الأحد ٣١ تموز (يوليو) ٢٠١٦
بقلم إبراهيم البوزنداكي

شجرة الأمنيات

ستستهلكون أوقاتكم في رأب الصدوع و لا تمدون أيديكم إلى منشئها، و هذا غاية الفهم السقيم. لعلكم تتساءلون الآن ما الذي يجمجم به هذا الغطريف الثعل؟

أمسكوا عني و اعذروا غُمرا أراد الحياة لكم، فبحياتكم يحيا و بالهلاك المستحق لجنسه يهلك.

هذه الشجرة، نفضت أوراقها فانتشرت و توزعت و على إثره حملتها الرياح إلى مثاويكم و مثاوي أهليكم و خلانكم، فكان في كل مثوى منها ورقة مكتوب عليها باليراع الذي لا يدرك بالحواس إجابة الدعوة و تحقيق الأمنية المربوطة في غصن من أغصان الشجرة.

الاستجابة يا أحبابي مشروطة بشروط تكادون جميعا تخفقون في تحقيقها على بساطتها المتناهية، و هي تنسجم مع ما تدعو إليه كل ديانات الأرض و السماء. و لنٌعرض عن ذكر هذه الشروط الآن و لنقف عند قصة الورقة اليتيمة التي تبقت في فننها دون أن تنفصل عنه، ففي ذكر هذه القصة عبرة و عظة لأولي الحجى.

هذه الورقة، كانت أكبر من غيرها لأنها نيطت بأمنية كبيرة، لو تحققت لنال المجتمع منها الخير العميم. تدلت إلى أسفل لثقل هذا المناط و لم تستطع بعدها الاعتدال. و لو اعتدلت لكانت أقرب إلى الطيران و الانفصال عن الشجرة، و متى انفصلت كان ذلك تحقيقا للأمنية المنوطة بها.

لماذا إذن لم تنفصل؟

إن الانفصال مرده إلى تحقق الشروط التي ذكرناها آنفا، و لو كانت الأمانة أخف ما تكون على الورقة، لما كان بإمكانها أن تنفصل على اعتدالها الكامل و انبساطها و تعرضها للريح.

إن الاستجابة إلى الانتفاض لا يكون من كل الأوراق، بل يكون فقط من الأوراق التي نيطت بأمانات و تحققت الشروط في النائط. على هذا فالشجرة تتلبس بالنائط و تسري في أعماقه لتستجلي نياته. فإن كانت خالصة من القذى و الأذى و كانت كالمرآة الصقيلة، تحقق الشرط الأول. و على مبلغ المرآة من الصقل تكون الاستجابة. و لقد ذكرنا النيات بالجمع، لأنها تتعلق بأطراف ثلاثة: بمعبود النائط، و بنفسه و بالأغيار.

أحيانا يتحد الطرفان الأولان، فإن تفانت النفس في المعبود فذلك غاية المأمول، حينها يستجاب الدعاء و تتحقق الأمنية دون النظر إلى الطرف الثالث. لأن فناء النفس في المعبود يوحي بالتوجه له دون غيره، و يبقى الأغيار حينئذ مجرد أشكال باهتة خلقوا لأداء وظيفة غفل الأكثرون منهم عنها. أما اقل الأقل فهم على شاكلة النائط لا يعيرونه التفاتا و هو بالمثل منحن في تجلي معبوده لا يهمه إلا النظر إليه. و هذا النمط من الناس نادر جدا، و إن وجد فأندر أن يعلق قلبه بشيء غير معبوده و إن كان الشجرة المقدسة.

و في أغلب الأحيان، يتحد الطرفان الأولان، لكن المعبود يفنى في النفس و يصير كالهباء داخلها. حينئذ يصير صاحب هذه النفس عابدا و مؤثرا لها. بذلك يتضح قول من قال : من لم يعبد ربه عبد نفسه. و هذه الشاكلة من البشر هم الأكثرون، يسعون في تدليل الأنفس و القيام على رغائبها دون التفكر في الغب الذي لن يكون محمودا، و لو تفكروا لسعوا في تذليلها و القيام على تزكيتها و الحؤول دون ما تشتهيه. لذلك كان أكثر النائطين بشجرة الأمنيات من هذا الصنف، فاستشعرت هذا الخواء الجاثم على أنفسهم فتمعر لحاؤها، و بقيت أكثر الأوراق رغم انفصالها عن الشجرة دون استجابة و لا تحقيق.

و استشعار حب الخير للأغيار، من الأشرار أو الأخيار، هو الشرط الثالث. منى تحقق فقد أصبح النائط جديرا بأن يجاب. و هذه الشروط كما ترون يفضي بعضها إلى بعض، و يحصل الأول بتحصيل الآخرين أو العكس.
و لقد طالما نفضت الشجرة الأوراق دون خريف، و بقيت عارية إلا من الورقة الخضراء اليتيمة التي لم تنفصل عن فننها، لعلة عدم تحقق أحد الشروط.

الآن تعرفنا على شجرة الأمنيات التي تقدسها الشعوب و تخصص لها خادما أو سادنا، يقوم على خدمتها و سقيها دون مسها أو تشذيبها، لأن الجسد منها مقدس. و هي بكل الأحوال لا تحتاج لهذا السادن و لا إلى سقيه لها. بل هو المحتاج إليها بمشاركته في نوع من القدرة ليبقى في الخدمة. هذه القدرة تمثلت في تجدد الشباب لديه بعد أن يتجعد إهابه و يثقل سمعه و يخف إبصاره.

و لقد أخذت الشجرة بما أوتيت من قدرة معجزة تحدث السادن حديثا لا يتبين هو مصدره، بل هو حديث نازل من أعلى لأسفل، يجده في نفسه، و كأن نفسه هي من تحدثه. حدثته عن المستقبل و المآل المخزي لبني جلدته، و أرته نواعير المقت و الغضب و ما تؤدي إليه من حرب و خراب و فتنة لا تنقضي إلا لتبدأ من جديد.
حدثته عن القوة و مصدرها و عن النور و منبثقه و أصرت على تفهمه لمواضيع لم يستطع عقله أن يبلغها.

سأل في براءة ممسكا برأسه، و كأن دماغه في مرجل يغلي:

لماذا تكلفينني ما لا أطيق؟ ما فائدة كل هذا البغام داخل رأسي.

حينذاك أدركت ضعفه، ووسعت بقدرتها المعجزة مداركه، ليغتني عقله بما تريد.

فانفتحت له الآفاق فرأى أشكالا من العسف و الظلم و الحيف يأتيها بنو الإنسان ضد بعضهم البعض. و الأدهى أن من يأتيها يتشكل لديه اليقين بأن ما يقوم به هو الصواب و أنه على الحق الذي لا يعلى عليه. فاستبان حقيقة قد خفيت عليه، و هي جواب سؤاله: ما فائدة كل هذا الحديث؟؟

إنها اصطفته من بين البشر ليكون الداعي إلى التوادّ و نبذ التباغض و إعمار خواء النفوس بالمحبة و الدعوة إلى الإخلاص مع المعبود و مع النفس و مع الغير.

و بعد التلذذ بالاحتواء و الاجتواء. و بعد التخلية و التحلية، انطلق المجتبى في مهمته يساوق الزمن لهداية البشر و الرجوع بهم إلى الجادة، حيث هم صنف واحد و جنس واحد، لو نطقت الأرض لسمتهم أولادها، فهم إخوة منبعهم من تراب و ملجأهم إليه.
و بدأ بشعبه يحث على المحبة و إلى قتل البغض و يدعو إلى إخلاص النفس دون شوب، و ترقى وئيدا في دعوته إلى أن شرع في الحض على تفاني القلوب في التوجه إلى النور الأعظم حيث السعادة الكاملة.

لكن أتباعه قلوا بعد الكثرة، و فتروا بعد الفورة، فالتصق بالأرض يطلب المدد، فعلم أنه وحيد و أن مذهبه سائر إلى البلى، و البلاء أنه لم يشف القلوب و لم يقدر على إصلاح شعبه فكيف بالعالمين دونه.

فنضى لبسة المجتبى و عاد خائرا يجر أذيال الخيبة. لم يستطع أن يميل القلوب إلى مذهبه، و لم يقدر أن يبين لهم معنى كونهم سائرين في الظلام، و هو الذي نيطت به أمانة إرشادهم إلى النور، ففيل مراده و خاب مسعاه و اندحرت همته.
و لما رجع لم يجد للشجرة أثرا، و إنما وجد في المكان الذي كانت تحتله تلك الورقة التي لم تنفصل حينذاك، قد وقعت الآن واصفرت و تعلقت بها أرضة تقضمها. أسرع يستنقذها قبل أن تأتي عليها فوجد المكتوب فيها كلمات:

" أتمنى أن ينصلح الوطن"


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى