الجمعة ١٣ تموز (يوليو) ٢٠٠٧
بقلم يسري عبد الله

رهان الواقع - رهانات الكتابة

قراءة في (ورطة الأفندي)

يمثل الفن - في تجل من تجلياته - صياغة جمالية للواقع، ومن ثم فهو يرصد وفق هذا الفهم عناصر الخلل الموجودة في المجتمع، وذلك عبرإعادة قراءة هذا الواقع بتجلياته المتعددة (السياسية /الثقافية) ؛ وفي نصه الإبداعي (ورطة الأفندي) الصادر عن ( الدار ) يقسم الكاتب ( خالد إسماعيل ) عمله إلى قسمين : يحوي القسم الأول ست قصص قصيرة ( قصة مريم، أسفلت الميدان، شرط أساسي، شارع منصور، ريمون صليب، نص قيراط )، أما القسم الثاني فإنه يحوي روايته القصيرة (ورطة الأفندي) والتي يحمل العمل اسمها.

تتنوع ضمائر الحكي وتتباين داخل القصص الست كاشفة عن تنوع سردي مائز ، فمن الحكي بضمير المتكلم في ( قصة مريم ) إلي الحكي بضمير المخاطب في ( شرط أساسي ) إلى الحكي بضمير الغائب في ( نص قيراط ) تتشكل وضعية السارد داخل النصوص, ففي قصة ( أسفلت الميدان ) مثلا تتداعى الذكريات في ذهن (الراوي /البطل) وتتدافع بشكل يشبه الطرقات السريعة - وهذا ديدن النص القصصي الجيد ـ : " وأمي جثة على الحسينية ورائحة الكولونيا تغمر الجامع والناس تدافعوا للصلاة عليها وصوت أختي يشق رأسي " حبيبتي يا امايه .. يا امايه..

ياامايه سايباني ورايحة وين"..و"سميرة " كأنها تودعني على رصيف محطة "سوهاج":
أشوف وشك بخير.. ربنا يوفقك وتلاقي واحدة تسعدك ..
وكلمات السمين الملتحي أرددها بصوت خفيض:
الجنة مش للي زيك .. مش هتخشها لو حتى شفت حلمة ودنك ".

وتتداخل التفاصيل الحياتية الصغيرة مع الهم العام ، ويصبح ( الموضوعي ) إطارا يتشكل فيه ( الذاتي ) ويتخلق، فأزمة السيول التي ضربت صعيد مصر تصبح الخلفية للحدث القصصي،وركاب الأتوبيس ترميز للأنماط الكائنة في المجتمع ؛ وفي قصة (شرط أساسي) يتسم الخطاب السردي بقدر كبير من الاجتراح والمغامرة, حيث يكشف لنا السارد الرئيسي المسكوت عنه في التحولات المجتمعية الحادثة بفعل هيمنة المد الديني (الوهابي تحديدا) .
وتتشكل قصة ( شارع منصور) من عدد من المقاطع السردية المرقمة ،يحكي كل مقطع منها عن إحدى الشخصيات المركزية في القصة، فالصحفي الشيوعي الذي يضاجع غادة ويعلمها الاشتراكية يمثل الشخصية المحورية في المقطع الأول, و(محمد) ابن "عباس الفورد" يمثل البطل في المقطع الثالث مثلا, ويظل الجامع بين المقاطع المتنوعة أمران: أولهما تقنية التوالد الحكائي- والتي يوظفها الكاتب ببراعة - ، وثانيهما : وجود مايسمى بالسارد الرئيسي والذي يقبض على زمام نصه السردي بإحكام.

وفي (ريمون صليب) يوظف الكاتب المقاطع السردية ليمنح قصته قدرا أكبر من الحراك السردي :حيث يتسم السرد هنا بديناميكية خاصة ، وبانتقالات في الأزمنة والأمكنة ، يبقى هاجسها الملح : البحث عن ( إنسانية الإنسان ) ، وذلك عبر شخصية ( ريمون صليب ) الفتى اليساري الذي يرفض إغراء السلطة مقاوما ابتذالها، غير أنه لا يجد من يعالجه بعد أن رفضت مديرة الصحة (الحاجة أمينة) علاجه على نفقة الدولة!! .

وفي (نص قيراط) يحدد الساردالمكان, ثم الشخوص ،حاكيا عن شخوص عاينهم : ( رايقة، عبدالعظيم ، علي ، عادل ، عبدالله ، عبدالواحد ) ، مضفرا نصه بحوادث عنهم ،يبدو فيها واعيا بطبيعة المكان وناسه ، ومن ثم اكتسب قدرة النفاذ إلى المتلقي ببراعة حقيقية..
وفي ( ورطة الأفندي)- الرواية القصيرة- يحيلك العنوان إلى ثمة (مأزق/ ورطة) يعاني منها الأفندي (حامد إبراهيم ) ، والعنوان في ظني دافع للتساؤل ، والرغبة في استكشاف ملامح الحكاية ، وهذا ما يمنح العنوان جدارته الخاصة .

تبدأ الرواية بسرد إخباري يتخذ من ضمير المتكلم صيغة له :" سلمت المخلة للصول عصفور ، ودخلت غرفة السعاة في عمارة " سرية القيادة" ، ........" ليبدأ الحكي في التدفق ، مصطنعا شخصيته المركزية (السارد/البطل) ، الذي ينهي تجنيده ليستقبل عالما أشد قسوة ، يدفع فيه ثمن عشقه لما أحبه (الالتحاق بكلية الآداب قسم الصحافة ) ، ولتبدو لنا الظلال التي تحكم علاقة السارد الرئيسي بمن حوله(الأب/الأم/الأصدقاء) ، غير أن هذا السارد سرعان ما يمارس خروجه (التقني) عن المسار السردي للرواية ، حيث يبدأ في الحكي عن شخوص آخرين في كتابة أشبه بما أسميته من قبل (بالتوالد الحكائي ) ، وعبر هذا التوالد تتشكل عرى النص السردي وتتخلق بنيته ، فنرى الحكايات عن (الحاج إحميد كدش، فوزية مسعود ، وهيبة ، مجلعة ،.......) ، وفي الآن نفسه يبدأ الزمن في العودة إلى الوراء عبر استخدام السارد لتقنية الفلاش باك ،والتي تبدأ أولى استخداماتها بالعودة إلى ما قبل إنهاء التجنيد بشهرين ، حيث يلح هاجس البطالة على (السارد/ البطل) فيقرر العمل خطاطا .

ويمعن السارد في العودة إلى الوراء ، ويبدأ في تذكر لحظات ماضوية ، تنتمي إلى سنوات الجامعة ، ومقاومة الجماعات الإسلامية,واللافت للأمر أن هذا التذكرلم يكن منشأ في الفراغ ، أو مقاما على مجرد الرغبة في استرجاع الماضي ، بل كان محاولة للقبض على لحظات فارقة يمتزج فيها الخاص بالعام .
تبدأ لعبة ( التوالد الحكائي ) في المقطع الثالث من الرواية والتي تستخدم فيها الشخصية كمرتكز للحكاية الفرعية ، فمجرد ذكر الحاج ( إحميد كدش ) مثلا يكون كافيا لنسج الحكايا عنه .

وتتحدد الانتقالات السردية في النص عبر منحيين أساسيين: المكان الروائي ، و الشخصية الروائية ؛ ف (صحاري) البلدة التي سافر إليها (الراوي) تصبح مؤشرا للحكي عما لاقاه من شظف العيش هناك ؛ والشخصيات الروائية (إحميد القواد، و مجلعة المومس ، و حسين جعفر الرجعي المتأسلم ) يصبح ذكرهم ممهدا للحكي عنهم.

يرسم الكاتب شخوصه بعناية ، حيث يبدو واعيا بمحيطهم الاجتماعي ، وتكوينهم النفسي في الآن نفسه ، ومن ثم تأتي التوصيفات لهم دالة وبارعة ، وأشير مثلا إلى شخصية ( جمال الضبع) - الهامشية- والذي يصفه بأنه: " يرتدي الجلاليب الأفرنجي، ويدخن السوبر، ويضع مشطا من العاج في جيب جلبابه، ويتعطر بالعطور الرخيصة والكولونيا".

يملك السارد في (ورطة الأفندي) وعيا حادا بموقعه في العالم ، وبقدرته على الغوص في سيكولوجيات شخوصه ، كالاستبار الواعي والدال لشخصية (الأب) مثلا: " مشكلة أبي هي النمطية والفقرفي
آن ...." وإذا كانت هذه الجملة السردية قد أخذت طابعا تقريريا ، فإن الحوارات المبثوثة في تضاعيف الرواية تأتي لتمنح (الرؤية السردية) فضاء جديدا : "على فكرة أنا عارف إن الجيش يديك مرتب وإنت مضيعه ع السجاير..أيوه.أوعى تكون فاكرني مختوم على قفاي! ".
وبعد... في ( ورطة الأفندي ) يعاني (السارد/البطل) ويلاته الخاصة ، ويرى أحلامه تتكسر، وتتداعى ، فيبدو وكأنه يغالب مصيرا محتوما ، غير أن المنحى الواقعي - الذي تنتمي إليه الرواية - يجعل من الضرورة الحياتية المعاشة إطارا تحيا فيه شخوص الرواية وأحداثها ؛ وعبر ذلك الذاتي ( الحكي عن حامد و ويلاته الخاصة) يكمن الموضوعي ( قراءة الواقع المصري في الثمانينيات والتسعينيات) ، لنرى تواشجا دالا بين الخاص والعام ، وامتزاجا بارعا بين الذاتي والموضوعي ، في محاولة إبداعية لطرح هذا التساؤل المحوري : ماذا حدث في السنوات السابقة ؟ وفي رأيي أن التواشج الدال بين محاولة قراءة الواقع ، والغوص في سيكولوجيات الأفراد في مجتمعات مأزومة ، والتوظيف الدال للحوارات ، فضلا عن تقنية ( التوالد الحكائي ) هو ما يمنح هذه الرواية جدارتها الخاصة .

قراءة في (ورطة الأفندي)

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى