادر المكان وهو يحمل حقيبة يد مستقلا مركبة ضباط عسكرية صغيرة .. لا بد انه – يالغبطتي – في اجازة . .قدماي الان تطرقان ارض الساحة . ريح لولبية تركل ركامات ورقية دافعة بها الى قاعدة شجرة نخيل مروحي – هي الناجي الوحيد من مذبحة العشب –تتوسط الساحة حيث تنطلق قوافل من نمل عملاق باتجاه مغارات واخاديد مبثوثة عند حافة السياج . ثمة ممر مفروش بالحصباء , مكسو بأوراق ورد . لعله ورد جوري او جهنمي او ملكة الليل او دفلى .. اوراق مرمدة او متفحمة تمرق عبرها سحالي " ام سليمان " , اسطوانات " اوديون " , " بوزيدفون "او " صوت سيده " تبعث وهي تدور انّات خافتة .. ما من احد في الساحة سواي . ضباب لا يفتأ يهوي كاسفا الق النهار .. الارض تدور .. الاسطوانة تدور .. ينبثق صوت مغنية طوتها اكف الزمن .. صوت عرفته مقاهي المدينة , حاناتها , قلوب شبابها .. الصوت الذي يمحو اللوحة الواقعية ليرسم بدلا منها لوحة الاثر الانطباعية .. الاثر .. ليس سوى الاثر ..يتأرجح مطوّفا في الامكنة .. صوت غير مرئي كالهواء .. صوت يؤرخ لحياة تعبق بالالوان .. الصوت الذي غنى " الاطلال " هو الساعة ينبعث من قبو السنين خافتا متقطعا :
يا جارة- الايك – ايام – الهوى – ذهبت – كالحلم –آهٍ - لأيام – الهوى - آه !

يشرع, اذ ذاك , رذاذ خفيف بالانهمار على وجهي .. ليس مطرا على اية حال .. تنثال معه وجوه من ألفت .. وجوه اعتادت ان تفد للحديقة , تقتعد مصاطبها الخضر المتقشرة او تتجول في ممراتها : حرس فنارات , عازفو ابواق , هاربون من صخب المدينة , سياسيون مطاردون , منشقون, مخبرون , مصورون فوتوغرافيون , متشردون , عشاق , غانيات , منتشو خمور رخيصة وانصاف منتشين , وجوه خافقة او متهاوية الى مملكة الموتى , عبر نهر بلا عودة ..

" .. عبثا تبحث عن الوجوه هنا .. الوجوه التي التي فقدت نضارتها .. الاسماء التي اختلط بعضها ببعض.. انها مطمورة هنا ..

تحت هذا الاسفلت ..و لكي تصل اليها ..تستعيد خطوطها التي محتها ايدي الزمن ينبغي عليك ان تحفر وتحفر .. احفر بفأس .. ان لم تجد فأسا فبسكين .. بأظفارك .. الرأس يخذلك انما الاظفار لا تفعل ذلك .. الحفر هو الامل الوحيد المتبقي لديك .. !

-4-

هي ذي الزيارة التاسعة او العاشرة ..

لا اعرف بالضبط مالذي يجتذبني الى هذا الطلل .. الذكريات او الوجوه .. أيتاح لأيما انسان ان يستعيد مويجة نافورة او اهتزاز غصن؟ تحاصرني صبوة وحيدة ويداهمني سعي جنوني لإستعادة التفصيلات اليومية الدقيقة لحديقة منطمرة .. الملمس؛ الرائحة.. الصورة .. يتعين علي في امر كهذا ان لا انسى ان المكان لم يعد قائما الا في بقعتين : في داخل رأسي المضطرب .. او في ذاكرة من تبقى من مرتاديه ولكن اين هم مرتادو المكان ؟ هل غابوا في طرقات النسيان .. اين حارس مرمى الزوارق ؟ اين رواد مقهى النهر ؟ ,بائع الحمص المسلوق والزبيب والمرطبات ؟ . كان لدي دفتر يوميات فقدته لسنين ثم عثرت عليه – لغبطتي – ذات يوم . حمل ذلك الدفتر عنوان " يوميات حديقة " :
الاحد .. مر عامان على اكتشافي للحديقة . ان الفرحة عندي تضاهي تلك التي شعر بها كولومبس وهو يكتشف ارضا جديدة .. صرت من زوارها المدمنين .. اهرب اليها من ضيق غرفات بيتنا .. من ضجيج اخوتي ..مشاجراتهم وفوضاهم .

الاثنين .. آذار :

الجو مشمس هذا اليوم . طلع كثير من الناس للإحتفال بيوم " الكسل " العالمي .. هكذا يسميه الناس هنا . لم اشهد جموعا غفيرة بمثل هذه الاعداد المتقاطرة على المكان من كل حدب وصوب ! قدم متنزهون ولم تأت " ازهار " .كان كتاب الرياضيات في يدي . اراد المدرس ان يفسد علينا متعة النزهات فتوعدنا بإمتحان عسير .اليوم تحتفل الاشجار بعيدها السنوي . لقاء ازهارهو عيدي الاعذب .. لكن لماذا لم تأت ؟ لاادري.. ربما منعها اخوها .. يتيم انا بدونها !.دسست الكتاب في جحر من جحور ابن عرس . غادرت الحديقة مخترقا جموع المتنزهين الى الساحل . ابتعت باقة خس وحمصا . تذكرت اني وحيد . منحتهمالمتشرد . تفرجت بلا شهية على العاب بهلوانية راح يؤديها فتى اعلى سقف زورق بخاري يمخر عباب الموج . كان ذلك الفتى يتشقلب , ببراعة وعلى نحو مخيف على سطح ذلك الزورق البخاري المنطلق كما لو انه كان مهرج سيرك .. كان الناس سعداء بكرنفال الزوارق البخارية .. يرقصون .. يدلفون للحديقة .. يتمرغون بإخضلال العشب وينثرون اوراق الورد في كل مكان ..

-5-

للساحل اسلم ظهري , للنهر ولمراكب ديناصورية عملاقة .. للشاطيء الآخر . اودّع النهر تاركا اياه وراء ظهري بمياهه المتعكرة التي لوثتها الحروب وفوهات مجاري المدينة . . اعاود عبور الشارع الى ما تبقى من سياج الحديقة القديم الذي تبدلت هيئته وتوقف عن ان يكون سياجا بل امسى محض خط متقطع من الواح زينكو منبعجة وإسبست مهشم وجذور اشجار مبتورة وأغصان متقصفة وسواتر رملية مقوّضة زحفت عليها متسلقات وحشية وحشائش حلفاء . عيناي متسمرتان في ارض( الحديقة- المرآب ). ألمح صفحة من جريدة . ادنيها من عيني وأقرأ : " .. مقبرة جماعية في .. " , " .. جدار برلين آخر في الضفة الغربية .. " , " فاتورة اعصار ميراندا تتجاوز ملايين الدولارات .. " , اقلب الجريدة. اقرأ خبرا عن ملكة جمال البحر الابيض المتوسط وآخر عن مجاعة في اثيوبيا وانقلاب فاشل في ارخبيل تعسّر علي الاحتفاظ بإسمه .. ثمة اخبار عن التصحر ومهرجان البندقية السينمائي واستطلاع ملون عن زفاف العصر الاسطوري وآخر عن اليورانيوم المنضب . اما على الصفحة الاخيرة فهناك صورة كاريكاتيرية لأحد جنرالات العالم الثالث . . ابصر خارطة للوطن.ارفع رأسي للحظات . تتوه عيناي في اسفلت الساحة التي كانت بالامس حديقة . تسطرني شمس عامية . لا اعرف من اين وكيف قبضت كفي على معول . أهوي بها على ارض هي ليست اشد صلادة من قلب جلاد . امضي في حفر مقبرتي الجماعية حيث ترقد احلامي , صبواتي , خيبات املي , صرخاتي المكتومة .. احفر واحفر بلا هوادة .. بلا كاميرات ولا اضواء ولا وكالات انباء .. يتقوض الاسفلت تحت ضربات معولي ..لقد آليت على نفسي ان احفر ماستطعت الى ذلك سبيلا .. يتفجر في وجهي شلال تتطاير منه اطيار ذبيحة, ورود محنطة ,فوارغ طلقات , جماجم متفحمة , من مكان آخر تنبجس خوذات جنود منبعجة , بساطيل شديدة الالتواء , شظايا اسطوانات مازال بعضها يحمل اسماء اغان لمطربين ملأوا الدنيا الحانا وكلمات ثم رحلوا تباعا في صمت . غبت ساعات ثم عدت للمكان مستأنفا عملية الحفر رغم ما كان يصاحب ذلك من آلام لا يمكن لأية نفس بشرية ان تطيقها .. ولقد اسفر الحفر هذه المرة , شأنه شأن كل مرة عن بروز هياكل عظمية اهترأت الى الحد الذي عجزت فيه عن معرفة ان كانت تنتمي لجنس البشر او لطيور او حيوانات منقرضة .. ثمة اجساد متعانقة , وجوه متحجرة بملامح بعضها سومري و بعضها الآخر بابلي , آشوري , زنوج وخلاسيون , اعجاز نخل متحفرة , اغصان اشجار ملتوية ..

ارفع رأسي ماسحا المكان بعينين كليلتين : ثمة في البعيد جمهرة من غاسلي السيارات يتحلقون حول مرسيدس زرقاء وهم يرفعون عقائرهم بغناء فولكلوري. مازالت الدبابة تجثم على ارض الساحة .. على صبوات القلب الوحيد .. ثمة في آخر الساحة فصيل من ذوي البيريات الارجوانية والبزات المرقطة ..تتمايل الساحة تحت سنابك بساطيلهم اللماعة .. ينفثون مقطعا ناريا لنشيد حماسي .. تضاهي اصواتهم هزيم الرعد ..

-6-

.. فارغة هي الساحة .. ليس سوى شاحنة منزوعة الاطارات ارقدت على دعامات .. ظل دبابة عملاقة قرب السياج .. متشرد كسيح يزحف عبرا الساحة الى مخبأ له خلف دغل اعشاب البردي ..

- 7 –

شبابي تحت سرفة دبابة .. شبابي تحت اسفلت .. !
....................................................
الحلم نفسه .. كل يوم تقريبا !


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب عراقي

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى