الجمعة ٩ آذار (مارس) ٢٠١٢
بقلم فيصل سليم التلاوي

مَوطئٌ للقدمْ زلةٌ للقدمْ

ترفقَ بي صاحبي
حين حدثني عن رحيلٍ إلى مَوطئٍ للقدمْ
تساءلتُ:
ياصاحبي كم مواطىءَ قد زُلزلت قبلُ من تحت أقدامنا ؟!
وكم من رياحٍ محت ما تجرأ من خطونا
أن يقيم دليلاً على أننا ذات يومٍ مررنا هنا!
ما ادعيتُ بأنا لبثنا هنا.
وفاجأني صاحبي:
أن موطئه الآن لا كالمواطئِ،
موطئُه رقعةٌ خلف ظهر الوطن.
تناءت إلى ما وراء (أريحا) وعمق (سدوم)،
وزمجرَ من روعِه:
سمّها ما تشاءُ،
فناءً من الخلفِ،
مَحضَ قفًا،
غير أنك لا تستطيع ادعاءً
سوى أنني حجرٌ،
شجرٌ مُشهرٌ عُريَهُ إن أردتَ،
ولكنني فوق أرض الوطن،
وفي وهج الشمس،
أقسم لي أنه لن يُظلله غير فيءِ العلم.ْ
وأفزعني صاحبي
عندما زارني بعد عامٍ طويلْ ،
وفي صوته بحَةٌ وألم ْ،
ومن غور عينيه غيمٌ تدافع َ،
ما نبست شفتاهُ ، ولا اغرورقت مقلتاهُ
ولكن طيفاً ألمَّ وغشّى على ناظريهِ،
فألفيته ذاهلاً يائسًا
حين أفصح لي صاحبي دون همسٍ
عن الهمِّ والأملِ المستحيلْ،
عن الأخطبوط ،
وألف ذراعٍ تُطوِّقُ في (الغورِ) جيد النخيل،
وعن قاتلٍ مُجهشٍ بالبكاءِ
يَغذُّ الخُطا خلف نعش القتيل،
وألف يهوذا يبيعون بالثمن البخس طفل الجليلْ.
وحين دعاني إليه أجبتُ،
تجرّعت ذلَّ «المحاسيم»، (1)
مَسّحتُ بَصقة جنديهم عن جبيني،
تبسّمتُ في وجهه رغم أنفي،
وقلتُ: - «شالوم»
ولاحت على البعد مستوطنهْ،
على هامة التلُ،
قرميدها مثل قبعةِ الإنكشاريِّ،
لم تخفَ يوماً عليَّ
لها مثل لون دمي ونبيذ الكروم.
تعالى سياجٌ يُزِنرُها ،
يتمددُ للسفح ، للذبحِ،
يهوي على ألف زيتونةٍ
تتضاءل وسط حصار الهشيم،
فأنكرتُ بستان جدي القديم
على كتفِ " اللحفِ" (2)
يمتد مُسترسلا للبيادر،
ناديت في لهفة بقرات ٍ ثلاثٍ لجديَ
للتوِّ فارقتها، منذ خمسين عاماً فقط.
وأجهشت شوقاً " لحَجلة " شوقاً "لعِنابةٍ"
ولأم التوائم "نوارةٍ "، (3)
في جنون الربيع يطوف بها طائفٌ ،
ثم يتركها تذرع السهلَ والوعرَ،
والطفل يعدو ، يولولُ ، يعثرُ ، ينهضُ ،
ينهشُ ساقيه جيشٌ من الشوك
يصطف، يفغرُ أفواهههُ النَهِماتِ
على جانب الدربِ،
يغرز أنيابه والغًا في دماه ْ.
يهيمُ على وجهه،
غيّبتهُ تلاليفُ أقصى الحقول .
يطاردني فزعٌ أن تضيع َ
وأن لا تعود إلى البيتِ .
يخجلني لوم جدّي،
بأنيَ ما كنت يوماً جديراً،
وما كان دوماً يطيرُ بلُبّي ،
ويدهش قلبي
سوى أنها سبقتني إلى الدار،
ما ضيّعت دربها أو توانت
على عادة السائرين .
سلامٌ على بيت جدي القديمِ،
حجارته تتناثر تحت سنابك مستوطنهْ،
على جذع زيتونةٍ يُستباحُ،
ولكنه لا يُخلي المكانَ،
يظل يزاحمُ غرقدةً
تتطاول فوق ضريحِ ولِيٍّ كريمٍ،
نذرنا له في الزمان النذورَ،
وطفنا بساحته حالمين
على أنه اليوم لا وقت للحُلمِ.
أيقظني من ذهولي انتهاء الزيارة:
غادرعلى الفور.
أبلغني مُرغماً صاحبي
فودعتُ موطئه والقدم ْ
وعدتُ بلا موطىء أو قدم ْ
وكل الذي قد خبرتُ بهذي المفازةِ
ما زاد عن زلةٍ للقدم.ْ
 
-# المحاسيم: جمع محسوم وهو الحاجز باللغة العبرية
-# الِلحِف: الأرض الطينية الحمراء في سفح الجبل بالعامية الفلسطينية
-# "حَجلة وعِنابة ونُوّارة: أسماء بقرات كانت لجدي أيام زمان.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى