الاثنين ١٢ حزيران (يونيو) ٢٠١٧
بقلم سماح خليفة

جبل النار

جبل النار ذاك الجبل الشامخ الصامد في وجه الاحتلال، يحتضن بين ذراعيه حارة شقيف مأوى المناضلين الأحرار من أبناء طوباس.

في تلك الحارة كانت تسكن زميلتي، وفي كل يوم كانت تطرب أذني بقصة عن تلك الحارة، وكيف أنها تفور كالبركان بشبابها ورجالها ونسائها المقاومين للمحتل. تمنيت كثيرا لو أنني أسكن تلك الحارة. كثيرا ما كنت أصعد إلى سطح البيت أقف في الجهة الشمالية من سطح بيتنا المقابلة لذلك الجبل أتأمله وأتأمل شموخه وكلي فضول لاقتحام قلبه لأجس نبضه الدافئ بحب فلسطين. وبعدها أتوجه للجهة الشرقية من سطح بيتنا المقابلة للشارع الرئيس، أتأمله جيدا وأعي جيدا أن الشرارة تبدأ من هنا من أمام بيتنا من الشارع الرئيس حيث تمطر السماء حجارة ترجم دوريات جنود الاحتلال؛ فينتشر الجنود بسرعة يطلقون الرصاص وقنابل مسيل الدموع ولكن عبثا، فالمتأمل للحدث يجد أن الحجارة مصدرها ذلك الجبل، يلفظها بعنف على ذلك العدو. فماذا يحدث في ذلك الجبل وفي تلك الحارة لا أحد يعلم. وأما جنود الاحتلال الجبناء فلم يجرؤوا يوما على اقتحام ذلك الجبل أو تلك الحارة. كانوا يفرغون ذخيرتهم ويصبون جام غضبهم على من يصادفوه في طريقهم من طفل أو كهل.

وذات يوم وطوباس منتفضة مشتعلة وعائلتي تجلس إلا أخوتي في تلك الغرفة المخصصة للحماية من غاز المسيل. تملكتني الرغبة في الذهاب إلى تلك الحارة، فمن غير العدل أن تشهد صديقتي الحدث دائما وأنا أكتفي بسماع الخبر. ولكن كيف سأذهب؟ وكيف سألهيهم؟ وهل سأذهب وحدي؟ سأكون وقتها متلبسة وحدي في الجريمة أمام والدي.

ذهبت إلى المطبخ وقلت لأمي والدي يطلب منك القهوة ويريدها بحب الحال غير المطحون.

أمي من عادتها أن تطحن الهال مع القهوة. فمن أين ستأتي بالحب؟! بحثت في المطبخ كثيرا ولم تجده، عندها أخذت تنادي على والدي: أبو السعيد أبو السعيد، وما كان مني إلا أن همست بأذن أختي التي تكبرني بسنتين: بدي أطلع على حارة شقيف تروحي معي؟...شو بخاف...خلص لعاد بروح لحالي...طيب طيب بروح معك...

تسللنا خلسة من الغرفة عبر الممر إلى الدرج فباب البيت ثم انطلقنا كالبرق صعودا من شارع بيتنا إلى أن وصلنا تلك الحارة. ما إن وصلنا حتى فوجئنا بما رأينا؛ الصغير والكبير يلقي بالحجارة، الجدات يعبئن الحجارة في اثوابهن(ثوب الفلح القديم) وينقلنها للشباب الملثمين، وأما النساء والشابات صغيرات السن يعبئن الحجارة في قفف كانت تستخدم لنقل حجارة البناء. لمحتنا صديقتي ففرحت كثيرا بوجودنا وطلبت مني المشاركة. وما إن بدأت التقاط أول حجر بفرحة وسرور حتى أمسك بيدي شاب عريض المنكبين طويل القامة له لحية سوداء خفيفة وقال بذهول: مش انت أخت السعيد وبيتكم عند الشارع الرئيس؟! شو جابك هون للموت؟! ابوك بعرف إنك هون؟!
سيل من الأسئلة وما كان مني إلا أن أومئ برأسي فقط.

"بسرعة بتمسك بإيد أختك وعلى البيت مباشرة ولا بخبر أخوك سعيد"

أمسكت بيد أختي وهرولنا إلى بيتنا بسرعة البرق وأنا أتمتم: مثقل دمه!! من وين طلعلي هاد؟! وكيف عرف إني أخت السعيد؟!! أففف...

وصلنا البيت تسللنا إلى الداخل فتحنا الباب بهدوء وجلسنا. نظر والدي -رحمه الله- إلينا ولا زالت القهوة بالهال ماثلة أمامه ورائحتها تعبق بالمكان وقال: انتن وين كاينات؟!"

"كنا هون على الدرج نلعب بيت بيوت"

"ولو انخقتن بمسيل الدموع وما حد داري عنكن!!"

"لا ما بصرلنا شي اطمن"


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى