

بين تقنيات السرد ومقاومة الموت"
يتسم المشهد الروائي المصري بزخم إبداعي بالغ الثراء و التنوع، حيث ثمة كتابة إبداعية تتخلق الآن في رحم الإبداع المصري، و تتشكل على مهل، كتابة تأتي في ظل سياق (سياسي/ثقافي) فائر و موار؛ و لعل رواية "سحر أسود" للكاتب حمدي الجزار من الروايات المهمة في هذا الصدد.
يضع (حمدى الجزار) عنواناً ذا منحى إشارى دال لروايته (سحر أسود) ، مشيراً به الى تلك الآلة الجهنمية التى تفارق آلة (جان كوكتو) ، بيد أنها قادرة هى الأخرى على سحق البشر، إنها (الكاميرا) التى يؤنسن (الراوى / ناصر) علاقته بها ، مستعيضاً بها أحياناً عن هجر الأصدقاء وقسوة العالم، بيد أننا لسنا بإزاء تجربة ملتاعة تستحضر النفس الرومانتيكى القديم ، بل نصبح بإزاء رواية تتماس مع الواقع السياسى بمفرداته المختلفة (اجتماعياً – اقتصادياً – ثقافياً) .
إن (سحر أسود) نص روائى يَعْبُرُ الأشياء ويُعَبر عنها فى آن..
بدءاً من مفتتح الرواية نرى ثمة استهلالا نصياً بديعاً يبدأ به (الجزار) روايته ، ويمثل هذا الاستهلال – فى ظنى – ما يسمى بالتقديمة الدرامية للنص ، حيث يشى بأجواء الرواية ، والتى نصبح فيها بإزاء مقابلة بين عالمين عالم (الراوى) وعالم (ريحان) ، هذان العالمان المعبران عن وجهى العملة (الحياة – الموت)، وعلى الرغم من التعارض الظاهرى بينهما، إلا أن إمكانية ما للتلاقى يشير إليها (الراوى) ، عبر محاولته مفارقة تلك العلاقة "الوجلة" بينه وبين (ريحان) ، ورغبته فى اقتحام هذا الشخص الراصد لولع البشر بالحياة من حوله، مخيطاً لهم الأكفان – فى الآن نفسه .
إن الشخصية الروائية هنا (ريحان) تتجاوز منحاها التقنى لتصير علامة دالة – وفق المنهج الإشاري – على الموت ، وذلك فى مقابل (الراوى / ناصر) البطل الغارق فى ملذاته الجنسية، محتفياً بها، ومصدراً إياها باعتبارها ترميزاً ينفى "جدب الحياة " ويعارض " قسوة العالم " ويعد المقطع الممهد للنص جزءاً من بنية السرد الروائى فى (سحر أسود)، ومدخلاً بالغ الأهمية للفصول المرقمة داخل الرواية، وبما يشى كذلك بوعى الكاتب وتحركه وفق استراتيجية محددة يخضع لها نصه، حتى أن ذلك يتجلى بشكل بارز فى استخدام الكاتب لأليات " التشكيل الكتابى " على الصفحة، وتوظيفه لها، والتى تبدأ منذُ الوهلة الأولى، حيث يتم إفراد السطر الأول من الرواية لكلمة واحدة، هى (لا)، مصدراً بها مفتتحه الروائى، وبما تنطوى عليه من دلالات متعددة، تجعلنا بإزاء نص يقاوم الموت، ولا يأبه به :
"لا. لم أشعر برهبة من هذا المكان، أو بخوف من هذا العجوز الجالس على دكته الخشبية الصغيرة فى مدخل البيت القديم ، يخيط الأكفان البيضاء بابتسامة ثابتة تجمدت معها ملامح وجهه ، ونظرته المقتحمة التى تتردد بين الأبرة والقماش والداخلين والخارجين من البيت . يتفحصهم طويلاً، بثبات ، كأنه لا يراهم ، تقريباً، كأن عينيه ميتتان ، أو هكذا يبدو لشخص جديد مثلي هنا. يتفرس في وجوههم، يزنهم بميزان حساس متفهم، و أياً كان شخص الداخل أو الخارج من البيت رجلاً أم امرأة أم طفلاً، و أية كانت هيئته و حاله و مشيته فإن العجوز غالباً ما تنفرج شفتاه و تلمع عيناه العميقتان الصغيرتان في ابتسامة ودودة تمنحها تجاعيد و غضون وجهه براءة الخلو من الغاية" .
يبدأ (الراوى) فى الحكى عن علاقته بالكاميرا منذُ الفصل الثانى ، لنكتشف أن بينهما علاقة وثيقة بدأت فى سن الرابعة عشرة، أو إذا كانت ثمة تحولات قد انتابت وظيفة (الكاميرا) لدى (الراوى / ناصر)، فإن هذه التحولات تأتى متوائمة مع وعي الراوي ، فقديماً كان يريد عبرها مجابهة الوضعية الأبوية (ممثلة فى الأخ الأكبر هنا)، ثم تتحول بعد ذلك إلى أداة للتندر على العالم والسخرية منه، وهذا ما يتجلى فى الاستهانة من قبل (المصور/ ناصر) بالوقار المزعوم لضيوف الندوة " وجوههم وجوه ممثلين محترفين يجيدون إخفاء أنفسهم ببراعة ومهارة منقطعة النظير بينما تختفي أجزاء أجسامهم السفلى خلف خشبة المنصة. كانوا لا يرتدون إلا ملابس داخلية تستر أعضاء أجسامهم وعوراتهم المسترخية " وتبقى (الكاميرا) فى كل الأحيان أداة لرؤية العالم، وجعله أكثر بهاءً من وجهة نظر الراوى، لذا فهو لم يشعر بوحشة حين استقبل الكاميرا (الديجيتال) بإمكانياتها التكنولوجية الأكثر حداثة، وكأنه يعيش حالة وله مع الفكرة ذاتها، فالكاميرا بمثابة (رؤية العالم) هنا والتى يطرح عبرها الراوى تصوراته وهواجسه .
وإذا كان الفن طرحاً واختياراً لما هو جوهرى ودال ، فإن الكاتب فى (سحر أسود) قد اختار لحظته الروائية " ببراعة ، مجيداً فى القبض عليها ، صانعاً – ما أسميه " بوسطه البيئى الخاص، وهذا ما يبدو بارزاً بدءاً من شخصيته المركزية (ناصر)، الذى يعمل فى (الميديا) وما تحويه من تناقضات ، وبما يتيح له مزيداً من الكشف الذى يبدو الراوى بإزائه واعياً بفكرة (الميديا) وماهيتها ، بل واتسامها بالخفة ولذا فهو يدينها كثيراً فى النص ، ويمارس تسامياً ما عليها ، ويحيلها إلى مجرد " مادة للحكى " فحسب.
تتسم الرواية بوجود انتقالات سردية دالة، ففى الفصل الرابع عشر يعود (الراوى) للحكى عن محبوبته الأثيرة (الكاميرا) والتى تصبح بمثابة (الرفيق الحقيقى) له ، ومن ثم يأتى هذا الانتقال السردى بعد الحديث عن هجر الأصدقاء وقسوتهم .
يمثل (الجنس) فى (سحر أسود) تيمة أساسية تنحو الى أن تصير بمثابة البنية المهيمنة على الرواية ، وللجنس تجليات متعددة داخل الرواية ، حيث يصبح أحياناً وسيلة لكشف الأقنعة ، وتجاوز الزيف ، ويصبح – أحياناً أخرى – محركاً للعالم ، وأداة تصلح كوسيلة ناجحة لتعاطيه ، بل وتفسيره ، بيد أنه يبقى دوماً عنواناً على التجدد المترع بالخصوبة والحياة معاً .
إن (سحر أسود) نص مشحون بالدلالات السياسية والثقافية، يدين عبره (الجزار) مفردات العالم الجديد (القهر والبنكنوت)، ويحكى فيه بمرارة عن شخوص مأزومين قتلهم القمع والخوف معاً (عوض أبو حسانين / جمعة) متوسلاً فى سرده بحيل تقنية دالة، ففى الفصل السابع عشر يستخدم ضمير الغائب حاكياً عن (فاتن) ليحدث تحول تقنى فى استخدامات ضمائر الحكى ، بما يتيح له انفصالاً عن الشخصية (المحكى عنها)، ومحققاً قدراً من الاستبار الدال فى سيكولوجية (فاتن) كاشفاً عن هذا الخلل فى علاقتها الجنسية مع زوجها، ومتماساً فى ذلك مع الإلماح إلى شخوص أخرين داخل الرواية (نادية رستم ، فادية) يعانون اضطراباً يتبدى فى الخلل فى العلاقة الجنسية واللهاث الدائم وراءها حتى أن (نادية رستم) إحدى شخوص الرواية تعد شخصية سادية لأبعد الحدود .
إن مدا إيروتيكياً يسيطر على الرواية، يصبح عبره (الجنس) قريناً للنشوة عند الراوى، فضلاً عن مناطق عديدة داخل النص، حاول فيها الكاتب أنسنة هذه العلاقة الحسية ، وصبغها دوماً بطابع إنسانى، يصبح عنواناً على استمرار الحياة – وهذا ما تشير إليه الخاتمة الدالة للرواية- و انتصاراً لنسق يعانق الحياة ويقاوم الموت: "قالت إنها تحبني، لا تحب في العالم غيري، و أنا قلت إنني أفهم، و إنني لا أشعر بألم، و إنني لا أملك أن أسامح و إنني أريدها كما هي، أريدها. ثم نمنا متجاورين غير عابئين بالعالم في الخارج، و انتهى كل شئ، انتهى و أننا واصلنا حياتنا معاً. معاً. معاً كما كنا، كما كنا."
وبعد.. إن (سحر أسود) رواية تشف عن مد إنسانى بالغ الروعة ، يتوسل فيه الجزار بحيل تقنية متعددة ، ممارساً تماساً فنياً دالاً مع النوع الأدبى الذى يكتب فى إطاره، كاشفاً عن خصوصيته، مالكاً لأليات السرد المتنوعة، مبرزاً سلامة لغوية قلما توجد فى كتابات جيله من الروائيين .