السبت ١٧ آب (أغسطس) ٢٠١٣
بقلم إبراهيم البوزنداكي

صه...... إنهم يغنون....

كنت الشاب الجديد الذي أوفدته الوزارة كمساعد لعميد الوكالة، لكن قبل أن أصير مساعدا كان لا بد لي من أن أمر بفترة تدريبية مدتها عام أكون فيها مجرد مساعد للمساعد نفسه. هوتعقيد وأي تعقيد.

وانتظرت قدوم يوم التوظيف بفارغ الصبر، وكنت فتى طموحا لا توقفني العقبات مهما صعب مرتقاها. انتظرت الرسالة التي سيسلمها لي ساعي البريد..وحينها كان لي هواية غريبة هي أبعد ما تكون عن المألوف.. كان بحوزتي بوق دقيق من طرف يتسع ويتسع ليصبح مثل صور.. شكله شكل صور بدائي مصنوع من خشب مبطن بشيء كالجلد.. لا أدري..

الذي أعلمه علما يقينا أنني وجدته بهري بيتنا الطيني القديم عندما زرت القرية سنوات الدراسة في الجامعة.. ألفيته معلقا في مسمار حديدي مسمر بالجدار الطيني.. مكتوب عليه: ينفخ فيه من يقدر الغوص فيه.

كانت عبارة عجيبة مكتوبة بحروف كادت أن تختفي.. استهلكت أياما أبحث لها عن معنى وأسأل الناس وأريهم الصور وقد علقته بخيط في عنقي.

شككوا في قدرتي العقلية، قال بعضهم: هذا البوق الخشبي لم يحمله أحد قبلك ولا سألنا مثل هذا السؤال الغريب.

لكن "هودة" وهي معمرة أزورها بين الفينة والأخرى كما يفعل ذلك كل أهل القرية، خالفتهم في الرأي.

كان الوقت أصيلا، دخلت مسلما بالجهر قبل أن أدخل إلى فناء الدار.. قبلت رأسها كما يفعل صغار القرية وأنا واحد منهم. جلست بقربها على الحصير البالي بقرب الحوض الذي غرست فيه أنواعا من الحبق والنباتات العطرية..

أجفلت عندما رأت الصور.. قالت في شبه همس وكأنها تخشى أن يسمعها الصور:

لا يحمل هذا الصور إلا من يستطيع أن يحمل على ظهره أحمالا.. هل تظن ظهرك قويا بوسعه الصمود؟؟

أردت أن أنبس لكنها رفعت سبابتها المرتعشة في وجهي وكأنها تحذرني من النبس. صمتت مترقبا كلمات أخرى توضح لي بها ما قالته.. بعينها العمشاء بدأت تنظر إلي وكأنها تراني لأول مرة، كانت ترى وتقيس ما ترى.. سألتني:

أنت ابن صاحب الأصداف بائع "البابوش"؟؟

أشرت برأسي أن نعم دون أن ألفظ خشية أن تطردني وكان هذا ما تفعله عندما يتحدث الزائر دون أن تأذن له..

دقائق طويلة من الصمت مرت وهي تتأملني، قالت بعدما أشبعت بصرها من ملامحي:
صدف الكون غريبة، أتعرف لمن كان هذا الصور؟؟

أشرت برأسي أن لا وتابعت شفتيها باهتمام مشوب بنوع من الفضول اللاإرادي المصاحب لكل البشر. تفوهت بكلمات أدارت رأسي:

لا شك أنك سمعت عن "معد" المجذوب صاحب الخيمة؟

هذه المرة أجبت بفمي قلت: نعم..

أحسست أنني وقعت في خطإ جسيم إذ لم أجب بالإشارة كما فعلت سابقا، رأيت في قسماتها بعض الضيق، لكنها تجاوزته بسرعة وحلت مكان العبسة بسمة أنارت وجهها المغضن. قالت بعد برهة:

كان "معد" هومن يحمل الصور، قال إنه جاب كل المدن والقرى والمداشر والموامي بحثا عمن يقدر النفخ فيه فلم يجد.. أتراك أنت خليفته؟؟

كلام عجيب..صور يحمله مجذوب يبحث له عمن ينفخ فيه ويقول إنه لا أحد يستطيع أن يفعل. وأكثر من ذلك أنه قلب الدنيا بحثا دون جدوى.. أفلتت مني ضحكة تلتها أخرى .. هي لم تضحك، لما سمعت ضحكتي أدارت لي ظهرها.. وهذا يعني أمرا واحدا: انصرف..

لما هممت بالرحيل رأيت نباتا له ورود حمراء جميلة تتحاشاه النحلات إلى ما عداه.. أحسست بالفضول ومددت يدي لأقطف وردة... أجفلني صوتها المباغت آتيا من خلف ظهري:

لا تضحك، لا ينفخ في ذلك الصور أحد إلا بلغ المرتقى ونال المبتغى، لكنه مع ما سيكسبه سيموت وحيدا طريدا شريدا.. والأدهى أنك لن تستطيع التوقف والنظر إلى الخلف.. إنه لعنة.
وامتدت يدها تمنعني من القطف.

فكرت طويلا في ما قالته الجدة "هودة" لكنني لم أجده منطقيا ولا يفيد في أمره عقل.. شرعت أسأل عن المجذوب "معد" صاحب الخيمة حامل الصور من قبلي.. ضايقت أبي بأسئلتي الكثيرة وشددت على واحد منها:

من أين أتى هذا الصور إلى الهري الخاص بتخزين التبن؟

قال لي أبي كلاما كثيرا استفدت من زبدته النهائية أنه لا يعرف، لذلك انتقلت إلى عمي .
عمي هذا الذي أتحدث عنه رجل أحدب له قصة طريفة ليس هذا أوان الخوض فيها، المهم أنه شخص لطيف صادق يشعرك بتفاهتك بمجرد الدخول معه في مناقشة ما. طرحت عليه السؤال وأصخت السمع.. بقي كتمثال ينظر إلى الصور المدلى من عنقي.. قال:

ألق هذا الشيء بعيدا عن عنقك يا بني، هوشيء ملعون دخل قريتنا الآمنة فحولها إلى جحر للأفاعي.

قال ذلك وانصرف عني دون أن يجيب عن سؤالي.. لاحقته مسافة طويلة دون أن يفيدني بشيء يذكر..

لم أحظ بجواب أفضل مما قالته الجدة "هودة"، واستغربت أن يتحاشى كل أناس القرية الخوض في أمر الصور.. لذلك أردت أن أعبر عن سخطي من هذا الإجماع الغريب.. أخذت الصور بين يدي وتأملته طويلا قبل أن أدفع بطرفه الدقيق إلى فمي ونفخت... صدر منه صوت أشبه ما يكون بنعيب البوم.. وخرج الناس تباعا ينظرون إلى ابن صاحب الأصداف رافعا الصور إلى أعلى ينفخ فيه وهم يحوقلون..

مر عام والصور بحوزتي مذاك، لم أستطع أن أفارقه ولم اقدر أن أتوقف على النفخ.. كان شيئا ساحرا أومسحورا.. في الليل يأمرني أميري أن أنفخ فأنفخ.. وكم من عمارة طردت منها بسبب إزعاج الناس وإخافتهم بالليل. سرى ذلك السحر الذي تحدثت عنه الجدة "هودة" في أوصالي فلم أستطع أن أتوقف ولا أن انظر إلى الخلف..

تخرجت من الجامعة بامتياز ولم ألبث إلا أشهرا حتى جاءتني الرسالة المنتظرة مختومة بختم الوزارة.

التحقت بالوكالة.. يومها جئت نافخا ريشي كطاووس، ذهبت إلى مكتب العميد مباشرة دون أن ألتفت للسكرتارية أوحتى للمساعد.. مكتب العميد في الطابق الثالث. هذا كل ما احتجت إليه.

استقبلني كالوزير، تصور أن يقف شخص بأبهة عميد الوكالة لمصافحة شخص متواضع مثلي؟ لا بد أن للصور دخلا.. شكرته في دخيلة نفسي وتمنيت أن يدوم سحره.

أوكل المدير أمري إلى مساعده السمين، قال لي إن الأستاذ مصطفى يعرف الوكالة ويحفظ كل شيء يتعلق بها وسيكون خير من يعلمك المسير أيها الطفل. تقبلت الأمر رغم كونه لا يخلومن تدمير لنبوغي وموهبتي التي تسير دون حاجة إلى من يعلمها المسير..

عرفني المدير بالأستاذ مصطفى ونسي أمري تماما ..

مرت أيام والأستاذ السمين يعرفني على مكاتب الوكالة المختلفة وأصحابها ولم تمر ساعة دون أن يطلبني على مكتبه ليطلعني على أمر جديد..

قلت له في إحدى جلساتنا الثنائية وقد لفت نظري بناء غريب الشكل موسوم بنوع من الهندسة لم أر لها مثيلا فيما رأيته من البنايات:

ما هذا البناء الغريب الشكل وكأنه بيضة مفقوسة تناثر قشرها؟

نظر إلي نظرة بلهاء، جمع شفته السفلى ماصا إياها وكأنه طفل محروم. قال بعد برهة صمت:

نظر ثاقب، سؤال لن أجيب عنه الآن.. لكل شيء أوانه، ربما بعد مرور مدة لك عندنا..
كان ذلك اعتذارا أنيقا وهربا من الجواب، وتدفقت الأسئلة على لساني بعد ذلك عن كل الجوانب، وكان حقا يجيب ولا يتركني إلا على بينة من أمري.

ومرت لي مدة وأنا بالوكالة لا أقوم إلا بما يأمرني به الأستاذ، أشياء تافهة في أغلبها.. ضجرت من الجوالمحيط بي وأنا الذي كنت أتوقع منصبا لا مكان فيه للملل ولا للكسل. لاحظ ذلك هوبنفسه وانتظر مني مبادرة من نوع ما. لذلك عندما سألته عن البناء الشبيه بالبيضة المفقوسة المتناثر قشرها أجاب:

ذاك هومجلس الإدارة المتحكم بالوكالة.

أنزل بصره يقرأ في ملف للحظات دون أن يعيرني اهتماما ثم ندت عنه تنهيدة بسيطة قال عقبها:

يبدوأنك فضولي كالآخرين ولا تقدر على الابتعاد، هل تريد إلقاء نظرة، لكنها نظرة قد تدوم؟
قلت دون تريث:

طبعا..

نهض من مكتبه وأغلق النافذة وأمرني باللحاق به بعد أن أحكم إغلاق المكتب..
تصورت رجالا ونساء مجتمعين على طاولة الاجتماعات يناقشون أمور الوكالة الخطيرة وتخيلت نفسي بينهم وأنا أرفع سبابتي مبينا وشارحا لنقطة الاجتماع مفندا لآراء الآخرين بما لدي من ذكاء وحصافة..

تبعته إلى البناء البيضاوي وعقلي يخوض في مثل هذه الخيالات التي استبدت بي وأبت أن تفارقني. دخلنا إلى البناء بعد أن أولج بطاقته في التجويف الخاص بها بجوار الباب مشيرا إلي أن اتبعني.

دخلنا إلى مكان فسيح فارغ أبيض وطرق سمعي صوت يأتي من بعيد ظننته صوت غناء لذلك أردت أن أطرح السؤال على الأستاذ، لكنني ما نطقت إلا بكلمة واحدة حتى قاطعني بجفاء وفي سحنته تبدى غضب مباغت:

صه، إنهم يغنون.

ثم صمت واتجه ناحية الصوت مشيرا بأصبعه إلى كتابة كبيرة منقوشة أعلى القوس الذي سندخل منه وكانت:

"لا ينفخ فيه إلا من يقدر الغوص فيه"

وسقط قلبي بين قدمي مما خلفته الكتابة من هلع في نفسي وتسمرت مكاني لحظات، وكأن دافعا يدفعني من الخلف تماديت أقتفي أثر الأستاذ معتمدا على أذني وهي يأتيها صوت الغناء من بعيد...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى