الخميس ٢٤ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٩
بقلم إيهاب جوزيف

ابتسامة عابرة

كثيرة هي تلك اللحظات التي تتذكر فيها حدثا طريفا قمت به منذ زمن بعيد فتجد ابتسامه تغزو وجهك فارضه نفسها علي اجواء خيالاتك رغما عنك.. و عندها تتوالي في ذهنك الخواطر والاحداث.. الضحكات و الهمسات التي كانت يوما هي ينبوع يفيض بسخاء لرسم ابتسامتك.. تتذكر اياما كانت فيها الابتسامة تخرج منك دون عناء او تكلف.. تخرج من اعماقك لتخبر الجميع ببراءة و نقاء قلب صاحب هذة الابتسامة التي غالبا ما كانت تتحول بمنتهي السلاسة الي ضحكة صاخبة..

تتذكر اياما كان المرض فيها يشتد عليك وعلي الرغم من ذلك كنت تصر اصرار بالغا علي الذهاب الي المدرسة لمجرد لقاء الاصدقاء و اللهو والتواثب هنا و هناك فلم يكن لك أن تتصور صخبهم بدونك.. تتذكر حينها وجة والديك اللذين طالما تعجبا من تصرفاتك..

-  من امتي وانت مجتهد اوي كده؟ خليك النهارده في البيت انت تعبان
-  انا هاروح المدرسه مليش دعوة.

فلا أحد منهما يفهم سر هذا الإصرار الغريب علي النزول برغم مرضك فتتوالي الذكريات في ذهنك لتتفكر تعليق والدك حينها واصفا اياك بالخروف في اصرارة علي المناطحه فتزداد ابتسامتك انفراجا.

تتذكر معلمتك في الابتدائية التي لم تكن تجيد نطق الحروف بصورتها الطبيعية (لدغاء) وكيف كنت و زملائك تتهكمون علي طريقة نطقها للكلمات التي كانت تخرج منها بطريقة مضحكة و كيف كنتم تصتنعون الجهل بمعاني بعض الكلمات التي كنتم تدركون تماما انها تمثل حملا علي لسانها.. كانت تنطلي عليها الحيلة لبعض الوقت و لكنها حينما كانت تدرك.. كانت تتعالي صرخاتكم و توسلاتكم و وعودكم لها بعدم تكرار الامر.. تتذكر حين كانت تسالك والدتك عن سبب الكدمات و اثار اللطمات فكنت تتلعثم معللا ذلك بمشاجرة مع بضع الاشقياء.. كنت تكذب لانك تعرف تماما انك اذا تفوهت بحقيقة ما حدث لتكررت صرخاتك و توسلاتك و وعودك.. و لهذا كنت تكذب مستمتعا بسرد رواية عن هؤلاء الاشقياء الذين اعترضوا طريق رجوعك الي البيت بدون سبب وتكتلهم عليك و ضربك و انت الضعيف المهذب لم يكن لك حيلة سوي البكاء.. عندها فقط يحن القلب العظيم و يضمك الية و يربت عليك فترقص انت طربا بداخلك لهذة النتيجة و تقارن في خيالك سريعا بين وضعك الحالي و ما اذا صدقت القول فتسرع في سرك بالتهليل لمن اخترع الكذب..اخترع !!!.. تتذكر هذا كلة فتتسع ابتسامتك اكثر و اكثر..

تتذكر الفأر البلاستيكي الاسود الذي اشتريته من البائعة الجالسة أبديا خارج بوابة المدرسة بعد ان اخذت تدخر من مصروفك لمدة تزيد عن الاسبوعين مصمما علي الاخذ بثأرك بعد الاهانه القاسيه امام كل زملائك و اصدقائك و بعد التوبيخ و السخريه بكلمات لازعة شديدة الوطء عندما عرضت علي فينوس المدرسه في ذلك الوقت صداقتك.. تتذكر رهانك مع اصدقائك علي قبولها لصداقتك بمجرد عرضك ذلك.. تتذكر درجة حرارة اذنيك و الارتفاع الطردى لها مع كل كلمة تخرج من فمها.. تتذكر تهكماتهم و تهامساتهم و ضحكاتهم الصاخبه التي كانت تثير داخلك ما تثيره من غيظ و غل.. تتذكر كيف بدأت داخلك رغبة الانتقام.. تتذكر كيف كان التخطيط و ما حدث حين أمرت المعلمة الجميع باخراج كراسة الواجب المنزلي من الحقائب.. تتذكر حينها انك اغمضت عينك و منيت نفسك بسماع اعلي صرخة فزع حتي و ان كان بعدها الصمم.. تتذكر حين حدث.. تتذكر نشوة الانتصار الذي لا يقارنة شئ في الوجود.. تتذكر (التشششششش) التي شعرت بها فعليا تعتمل فيك.. تتذكر كيف نظرت اليها حينها و كل زفرة تخرج منك تصرخ معلنة انك انت الفاعل.. تتذكر هذا كلة فتنفرج اساريرك حتي تشعر ان جانبي فمك وصلا الي اذنيك.

تتذكر نظرتك لنفسك في المرأه و اعجابك بهذا الخط الرفيع الباهت الذي بدأ يتكون اسفل انفك.. تتذكر منظر الحجره الذي كان يظهر انعكاسه في المرأه.. دولاب الملابس.. الكره التي كانت تظن أمك انها تخفيها عنك فيه.. ويقودك الخليط العشوائي من تلك الذكريات الي فتره مرضك التي طالما تتذكرها وكيف عانيت وعانت معك عائلتك بالكامل منها.. تتذكر حين كنت تفتح عينيك في منتصف الليل لتجد أمك جالسه بجانبك تبكي متضرعه الي الله لتشفي.. تتذكر حينا كانت فيه تلثم يديك مرتفعتي الحراره و تبللهما بدموعها.. فتجد دمعه افلتت من زمام جفنيك فتسرع بمسحها مبتسما من نفسك في سخريه متألمه.

كثيرا ما تشرد بخيالك لتدخل في تفاصيل لحظات كانت أبعد ما يكون عن مخيلتك لتجد نفسك تتذكرها فجأه.. فمنها الخاطف الذي لا تتذكر من تفاصيله الكثير و منها الراسخ الذي تعرف بانه لن يطمس بأية حال.. منها الباسم و الباكي و منها الساخط و الساخر..

خليط غريب لا يتفتق إلا عن ذهن لا يعرف عن التصنيف أو التنظيم ابسط انواع القواعد و هو ما يجعله محبب الي قلبك.. لحظات من المرح الطفولي اللذيذ التي كلما تذكرتها تبتسم في مزيج من حنين لها و حسرة لصعوبة تكرارها.. لحظات تتذكر فيها كيف كان اللهو و المرح و الانطلاق الشبابي حتي و ان لم تكن تشارك فيه بالكثير.. لحظات تتذكر فيها كيف كان التوجس و الترقب الذي يسبق اذاعة نتائجك و خاصة الثانوية العامة و التي طالما تتذكرها فتشعر بصدرك يعلو و يهبط في توتر و قلق و كأنك تعيش نفس اللحظات الكئيبة مرة اخري فتطلق سبة رغم عنك و تلعنها ذكري.. و سرعان ما يتفهم ذهنك كم قسي عليك بتلك الذكري فيعمل علي اسراع شريط العرض لتصبح مجرد ومضة أسفه اثناءه.

و تأخذك دهاليز هذا العقل الفوضوي لأمال وأحلام كانت تمثل جزءا رئيسيا و فعالا في حياتك.. وتجسد امام عينيك كل طموحاتك التي تلاشت في سرعه عجيبه.. فكانت هناك المناصب العليا التي تنتظرك انت دون سواك.. و شهادات التقدير الدولية التي كانت تتلهف ان تنهال عليك من جميع المؤسسات العلمية في جميع اركان العالم.. و اسمك الذي عند ذكرة في احد تلك المؤتمرات الهامه عظيمة الشأن ترتج لة اركان المكان.. جائزة نوبل التي كان سيسلمك اياها ملك السويد و هو ممتلئ فخرا لمجرد مصافحتك و الوقوف الي جانبك.. المعادلات الناتجة عن ابحاثك و التي كانت ستملئ جميع المراجع في شتي انحاء البسيطة.. الايادي الكثيرة التي كانت سترتفع الي السماء شاكرة مهللة لانقاذ مصير البشرية من الهلاك المحقق عن طريق تلك العقلية النووية الفذة (اللي هي عقليتك طبعا )..

آحلام عريضة.. طموحات ليس لها حدود.. ثروات طائلة.. مستقبل زاهر باهر يحسدك علية الجميع من حولك.. امنيات و امال.. كثيرا من الامال..

وهي كانت تدعي امال.........

-  متبصش لفوق أوي كده لرقبتك تتقطم.. خلينا علي أدنا.. امشي جنب الحيطه أحسنلك خلينا نعيش.
-  طب خلاص خلاص.. فين الشراب ؟ خليني الحق الدفتر احسن ياخدوني غياب ذي امبارح
-  هتلاقيه عندك تحت السرير.. آآ لأ تحت الدولاب.. آآ لأ ده في الجزمه من امبارح متغسلش
-  (في سره متحسرا ) فينك ياماه
-  هاتعمل ايه انهارده ؟
-  بالزمه ده سؤال.. أهو زي كل يوم هيفرق ايه يعني ؟!.. هاروح أقعد علي المكتب لحد معاد الانصراف وأديني جايبلك البطيخه وجاي.
-  طب متنساش تظبط نفسك قدام المرايه قبل ماتنزل.. مش كل يوم تنزل مبهدل كده

مكرها يقف أمام المرأه.. مشمئزا يطالع ذلك الانعكاس الردئ الذي بدا له منها.. مرغما ينظر الي ذلك الوجه التي ملأته التجاعيد و شاخ قبل أوانه ليجده شاخصا فيه بذات الدهشه والاشمئزاز.. متمعضا يجاهد لهندمة ثيابه المجعده بلا فائده.. مجبرا يمسك بالمشط محاولا تهذيب ما تبقي له من شعيرات علي جانبي رأسه و لكنها تأبي في عند.. يستثيره مظهره المنفر الذي يطالعه برغم كل تلك المحاولات.. يعيد ثيابه الرثه لوضعها الساخر الاولي و يثير شعيراته القليله لتبدو كما كانت منذ لحظات.. يعجبه مظهره كما تعود عليه دائما.. تداعب ثغره ابتسامه ساخره من ذلك الشبح الذي يطالعه.. متحسره نادمه لأنه يعرف ماهيته.. عابره لأنها قلما تطفو علي سطح وجهه.

-  انت لسه واقف عندك !.. مالك بتضحك علي ايه ؟!.. ماترد.. في ايه؟!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى