الأحد ٣٠ تموز (يوليو) ٢٠٠٦
بقلم علي دنيف حسن

حكايات لشهرزاد غالبا ما أرويها لنفس فقط

الليلة الاولي

كان وجهها كالحليب واصابعها كالزبدة، وصوتها كصوت الكمانات وهي تشهق ببكائها الاخير. هكذا تخيلتها او وصفتها وانا ارتجف من شدة البرد علي مقعد الدراسة حين قالت معلمتي (شهرزاد) : انكم تملأونني حزنا وكمدا، ولكنكم ستتذكرون معلمتكم في الصف الاول الابتدائي دائما، وحتي عندما تصبحون شيوخا طاعنين في السن. ارجوكم اخرجوا ايديكم الرقيقة التي بودي ان اقبلها يدا بعديد وافركوا الواحدة منها بالاخري فلعل هذا البرد السماوي الشرس ان يغادر اجسادكم وايديكم افركوها هكذا وقامت بفرك يديها الواحدة بالاخري فأصدرت صوتا عذبا كصوت احتكاك السنابل المملؤة حين تمازحها نسمة عاشقة. كان الكتاب بين يديها يشبه عصفورا يزقزق بالحروف والاناشيد والامل المرتجي. ذلك الامل الذي يتصاعد نحو علم العراق المرفرف فوق سطح المدرسة، فيلتف معه، يدفيء احدهما الآخر ويرفرفان فوق سطح المدرسة فيشيعان الدفء في ساحة الاصطفاف كلها.
وداعا ايها التلاميذ.. ايها الاحباء.. ايها البحارة المغامرون والمستكشفون لعوالم اللغة العربية بمساحاتها الواسعة وادغالها اللذيذة .. غدا ستكون لنا رحلة جيدة مع هذه الحروف الصغيرة التي تشبهكم كثيرا .. لانها تعيد صناعة العالم من جديد.. بالاحزان والافراح معا..

وتسكت شهرزاد عن الكلام المباح.. فأتمني في ذلك الوقت ان تقف عقارب الساعات جميعا لتطيل (شهرزاد) اكمام دفئها وحروفها العصافيرية واصابعها التي تذكرني بقطع الحلوي لنحافتها وجمالها .. تلك الحلوي التي تتساقط علي رؤوسنا نحن الاطفال المشاكسين في الاعراس والمناسبات فننحني لألتقاطها من بين ارجل الكبار واحضان النساء بين ارتفاع الضحكات وعلو الضجيج.

ويقرأ لي عمي في كتابه الاصفر العتيق الذي كان يسميه (الف ليلة وليلة) قصصا تحكيها(شهرزاد) للرجل او الملك (سيان عندي في ذلك الوقت) (شهريار).
قصص جميلة تلملم غربة العالم الذي ازري به الفقر، فأسارع لتعلم الحروف واصطفافها الذي سيعيد قراءة العالم وكتابة تاريخه من جديد، واعشق ذلك الكتاب لان في صفحاته تتجول (شهرزاد). ولا اري في مدير مدرستي الا (شهريار) واعدا بالقتل الذي يسبقه الاصرار والترصد. وحين اراه من بعيد وهو يحدث معلمتي(شهرزاد) بحركات يديه التي تنم عن الغضب والامتعاض، ازداد امتعاضا، واقسم بيني وبين نفسي اني سأوذيه حقا ان مس شعرة او اقل نسمة من نسمات صباحات معلمتي شهرزاد. بعد ثلاثة اشهر نُقَلِت معلمتي(شهرزاد الي احدي المناطق النائية. وسكتت في الكتاب(شهرزاد) عن الكلام المباح. وطاب لأولئك الطلاب الفقراء في تلك المناطق النائية مشاهدة اصابعها اللذيذة كالحلوي وقلبها المترع بالود والعسل.

ولم اجد غير كتاب (الف ليلة وليلة) يحل محل معلمتي الاولي في العشق البريء. وبكيت بكاءً مرا عندما باع عمي ذلك الكتاب ليشتري بدلا عنه (تغريبة بني هلال) بكيت كثيرا ولعنت بني هلال جميعهم ولعنت غربتهم ومسيرتهم، ولم يصدق عمي او امي او ابي ما رأوه من حالتي هذه، فأقتادتني امي في احد المساءات الي احدي النساء(العلويات)، وقرأت العلوية كلمات غير مفهومة علي الطاسة المملؤة بالماء ثم اخذت تبلل اطراف اصابعها بالماء وترش به وجهي وهي مستمرة بالقراءة لعلي استفيق من ذلك الجنون الذي لازمني في حب (الف ليلة وليلة). ووعدني عمي وكذلك ابي بانهما سيشتريان لي ذلك الكتاب، وهما مندهشان يتساءَلان معا: ما الفائدة من الكتاب اذا كنت لا تعرف القراءة؟ فاصرخ في وجوههم باكيا: سأقرأ .. سأقرأ من أجل (شهرزاد) وقصصها الملاح.. ومن اجل نفيها الي اصقاع الوطن البعيدة.. سأقرأ وسأكتب للملأ يوما ما عن (شهرزاد) التي احاطت طفولتنا بالدفء والغابات والعصافير.. سأكتب لها حتي لو اصبحت عجوزا شمطاء وفقدت هالة وجهها القمري.. وسأصبح كاتبا وشاعرا ومجنونا من اجل (شهرزاد) التي قالت لنا ذات مرة: انكم ترتجفون من البرد كالوطن.

وبرغم ان عمي كان منشغلا باعداد لوازم عرسه القريب الا انه وفي بعهده واشتري الكتاب. ذلك الكتاب الذي احتفظت به طوال عمري وحملته معي الي كل مكان، حتي ضاع في احدي معارك الوطن. معاركه القديمة لصنع الخيبات والمرارات وقتل العصافير والحدائق.

الليلة الثانية

لأول مرة في حياتي يضيع ولدي في السوق القريب من المحلة، ذلك الولد المشاكس بشروده الكثير وتحديقه العميق نحو الاشياء، لقد مللت من اصطحابه الي العرافات اللواتي حاولن مرارا وتكرارا انقاذه من شروده الغامض ابدا. كان يحب السوق كثيرا كحبه لمدرسته الابتدائية ولعلمها المرفرف فوق اعلي قمة من بنائها. كان يتطلع في وجه النساء دائما وابدا. وفي غفلة مني ضاع هنا. لقد فقدته فجأة، وأنستني المفاجأة ما الذي عليّ فعله في هذه الحالة. لقد تلعثمت وجفت الكلمات في حلقي. وكادت حقيبتي تسقط من يدي. واحسست برعشة خوف تهزني هزا. والتفت في كل الاتجاهات لعلي اراه، ولكن ما من شيء ينبئ عن وجوده، وصاحت احدي جاراتي في المحلة:لقد رأيت ابنك الصغير في طرف السوق يبكي، وامرأة شابة تجفف دموعه، بل لقد كانت تبكي لبكائه، فسارعي للوصول اليه(واشارت بيدها نحو ذلك الطرف البعيد من السوق).

كانت تلك المرأة قد اشترت له كيسا صغيرا من الزبيب، ووضعت في يديه منديلا ورقيا، وجففت دموعه ، وكانت دموعها قد جرفت سواد الكحل من رموش عينيها ولوثت وجهها الملائكي. وقبل ان انطق بأية كلمة صاح الولد الصغير: امي .. انظري انها معلمتي (شهرزاد) لقد رأيتها وركضت خلفها.. لاحييها.. انها ماتزال علي قيد الحياة.واستطعت انا وتلك المعلمة الطيبة بشتي العبارات المعسولة اقناع ذلك الولد المشاكس بالعودة معي الي البيت تاركا تلك المعلمة تذهب الي حال سبيلها..ذلك الولد المغامر الذي استطاع بعد عدة اسابيع او ايام - لا اعلم- الاستدلال علي بيت تلك المعلمة ليتطلع الي شرفتها ويحييها من بعيد. وقال لي ذات مرة انه دخل الي بيتها وقبله جميع افراد عائلتها، وحكي لهم عن كتاب(الف ليلة وليلة) وعن (شهرزاد) وحكاياتها الرائعة، تلك الحكايات التي كان من المفترض ان تحكيها له ، لا ان تحكيها للقاتل (شهريار)، لانه وكما صرح مرارا يحب كل شهرزادات العالم.. وانه تعجب كثيرا حين سمع من احدهم بان احدي دور العرض السينمائي في العاصمة بغداد اسمها(شهرزاد).الحكايات كثيرة عن ولدي المريض بحب شهرزادات العالم لانها تذكره بمليكته (شهرزاد) معلمة اللغة العربية. ولهذا تفاقم مرضه واصيب بالهزال لانه لا يكاد يأكل شيئا وصاحبه في هزاله هذا مرض السعال الديكي لمدة ثلاثة اشهر حين عَلِمَ بان (شهرزاد) واهلها قد باعوا منزلهم ورحلوا عن المحلة الي الابد. كان يسعل كثيرا وهو يقرأ في كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور)، وكان يحلق بعينيه في السماء، لعل معجزة من معجزات الانبياء وكرامات الاولياء تعيد له اصابع (شهرزاد) لتمسد شعره المبعثر جراء نومه المرتبك المصحوب بالسعال والمعجزات والشهرزادات والاساطير. قال لي ذات مرة: لقد رحلت (شهرزاد) واهلها الي الجنوب البعيد، لقد تركت التدريس بسبب المضايقات الامنية والسياسية، لقد اعتقلوا اباها وحكموا عليه بالسجن الطويل. ولكنني سأراها في يوم من الايام .. لقد قالت هي ذلك.. ولم تكذب علينا (شهرزاد) في كل ما قالته..

كان يكتب الكثير من العبارات علي هوامش كتبه المدرسية، عبارات تحوي الحِكمَ والامثال والاشعار. ودخل عليّ ذات يوم وهو يمتلئ فرحا واعتدادا بالنفس، لقد شكل مع بعض زملائه من التلاميذ فرقة مسرحية صغيرة. وستقدم هذه الفرقة عروضها قريبا. وسأكون انا ضيفة شرف لمشاهدة تلك العروض . كانت امنيته من خلال هذه الفرقة ان يصل الي شاشة التلفزيون، عندها فقط ستراه (شهرزاد) تلك المعلمة المنفية في اقاصي الجنوب. كان يزداد هزالا وذكاءً وخاصة حين بدأ يستعير الكتب الادبية من روايات ومسرحيات ودواوين شعر . وكانت فرحته لا توصف حين سَمِعَ بان أبا احد اصدقائه شاعر معروف يكتب ونشر قصائده في الصحف والمجلات، فتمني ان يصبح مثله، وبدأ يكتب الكثير ويمزق اكثر الاوراق التي يكتبها لانها لا تعجبه ابدا.المرارات كلها لا تعادل تلك المرارة الكبري التي شاءت لولدي المجنون ان يعتقل من قبل السلطة وهو طالب في المرحلة الثانية من كلية الآداب جامعة البصرة. لأنه كان صديقا للمعارضين للحكومة. كان معدله الدراسي يؤهله للقبول في احدي كليات جامعة بغداد، ولكنه وضع البصرة في اختياراته الاولي من اجل تلك النسمة التي تضيء في اقاصي الجنوب. كان حلمه ان يجد خيطا ما هنالك في الجنوب يحقق له احلامه الشهرزادية.

عاد بعد ثلاثة اشهر من الاعتقال وقد اكتمل قمر جنونه واصبح بدرا من الاشعار والشطحات ومعاقرة الخمر والكتب الممنوعة ، لقد ترك دراسته ليصبح قسرا جنديا يقرأ ما تقوله الراجمات وسواتر الحرب والحجابات التي كانت تغلي بالحكم والاشعار.وفيما كنت افكر بأقناعه بالزواج بعد ان تزوج اخوته الذين يصغرونه سنا قبله بعدة سنوات، وصلت منه رسالة طافحة بالفرح يقول فيها: لقد قابلت (شهرزاد) لقد هرمت واصبح لها بنون وبنات، وخرج ابوها من السجن ليموت بعد عدة اشهر، لقد بيض شعرها الحزن، ولكنها مازالت تحلم باعادة الدفء للوطن المرتجف، وللتلاميذ الذين يرتجفون من البرد في ساحة الاصطفاف وهم ينشدون (النشيد الوطني) تحت نظرات مدير المدرسة الذي غالبا ما يحمل مسدسا كبيرا ويرتدي ملابس عسكرية، انهم يرتجفون من البرد لانهم دخلوا الي ثكنات المعسكرات وليس الي باحات المدارس. كان يذيل رسائله باغنيات (فيروز). لقد عاش غريبا بيننا، انا وكل افراد عائلته، كان لا يتكلم معنا الا نادرا وكان اذا تكلم لا نفقه من كلامه شيئا. لقد اتعبنا بهروبه المتكرر من الجيش وبسكره الذي لا ينقطع، وبكتبه التي تضيع منه ويبحث عنها مجددا، وباستيقاظه المتكرر في الليل للبحث عن ورقة يكتب فيها اقواله التي لم نفهمها ابدا، ولا ادري، أأصب لعنتي علي نفسي؟ ام علي ذلك الوهم الذي يسمونه وطنا؟! ام علي الخمر؟ ام علي الشعر؟ ام علي تلك المجنونة(شهرزاد) التي اصابت ولدي بالجنون!!؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى