السبت ٢٥ آذار (مارس) ٢٠٠٦
بقلم إيمان بصير

مقطع من رواية: "عشب الأرصفة"

واصل إبراهيم الدلال العيش وحيداً بعد ترك هيفاء البيت، وموتها بعد ذلك بفترة قصيرة في ظروف غامضة. وكان يوم اختفائها يوماً عادياً كباقي الأيام: بعد أن ذهب الأدهم إلى المدرسة، ذهب هو إلى عمله. لا أحد يدري كيف أمضت هي يومها. لكنه عندما عاد ذاك العصر، كانت تحشر نفسها داخل الخزانة، تقلّب أوراقاً كثيرة، منها أوراق تقارير طبية، وشهادات الابتدائية للأدهم، ووصول الأقساط المدرسية وأوراقاً أخرى. ظنها تبحث عن شهادة الشرف التي حصل عليها الأدهم، عندما أنهى الصف السادس، وستطلب منه أن يأخذها إلى المُصوّر، كي يضعها داخل إطار جميل يليق بها، كما ألحت عليه مرات عديدة.

بعد قليل جاءته بالشهادة، وقالت له كما توقع تماماً. لكنه لم يأخذ الشهادة فقط، أخذ يدها أيضاً وسحبها إليه، ورماها إلى جانبه واحتواها. كأنما الآن فقط جرها إلى الخلاء وألقاها داخل الحفرة وأهال كومة الأتربة والحجارة فوقها. كأنما ما زالت متروكة في عراء الأرض الخالية البعيدة.

وحيدة.. خائفة.. دون أهل وأخوة، والموت حالة وشيكة ومخيفة.
شعرت بالذعر ذاته. قاومته. حاولت أن تفلت منه. ظلت تقاومه حتى استنفذت كل قواها، وأصبحت مثل خرقة يشكلها كيفما أراد. وبعد أن نفث أنفاسه في وجهها وعلا شخيره. سحبت جسدها من جانبه، وقلبّت كل ما في الخزانة، وبحثت في جيوب قمصانه وبين كتب الأدهم وفي جوارير النملية، إلى أن عثرت على ورقة قديمة محشوة بالكلام مذيلة بتوقيع أهل الإصلاح. اطمأنت إلى أنها وجدتها. دسّتها في عبها حتى دخلت غرفة الأدهم، ومزقتها إربا ثم ألقتها في المرحاض ودلقت فوقها جردل ماء. عامت بعض الأحرف على السطح، إلا أنها لم تمكنها من تركيب جملة تقرّ وتشرّع زواجها من الرجل الذي دمر حياتها. كان يجب أن تفعل ذلك من أعوام عديدة.

ارتمت فوق المصطبة. مسحت دموعها بكم فستانها، وتقلّبت على برودة المصطبة، وتنهدت. راق لها أخيراً أن تنام على بطنها وأن تضع يديها تحت المخدة وان تفتح ساقيها. وخطرت لها فكرة لن تبوح بها لأحد وهي أن تتعرّى. لن تفعلها لولا أنها أرادت التخلص من خشونة الأقمشة وصلف الألوان والتصاميم التي ترتديها. ما أعذب أن تجعل الشرشف الأبيض الناعم يلمسها ثم يطيش فوقها، ولن تمانع إذا ما طوقها وحاصرها. ها هو يمنحها بعض البلل الجميل بدل الوجع في رأسها والحرقة أسفل بطنها وفي صدرها. حاولت قشط الندبة أسفل عينها. كانت ملساء ملتصقة بجلدها وتقهرها. سلختها بأظافرها ثم بالسكين حتى نزّ منها سائل، لا لون ولا وصف له كأنه الذي يقهرها.

لم تكترث عندما سحل المنديل عن رأسها، سمحت لنفسها مرة واحدة في هذا العمر أن تتعرّى من أجلها هي، وليس من أجل أحد غيرها. هيئ لها وهي تتململ على برودة المصطبة، أن هناك من ينفخ فوق جروح رأسها العاري، كما تنفخ الجدة على قدح الشاي الساخن قبل أن يجرع الصغير. قد تكون تلك أنفاس مروان الذي طالما فكرت به واستهوتها فكرة أن يضمها. هي تستحق أن يضمها. شعرت بطاقة دافئة تخرج منها، كأن كل الحنين الذي له يغادرها. امتدت ساقاها ويداها، وبدأت تلك الطاقة تأخذها نحو غيمة من الورد كانت تنتظرها.

كالسحر قفز صوص الأدهم قربها على المصطبة. قبّلته. قبّلت الأصفر الشهي. فرد جناحيه فوق ذراعيها ونفش ريشه مثل طاووس صغير، فلمس عنقها وكتفيها وتأوهت للمرة الأولى والأخيرة.

اختفت في نفس اليوم الذي كان فيه إبراهيم الدلال يخطط لترك البيت، من أجل نبذ هذه الحياة المملّة المقيتة التي يحياها، والتعرف إلى فتاة عذراء والزواج منها.
حضر مراسم الدفن مع القلة التي حضرت، وبدا عليه الفتور والقلق. بعد الجنازة أسرع خطواته إلى البيت. داهمه شخص قبل أن يفتح الباب، ولكمه عدة لكمات على وجهه وأنحاء جسمه، وهرب. هو واثق أنه هيثم السعدي، وليس أحدا سواه، ظل باستمرار يهدده ويتوعده. واليوم كان يترصده وخيل إليه أنه لو أمسك به فلن يتركه، إلا بعد أن يخلص عليه.

عندما وصل هيثم البيت، كاد الدم يفرّ من وجهه وعينيه. وجد الأبواب مفتوحة على آخرها. لم يقصد أن يتركها مفتوحة، إلا أنه لم يجد سبباً لإغلاقها. ليس في داخل الغرف ما يخسره. بقايا أثاث قديم. طناجر الألمنيوم، أرطال من العدس، والفول. جدائل الثوم المشنوقة على الحائط. فرن الكاز الذي توقف عن عمل الخبز، شوال الطحين، وثوب بيتي لأمه، نسيت أن تضعه بين الأشياء التي كانت قد أعدتها لتنزل معها القبر. استنشق رائحتها. ظل يستنشق، حتى استحضرها وبكى في حجرها. كانت في أيامها الأخيرة قد اتخذت شكل عجوز هرمة، لدرجة أنه أصبح يرى فيها الجدة التي كانت تقيم في بيتهم عندما كان صغيرا. كانت هيئتها الأخيرة أضاءت له الكثير من ملامح تلك الجدة، بعد أن كادت تغيب تماماً من ذاكرته. فاختلط عليه الأمر في الآونة الأخيرة وأصبح يناديها على أنها جدته. تسللت أصابعه إلى الجيب الصغير في ثوبها، وعادت بعلبة كبريت كانت تحفظها هناك، كي تحرق بها النتش الذي انتشر في الحاكورة وأمام الدار.

قد يغيب عنه صوته، وتغبش ملامحه، لكنه لا ينسى إيقاع سعلته، التي كانت تسبقه كلما اقترب من البيت، كأنها حمامة جاءت تزف خبر وصوله. رافقت تلك السعلة والده منذ ما يقارب عشرين عاماً. يذكرها عندما كان صغيراً. ظلت تهاجمه بشدة عند الفجر. كان وقعها يثير مشاعر الشفقة والمقت داخل البيت. كان وتوأمه هيفاء يسمعان أمهما وهي تؤنبه وتواسيه:


كم مرة قلت أنك ستترك الدخان!
ليجيبها بين كل سعلتين، لاهثاً:
• - من اليوم سأتركه.
وتعود هي وترد عليه:
• - يا رجل الدخان يقصّر العمر.

مشهد يومي تكرر طوال سنوات. أحياناً بحذف كلمة هنا، أو إضافة كلمة هناك. لكن دون تغيير في نبرة صوت أمهما المضطرب، ولا في قلق الأب وخوفه من الموت، الذي يطل عليه مع كل شفق شق بكارة السماء.

حدسه كان قويا أن الموت سيداهمه ذات فجر، لما يشعر به من حشرجة واختناق، يقاومه بشرب قدح من الزعتر الساخن. وفيما بعد أصبحت أم هيثم تعد قدحا آخر لها لتشرب معه، وهما يتبادلان الحديث حول فوائد الأعشاب في علاج الأمراض، ومستجدات الحارة والقرية وحالة الطقس والأوضاع السياسية. وكانت غالباً ما تسأله عن رأيه فيما إذا كان السلام سيتحقق في البلاد. فإذا قال نعم ينشرح قلبها وتغتبط. أما إذا قال شيئاً مغايراً غير هذا، فتصيبها خيبة كبيرة وترد عليه:

- حيرتني يا أبو هيثم. في سلام وإلا ما في ؟
ويرد عليها:
• - هو السلام في جيبتي يا وليّة؟
وتتمتم كأنما تريد أن يسمعها وتخشى ذلك معاً:
• - يا رجل استقر على حال، أمس قلت في سلام، واليوم تقول الله أعلم!!
وغالباً ما كان الحديث بينهما يتحول إلى جدال حاد، يصحو التوأم على أثره. ومن المرات النادرة التي حصلت، ثارت عصبيته ذات فجر وحطم الراديو تحت قدميه، وهو يسعل سعالاً شديداً. مئات المرات شعر أن حياته ستتوقف عند هذه اللحظة، وخلال ثوان تدب فيه الحياة، وينهض ليعد نفسه للذهاب إلى الورشة، كأن احتضاره منذ قليل كان وهماً وليس حقيقة فتتت قلوبهم.

صباح واحد لم تداهمه نوبة السعال. لم ينتبه هيثم وأمه أنه شفي منها بعد هذه السنوات. لم يفرح أحد منهم لهذا الطارئ، لأنه تلا الحادثة التي تعرضت لها هيفاء.
ربما ظنا أن غفوة باغتته عند ذاك الفجر ونسوه نائماً. وعندما شارفت الساعة على الثامنة، إستطولت زوجته غفوته، ودخلت الغرفة، ولم يعرف هيثم ما الذي حصل في الداخل. لكنه سمع صراخاً. فزع إلى الغرفة، فوجد أباه محدقاً في سقفها، فاتحاً فمه كمن يوشك أن يسعل، أو أن السعلة كانت قد جاءته وسدت حلقه. ناداه. حرك رأسه وكتفيه ولم يتحرك أو يلتفت. صاح ولطم وجهه كما فعلت أمه يوم جرّت هيفاء إلى الخلاء وعادوا بدونها.

ألقى اللوحات التي رسمها، بما فيها لوحة ظهرت فيها طفلة بوجه امرأة عجوز تقوس ظهرها، وتجذر في حدقتيها حزن معتق، وشجرة وراءها تفسخت وانحنت. ألقى كل ذلك كومة واحدة على المصطبة أمام البيت، وصب فوقهاً جرة الزيت وبقايا الألوان، فظهر خليط من الألوان والإيحاءات وتمدد قماش اللوحات وتلوّى.

تركها على هذا الحال عدة أيام، تغوط فوقها الحمام الذي جاء مؤخراً وبنى أعشاشه في طاقات الدار. تشّلع القماش بفعل الريح، وتحللت الألوان وتداخلت في بعضها وجرت في جداول صغيرة مع مياه المطر.

راقب نزف الألوان. تمنى أن يوقفه أو يعيده إلى مواقعه وفيه بعض منه. لكن الأمور أفلتت من يديه. الشيء الوحيد الذي كان بإمكانه أن يفعله هو إنقاذ ما تبقى منها من عبث الريح، فقام بركنها إلى زواية ووضع فوقها حجرا.

في إحدى ليالي، لم يهن عليه أن يتركها في البرد والعتمة، وهي التي كانت تمده بشعور من الألفة والطمأنينة. نهض وفتح الباب، وأنقذها من شر أفعاله.
بعد هذه الحادثة أصيب بحالات تبلد فاقت ما سبقها. صار ينزوي ساكناً دون حراك، شارد الذهن، وتوقف عن شرب القهوة ونفث السجائر.
هذا الوضع تفاقم ووصل ذروته، عندما جمع أثاث البيت وملابسه، وما تبقى من ثياب لأمه وأبيه، ولحافا ورديا ووسادة كانت لهيفاء، عليها صور أطفال يركبون عربات طائرة محلقين فوق العالم. هذه الوسادة رافقتها منذ صغرها، وكان ما لفت انتباهها وجود هؤلاء الأطفال الذين أعطتهم أسماء، وغالباً ما سمعوها وهي تتحدث معهم وتحشر نفسها بينهم.

جمع كل ذلك وأشياء أخرى في مكان شجرة الليمون، وصب فوقه الكاز الذي تبقى في البابور، وأشعل النار. وبلمح البصر كانت ألسنة اللهب قد امتدت إلى جدران الدار، وأحرقت أعشاش الحمام. ثم وصلت الشبابيك فدفعت بالزجاج وفجرته، ودخلت المطبخ وأتت على كل ما فيه.

تدافع إلى البوابة الخارجية جميع أهالي القرية من صغار وكبار، وحضرت سيارة الإطفاء بعد إن كانت النيران قد التهمت كل شيء. وشوهدت ألسنة النيران تتدافع من الشبابيك، كأنها أيادي أناس معذبين تمتد نحو السماء طالبة المغفرة. وأشيع بين الحشد الغفير أن هيثم السعدي، كان موجوداً في البيت أثناء الحريق. تدافع الناس إلى الداخل، لكن لم يجرؤ أيّ منهم على الاقتراب، إلا عندما خمدت النيران. كان أدهم الجابري أول هؤلاء. نادوه. حاولوا أن يميزوا جثته عن أي شيء آخر احترق وتلف ولم يستطيعوا. كما لم يتأكدوا انه كان موجودا بالفعل وقت الحريق.

آخر مرة رآه فيها يوم الجدال الأخير الذي دار بينهما، والذي انتهى عندما قام هيثم بطرده من الدار، بعد أن طالبه باتخاذ إجراء قانوني ضد الرجل الذي نكّل بأخته. كما كرر على مسمعه ما فعله هو ضد هيفاء يوم حط البلطة في رأسها. عندما هوت البلطة. قبل أن تصل بأعشار من الثانية، ارتعشت يده وتراجع. خشي أن تغيب الغالية من حياته إلى الأبد، وهي توأمه ورفيقته.
وكلما تذكر أدهم الجابري كيف كان يطل عليه هيثم بعينين ذابلتين جاحظتين، يموج فوقهما غشاء شفيف يكشف عن حالة حداد أبدي، يفكر بأن ينصت إليه. يومها مشى هيثم أمامه مثل ظل شخص لا وجود له، لولا أنه كان يدعوه بإلحاح كي يتبعه إلى الداخل. سرعان ما ظهر أمامه

عرض عجيب من نوعه للوحات متلفة. كأنه أبدع مدرسة في الفن التجريدي، هي مدرسة إنقاذ الأشياء من اللاجدوى إلى اللاجدوى القصوى. صرخ هيثم، كأنما العالم منه بعيد:
• "هذا أنا. . في داخلي مثل هذا الخراب".

كان هذا آخر ما قاله هيثم قبل أن يجرؤ ويطرد صديقه من الدار. وخيل لصديقه لحظة أن ضغط هيثم على أسنانه السوداء النحيلة وصرخ، انه رأى شكل جمجمته. وأدرك متأخرا أنه في غمرة إصغائه المفرط لهيثم، نسي أن يسأله عن ابن هيفاء الذي دشع إلى المدينة منذ أشهر، ولم يعرف عنه أي خبر.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتبة فلسطينية مقيمة في الولايات المتحدة

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى