الاثنين ٣١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٥
بقلم هناء محمد محمد

بين النملة وشعاع الشمس

يتطلع لكفه، بعد أن ملّ الجدران .. كفه متسخ، لا يذكر متي غسله آخر مرة
زفر بحنق "اف لا أدري ماذا أفعل أيضا"
كان قد انتهي من عد ذرات الشمس المتدفقة داخل هذا الشعاع الرفيع.. كما ملّ التطلع من نافذته الضيقة.. وصديقته النملة لم تخرج اليوم

"لابد أن أفعل شيئا قبل أن أجن"
إلى الجدار من جديد ... كل من مروا هنا، تركوا بصماتهم فوقه .

بالكاد وجد لنفسه مكانا، لوحته التي رسمها أمس ـ أهو أمس! ـ مازالت أجمل الرسومات علي الحائط، وان كان لا يدري هو نفسه معناها ..
تهلل وجهه حين لمحها خارجة من أحد شقوق الجدار..
 كيف حالك!
ردت تحيته بفتور حاول أن يتجاهله:
 تأخرت اليوم ..
نظرت له دون أن تجيب .. لابد من الاعتذار .. هو يعرف كبرياءها
 أ... أعلم انك غاضبة.. كنت أصلي حين خرجت أمس ..
لم تجبه رغم اعتذاره .. استدارت عائدة للشق .. حاول استبقاءها، لكنها لم تمنحه فرصة .. ضرب يده بالجدار بعنف وغضب.. سيعاني فراغا قاتلا حتى تسامحه .. عاد إلي شعاع الشمس، وقف معه طويلا .. اكتشف ـ لدهشته ـ أنه لا يستطيع الإطباق عليه.. حاول كثيرا .. لا فائدة .. بدأ يتطلع لكفه من جديد .

الرسم علي الحائط، لم يؤلم أسنانه فقط بل كسر ظفره أيضا .. "كل هذا من أجل لوحة لا معني لها" .. ضحك متخيلا محاولات القادمين بعده لتفسيرها .. لاريب أنهم سيقضون وقتا ممتعا في هذا .. تمني لو أنه وجد مثلها في لوحات سابقيه الغبية ، عاد إلي النافذة .. الدلو مازال مقلوبا تحتها .. حتي مع الوقوف فوقه، مازالت النافذة بعيدة .. النظر منها يؤلم عنقه، لكنه يتسلى بسماع أحذيتهم الثقيلة تضرب الأرض من حين لآخر، وربما أسعده الحظ بالتقاط كلمة من هنا أو هناك .

عاد يرفع عنقه ، السماء كئيبة خلف هذه الشبكة المعدنية، لكنها تكون فاتنة إذ تتحول للبنفسجيّ ، طيلة عمره يحب هذا اللون .. أسند رأسه على الجدار متنهدا .. هاهو يذكرها من جديد ، عادت تطل بعينيها الثرثارتين علي عزلته الخرساء ، "موعدك ليس الآن حبيبتي! موعدك ليلا، حينها أحتاج لهذا النور".. لا ، لايريدها .. أمس- تراه أمس!- حلم بها حلما مشينا ، لا .. هو لا يريد مزيدا من الخجل.

نزل من فوق
بدا أكثر تعاسة ، مازال اليوم طفلا ، الليل بعيد، وهو كف عن العد .. أفلتت أيامه من بين أصابعه كشعاع الشمس، لكنه واثق أنهم بالخارج يحسنون العد.
بالتأكيد لم ينسوه سيأتي عم (رضوان) قريبا ليعيده لرفاقه الاوغاد، أوغاد..نعم، لكنه اشتاقهم كثيرا .. أشتاق سحناتهم الشرسة ودعاباتهم السمجة، اشتاق حتى سبابهم.

"أقسم أنني لن أعود هنا قط.. أقسم أنني سأتقبل منهم أي شيء" .. انكسر حماسه على حافة الكلمة الاخيرة .. كان يعلم أنها لا تعني(أي شيء).. دوما سيبقي شيء لن يستطيع تقبله.. "أف".. عاد إلي شق الجدار
 "إسمعي .. ايوجد معني لما تفعلين"
 "حسبت أننا أعقل من هذا" ، لم يتلق ردا؛فعاد يقول بإغراء:
 "سيزج بالإفطار الآن.. يوجد كثير من الفتات بانتظارك"
"تبا لك يا غبية "
هذه طبعا لم يجهر بها.. لا يريد تصعيد الموقف.. خفض رأسه بحزن.. "بلا قضية أنا.. بلا غاية.."
جذب نظره شعاع الشمس الرفيع، ذهل لأنه لم يسأل عن مصدره من قبل .. مدّ بصره لاعلي .. يااااه ، انه يأتي من فتحة صغيرة بأحد أركان السقف، ركن بعييييد ، هذه المرة لن يفيده عشرون دلوا .. أخذ يدور حول نفسه باحثا عن شيء يصلح..
"ألا يوجد حبل!"

"حبل!، أية سخافة!".. فكر بتسلق الجدار .. أخذ يتحسسه.
انه متساو ، ليس فيه بروز واحد .. لن يستطيع تسلقه مالم يصبح نملة .. ضحك حين تخيل نفسه معتليا ظهر نملته ليصل .

"فقط لو تصالحني تلك اللعينة!" .. أتعبه التفكير .. جلس فوق الدلو المقلوب ، وتنهد بحسرة،نازعا عينيه من الفتحة المشعة:
 "لافائدة ..لن أصل إليك حتى لو شنقت نفسي "
فكر هنيهة، ثم عاد برأسه لأعلى


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتبة مصرية

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى