الثلاثاء ١١ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٨
بقلم عبد الله الحميدي

بين المادة والروح

نبتت فكرة هذه المقالة بعد قراءة ممتعة فى كتاب "العلم فى منظوره الجديد" تأليف كل من روبرت أغروس، وجورج ستانسيوالكنديين وترجمة الدكتور كمال خلايلي. الكتب مثل الناس فيها الكرام واللئام وفيها المعقولة والمنقولة والمهبولة، وفيها المفيد والثور العنيد.

وخلاصة الكتاب بقلم المترجم أنه (يدور البحث في هذا الكتاب في شكل موازنة بين مقولات النظرة العلمية القديمة والنظرة العلمية الجديدة. وقد عرض المؤلفان للظروف التي نشأت في ظلها النظرة العلمية القديمة التي اصطبغت بصبغة مادية كرد فعل إزاء هيمنة الفلسفة المدرسية المسيحية على العقول، والتي وصلت إلى حالة من التحجر العقلي والتخبط الفكري. وقد انتهت النظرة القديمة إلى الإلحاد والاستهتار بكل القيم الأخلاقية والروحية وفسرت السلوك تفسيرا غريزيا فسيولوجيا. إزاء هذه النظرة ظهرت-في مطلع القرن العشرين-نظرة علمية منافسة كان
من أ برع روادها أينشتاين، وهايزنبيرغ، وبور، وغيرهم. وقد أجمعت آراء كبار علماء الفيزياء النووية والكوزمولوجيا (دراسة الكون ونشأته) في هذا القرن على أن المادة ليست أزلية، وأن الكون في تطور وتمدد مستمرين، فدعوا إلى الإيمان بعقل أزلي الوجود يدبر هذا الكون ويرعى شؤونه.

ثم جاء جيل آخر من العلماء المتخصصين في مبحث الأعصاب من أمثال شرنغتون، واكلس، وسبري فخلصوا-بعد بحوث مضنية-إلى أن الإنسان مكون من عنصرين جوهرين: جسد فان وروح باقية لا ينالها الفناء، وأن الإدراك والتفكير ليسا من صنع المادة بل يؤثران تأثيرا مباشرا في العمليات الفسيولوجية ذاتها.

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية ظهرت حركة جديدة في علم النفس اعترف روادها بالعقل، ورفضوا تفسير السلوك البشري بلغة الدوافع والغرائز الحيوانية، وآمنوا-بدلا من ذلك-بالقيم الأخلاقية والجمالية والجوانب الروحية والفكرية والنفسية. هذه خلاصة عن هذه النظرة العلمية الجديدة التي وردت مقولات روادها ونتائج أبحاثهم مفصلة في هذا الكتاب.)

لكنني أعتقد أن الكتاب كثير الثمار ويستحق القراءة المتأنية سواء فى لغته الأصلية أوفى ترجمة الأستاذ كمال. بإختصار كتاب رائع، يشكر مؤلفيه ومترجمه إلى اللغة العربية. ويزيد إعجابي به حسن لغته العربية وترجمته وسهولة فهمه رغم تعرضه لقضية أوفكرة عميقة شائكة. وأعتذر عن نقص الإقتباس والنقل فان الإيجاز أصعب من الشرح.

عرفت أيها القارئ الكريم فكرة الكتاب وحان الوقت لإدراك تفاصيل هامة وشيقة من خلال صفحات الكتاب الواقعة فى 160 ورقة. وهومن إصدار رقم 134 من عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب فى دولة الكويت. وليت المترجم أشار على إسم الكتاب باللغة الإنجليزية وكذالك إسمي المؤلفين. حتى يمكننا البحث عن إنتاجهما. على أية حال، عموما، نحاول الكتابة بإيجاز وعرض غير مخل ما إستطعنا منه لمن لم يتمكن من الحصول على هذا الكتاب. مع العلم بأن قراءة كامل هذا النوع من الكتب خير وأحسن. لأنه عن غائية الوجود وخالق الكون والجمال والفن والأدب والثروات الروحية وكرامة الإنسان وفكره وشعوره.

النظرة العلمية القديمة هي المادية العلمية التي تؤكد أن لا وجود إلا للمادة، وأن الأشياء جميعا
قابلة للتفسير بلغة المادة فحسب. والعقل نشاط نتاج الدماغ والمخ. الفن والأدب وكل نشاط هومادي فقط وليس روحي. هل هذه النظرة والفلسفة حق؟ هذا ما يحاول الكتاب الإجابة عنه.

الحقيقة تكمن كلها فى المادة هذا هوأساس العلمية المادية والتى وصلت أوجها فى القرون الثلاثة المتأخرة الماضية (17، 18، و19). إلا أنه مع بداية القرن العشرين بدأ قبول هذه النظرة فى التناقص بناءا على مكتشفات وتطورات العلم الحديثة.

أن جميع الأشياء الطبيعية تنشأ في نهاية المطاف عن تفاعلات بين جسيمات تتكون منها هذه الأشياء. وهكذا فالماء سائل على نحوما نعرفه لأن جزيئاته تنزلق بجانب بعضها بعضا بقليل من الاحتكاك. والمطاط متمغط لأن جزيئاته بحكم مرونتها تغير شكلها بسهولة. والماس شديد الصلابة لأن ذرات الكربون الموجودة فيه متراصة بشدة على هيئة شعرية محكمة النسج. ولابد من أن الأمر نفسه ينطبق على العقل. ويذكر عالم الأحياء توماس هكسلي (Huxley (Thomas
وهومن علماء القرن التاسع عشر(أن الأفكار التي أعبر عنها بالنطق، وأفكارك إنما هي عبارة عن تغيرات جزيئية). يقصد بكلمة جزيئية: تغيرات جزيئات المواد والعناصر عند الكيميائين.

ويصف هكسلي العلاقة بين العقل والجسد على هذا النحو: (يبدوأن الوعي متصل بآليات الجسم كنتيجة ثانوية لعمل الجسم لا أكثر، وأن ليس له أي قدرة كانت على تعديل عمل الجسم مثلما يلازم صفير البخار حركة القاطرة دونما تأثير على آليتها.(ومن المستلزمات الأخرى لتصور العقل وفقا للنظرة القديمة أن لا شيء في الإنسان يمكن أن يبقى بعد الموت. فإذا كان التفكير والإرادة نشاطين من أنشطة الدماغ فليس هناك سبب يجعلنا نفترض أن هذين النشاطين يمكن أن يستمرا بعد فناء الدماغ، وإذا كان كل جزء من أجزاء الإنسان مادة، فلابد من أن يكون كل جزء منه عرضة للفناء فلا خلود إلا للمادة. وكان علماء الفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) يتوقعون أن يأتي المستقبل بالجواب. وفي عام ١٨٦٨ كتب هكسلي يقول (وهكذا سيوسع علم وظائف الأعضاء في المستقبل شيئا فشيئا من عالم المادة وقوانينها إلى أن يصبح مساويا في امتداده نطاق المعرفة والشعور والعمل).

بإختصار، إن النجاح العلمي الباهر فى القرون الثلاثة الماضية فيما يتعلق بشرح ظواهر الحركة والحرارة والضوء والكهرباء. ولد في النفوس رغبة في توسيع نطاق هذا الأسلوب في الشرح بحيث يشمل جميع حقول المعرفة بما فيها علوم الأحياء والنفس والتاريخ والاقتصاد. وقد أسفرت إمكانية الكشف عن أسرار جزء كبير من العالم الطبيعي، بافتراض وجود المادة وحدها، عن دفع بعض العلماء تدريجيا إلى اعتبار المادية جزءا من الأسلوب العلمي ذاته. وكان لدى العلماء في القرن التاسع عشر كل ما يدعوهم إلى الاعتقاد بأن القرن العشرين سيكمل بناء هذا النظام وهذه النظرة العلمية المادية.

وأحرز القرن العشرين بالفعل تقدما مذهلا ونجاحات جديدة أخرى ولكنها لم تكن كما توقع العلماء الماديين. فهدمت فيزياء آنشتاين فيزياء نيوتن (لم يكن نيوتن من الماديين، لكن الماديون شرحوا قوانينه الميكانيكية والرياضية والفيزيائية بطريقة مادية بحته) فسقطت قوانين فيزياء نيوتن داخل تركيب الذرة.

فالكشوف الجديدة لم تكمل النظرة القديمة ولكنها قدمت نظرة جديدة بدأت بالسير تشارلز شرنغتون الذي يعتبر مؤسس فسيولوجيا الأعصاب الحديثة.

فلنورد مثالا لتوضيح المراد من أقوال اكلس وشرنغتون. ماذا يحدث، مثلا، عندما يرى سقراط شجرة؟ تدخل أشعة الشمس المنعكسة من الشجرة في بؤبؤ عين سقراط، وتمر من خلال العدسة التي تركز صورة مقلوبة ومصغرة للشجرة على شبكية العين فتحدث فيها تغيرات فيزيائية وكيميائية.

فهل هذا هوالإبصار؟

كلا، إذ لوكان سقراط فاقد الوعي لأمكن تركيز تلك الصورة على شبكية عينه، محدثة نفس التغيرات الفيزيائية والكيميائية، ولكنه في هذه الحالة لا يبصر شيئا. وبالمثل تركز آلة التصوير على صورة ما، فيتعرض "الفيلم" الموجود في الآلة لتغيرات فيزيائية وكيميائية، ولكن
آلة التصوير لا تبصر بالمعنى الحرفي الألوان والأشكال التي تسجلها.

أما إذا أردنا أن نفسر إبصار سقراط فنحن بحاجة إلى أكثر من ذلك كثيرا. فالشبكية، وهي صفحة من المستقبلات شديدة التراص (عشرة ملايين مخروط ومائة مليون قضيب)، تبدأ، حين ينشطها الضوء المنبعث من الشجرة، بإرسال نبضات إلى العصب البصري الذي ينقلها بدوره إلى قشرة الدماغ البصرية. وكل شيء إلى الآن قابل لأن يفسر بلغة الفيزياء والكيمياء. ولكن
أين مكان اللون الأخضر من كل هذا؟ فالدماغ نفسه رمادي اللون أبيضه. فكيف يستطيع أن يتلقى لونا جديدا دون أن يفقد لونه السابق ؟ وكيف يستطيع دماغ سقراط أن يبصر الضوء إذا كان دماغه مغلقا ومعزولا تماما عن أي ضوء؟ ويكون الأمر معقولا لوأن سقراط حين وجه بصره نحوالشجرة، لم يحس إلا بأزيز من الكهرباء في دماغه. ولكن النشاط الكهربائي والكيماوي لدماغه، الذي مكنه من الإبصار بطريقة ما، هوبالضبط ما لا يراه سقراط. وبدلا من ذلك فسقراط عندما ينظر يرى الألوان والأشكال والحركات والضوء، وكلها بأبعادها الثلاثة. بل من العسير أن نتخيل كيف يمكن لأي من هذه الأشياء أن ينشأ عن المواد الكيمياوية والكهرباء.
ويؤكد اكلس على سر الإدراك الحسي فيتساءل: "أليس صحيحا أن أكثر تجاربنا شيوعا تقبل دون أي تقدير ما تنطوي عليه من غموض هائل ؟ ألسنا لا نزال كالأطفال في نظرتنا إلى ما نقبله من تجاربنا المتعلقة بالحياة الواعية، فلا نتريث إلا نادرا للتفكير في أعجوبة التجربة الواعية أولتقديرها? فالبصر، مثلا، يعطينا في كل لحظة صورة ثلاثية الأبعاد لعالم خارجي ويركب في هذه الصورة من سمات الالتماع والتلون ما لا وجود له إلا في الإبصار الناشىء عن نشاط الدماغ. ونحن بالطبع ندرك الآن النظائر المادية لهذه التجارب المتوطدة من الإدراك الحسي كحدة المصدر المشع والطول الموجي للإشعاع المنبعث. ومع ذلك فعمليات الإدراك ذاتها تنشا بطريقة مجهولة تماما عن المعلومات المنقولة بالرموز من شبكية العين إلى الدماغ"
فالنشاط الفسيولوجي والكيميائي للدماغ، وفقا للنظرة العلمية الجديدة، أمر ضروري للإحساس متزامن معه، ولكنه ليس الإحساس بعينه، والمادة وحدها لا تستطيع أن تفسر الإدراك الحسي. فالنظرة القديمة تستطيع أن تتحدث عن الموجات الضوئية، والتغيرات الكيميائية، والنبضات
الكهربائية في الأعصاب، ونشاط خلايا المخ. أما عن عمليات الإبصار والشم والذوق والسمع واللمس ذاتها فليس عند المادية ما تقوله. أن الإدراك الحسي حقيقة، ولكنه ليس المادة، ولا هومن خواص المادة، وليس في مقدور المادة أن تفسره. ومن هنا يخلص شرنغتون إلى (أن كون وجودنا مؤلفا من عنصرين جوهريين أمر ليس، في تصوري، أبعد احتمالا بطبيعته من اقتصاره على عنصر واحد فقط). فالنظرة الجديدة تفترض وجود عنصرين جوهرين في الإنسان: الجسم والعقل. وإلى جانب الحواس الخارجية نجد تحت تصرفنا مجموعة كبيرة من ملكات الإحساس الداخلي. نأمل لحظة أننا …لك القدرة على الإحساس لا بالبياض وبحلاوة الطعم فحسب، بل على إدراك الفرق بينهما. فالعين تدرك البياض ولا تدرك الحلاوة، واللسان يدرك الحلاوة ولا يدرك البياض. فلا اللسان ولا العين يستطيعان التمييز بين البياض والحلاوة لأن أيا منهما لا يدرك الاثنين معا. وبصدق هذا القول نفسه على الفرق بين ارتفاع الصوت وارتفاع الحرارة.

الصدفة والضرورة، كلتاهما، عاجزتين عن تفسير الجمال فلا بد من وجود شيء غير هذين البديلين. فحيثما تصرفت العلة بفعل ضرورة فلابد من وجود داع لهذا التصرف، ولكنه تصرف أغلقت دونه جميع المسالك باستثناء مسلك واحد. أما الصدفة فهي من الناحية الأخرى تقبل البدائل، ولكن ليس هناك سبب يفسر تحقيق بديل دون غيره. والطريق الوسط بين هذين الطرفين علة تقبل البدائل، ولكن لديها في الوقت ذاته سببا يفسر اختيارها لواحد منها دون سواه. فهل من شيء في تجاربنا يعمل بهذه الطريقة؟ واضح أن هناك شيئا كهذا: انه عقل كل منها.

لوكان الإنسان مجرد كائن مادي، كما تزعم النظرة القديمة لكان من المعقول أن نتخذ أشياء
مادية أبسط، كالآلات، نماذج للسلوك البشري. فلكل آلة دافعة تشغلها، كالبخار أوالكهرباء أوالاحتراق الداخلي. وعلى ذلك كان أهم عنصر في الإنسان، وفقا لعلم النفس في النظرة القديمة، هوقوته الدافعة. والقوى المادية في الإنسان تتخذ شكل غرائز وانفعالات، هي مصدر جميع الأعمال التي يقوم بها الإنسان. أما العقل فلا يملك زمام الأمر لأنه نتاج ثانوي للمادة. إذا فمفتاح سر النفس البشرية يكمن في اكتشاف أقوى غريزة أوعاطفة تدفع الإنسان وتطغى على كل ما عداها. وعلماء النفس في النظرة القديمة يتفقون على أن الغرائز والانفعالات هي التي تقود الإنسان، ولكنهم يختلفون بصدد تحديد الغريزة الأساسية. فبعضهم، مثل هوبيز يزعمون أنها الخوف من الموت، بينما يقول مالثوس إنها غريزة الجوع، فرويد يقول إنها غريزة الجنس.لكن متى تجد الدافع الأساسي فعلوم النفس في النظرة القديمة تبدومتماثلة.

فالإنسان يملك القدرة على التصرف من أجل تحقيق أهداف ينتقيها هونفسه. غير أن الأهداف تستند إلى قيم. وعلى ذلك فإن علم النفس في النظرة الجديدة يشمل دراسة القيم. ويوضح روجرز أن علم النفس الجديد يشمل ثروات الفرد الروحية والعقلية فيقول: (في هذا العالم من المعاني
الروحية والعقلية ما يستطيع هذا العلم أن يبحث جميع المسائل التي ليس لها معنى لدى السلوكي. الغايات، والأهداف، والقيم، والاختيار، وفهم الذات وفهم الآخرين، والتصورات الشخصية التي نبني بها عالمنا، والمسؤوليات التي نقبلها أونرفضها وكل عالم الفرد المدرك بالحواس بنسيجه الضام للمعنى). علم الفيزياء ومبحث الأعصاب في القرن العشرين يعترفان باستقلال العقل وعدم قابلية إرجاعه إلى مادة. فيما يتعلق بالدين فالظاهر أن مستقبل النظرة الجديدة يوحي بالعودة بثقافتنا إلى الإيمان بوجود الله الواحد، وبإعادة التأكيد على الجانب الروحي من طبيعة الإنسان. وأخيرا، وعلى صعيد الفنون، تزيل النظرة الجديدة من علم النفس وعلم الكونيات أسباب النفور والعبثية، مستعيضة عنهما بالغائية والله والجمال والعناصر الروحية وكرامة
الإنسان. وهكذا نجد للفنون مرة أخرى ما يستحق أن يوجد وللشاعر ما هوجدير بأنشودته: إن الكون هوالمكان الطبيعي للإنسان.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى