الأحد ١٢ آب (أغسطس) ٢٠٠٧
بقلم يسري عبد الله

شهر زاد من بغداد إلى جنيف

بطل ممزق بين الجني والعولمة!

تمثل التجربة السردية الستينية واحدة من أهم التجارب السردية في مسيرة القص العربي، فهي لاتصب في المجري العام للتجربة السردية فحسب، بل إنها أيضا قد دفعت بالسرد العربي إلي أفق مغاير، حاملة انحيازاتها الفكرية والجمالية الخاصة، وحاضنة لتنوعاتها الإبداعية المتعددة والمائزة في آن.
ويعد (جميل عطية إبراهيم) واحدا من أهم مبدعي جيل الستينيات، فهو يملك تجربته السردية، والمتكئة علي مواضعات فكرية وجمالية تعبر عن مشروعه الإبداعي المتفرد. وفي روايته (شهرزاد علي بحيرة جنيف) نري
(مفارقة) في العنوان الدال الذي يضعه الكاتب لروايته حيث المقابلة بين عالمين (قديم/ حداثي)، (فشهر زاد/ الشخصية) تصبح مؤشرا علي عالم
’قديم/ شرقي الهوي’، و(جنيف/ المكان) تصير مؤشرا دالا علي عالم ’غربي/ حداثي النزعة’، وقد مثلت هذه المفارقة مرتكزا أساسيا يتكيء عليه
هذا النص المكون من مجموعة من (الحلقات القصصية) المشكلة لبنية روائية متجانسة، حيث هناك روابط عدة تدعم لحمة السرد داخل النص، تبدأ هذه الروابط من الشخصيات المركزية داخل الرواية (الراوي/ البطل، شهرزاد، كريستينا)، وصولا إلي هيمنة هاجس أساسي لدي (الراوي) يحاول بثه في تضاعيف حلقاته القصصية المختلفة، ويتمثل هذا الهاجس الرئيسي في تلك الثنائية المتقابلة (الهوية/ العولمة)، فسؤال ’الهوية’ ¬ أحد أهم أسئلة الرواية العربية ¬ يصير في جوهره وعيا ’بالعولمة’، ووجها مقاوما من أوجه مجابهتها لدي (الراوي/ البطل)..

فثمة مقابلة إذن بين عالمين (قديم/ حداثي) يملك كلاهما سطوة التأثير في الواقع الراهن (للراوي/ البطل)، هذا (الراوي) الموزع بين هذين العالمين المتعارضين، والباحث عن حلمه المستمد من مشروع وطني الملامح والهوي، فكلا العالمين يصنعان أزمته، فحكايات (الجني) موشر دال علي عالم تسوده الخرافة، وحكايات (العولمة) دالة علي عالم تطحن فيه العظام والجماجم!!، ومابين (الجني) و(العولمة) يقف (الراوي/ البطل) باحثا عن مشروعه الحقيقي: ’تشغلني هذه الايام مسألة وضع زهور حمراء علي قبري، لا أفكر في مكاسب مادية في أرذل العمر. جدي البسيط رفض بيعي للجني في زمن مضي، وكريستينا تود بيعي مع القرن الجديد، حلف الأطلسي لم تعدله وظيفة واحدة مشرفة بعد انهيار الكتلة الشرقية.
ومن ثم كان التعلق بأهداب (الحلم الناصري): ’لن أفصح عن سر تعاستي كريستينا أجنبية ولن تفهمني ¬ عاش جمال عبدالناصرمعاركة ومات وهويندد بحلف بغداد وبحلف الأطلسي ثم آتي أنا في بداية قرن جديد بعد موته بعدة عقود و..، وهذا التعلق بالحلم الناصري لم يسكن هوي ستينيا قدر ما كان تعبيرا عن نزوع (رؤيوي) يحمل انحيازه الخاص والدال للمقولات الكبري..

وللمفارقة ¬ مجازالرواية ¬ دورها المركزي والفاعل في رواية (جميل عطية إبراهيم) بدءا من حكايته الأولي (حكاية رسمها جني ويرويها مغفل زمانه) وحتي حكايته الاخيرة (نغمات الكون)، ومابين الحكايتين يمارس الكاتب ترحا لا في الأزمنة والأمكنة، جاعلا من (جنيف) مكانا مركزيا ينبيء عن اللحظة العالمية الراهنة، ومن (شهرزاد) حضورا تاريخيا ممتدا يصل الماضي بالراهن،
متوسلا في ذلك بتشخيص سحري يجاوز المألوف، حيث ينفتح النص علي ’الواقعية السحرية’ متجاوزا أعبرها خطاب (الواقعية) المطروق، ليتسني له حرية الحراك الزماني والمكاني في آن.

ورذا كان الفن ¬ في تجل من تجلياته هو اختيار وطرح لماهو جوهري ودال، فإن (جميل عطية) قد أجاد في القبض علي لحظة روائية فارقة ¬ هي ذاتها اللحظة العالمية الراهنة بتساؤلاتها المعقدة والمتشابكة، في نفس الآن الذي اختار فيه مكانا روائيا دالا، فمدينة (جنيف) تعد ’وسطا بيئيا’ بالغ الفرادة، حيث تعد نموذجا للمدينة (الكوزموبوليتانية) والتي تتجاور فيها أشياء عدة، مثلما تجاورت في الرواية مفردات وعلائق متعددة، بدءا من(عاهرات ماركيز الحزينات) وحتي الهيئات المخالفة للأمم المتحدة، مروار بزمن الانكسار العربي الراهن..

و(شهر زاد) القادمة من زمن مضي، من (بغداد) التي تقاوم الموت والنسيان، إلي (مدينة) جديدة/ حداثية/ كوزموبوليتانية تبدو كقناع فني يحاول عبره
(الراوي) إقامة تلاقح ثقافي يسعي إليه في النص، يبد أن هذا التلاقخ القائم علي تفاعل ندي ’ثقافي/ سياسي يجد نفسه مجابها بحيل السيدة (كوندي) وتنظيراتها حول (الفوضي الخلاقة)، وبالسادة الجدد للعالم!!

(شهرزاد علي بحيرة جنيف) رواية تدين اللحظة العالمية الراهنة في أشد حالاتها كارثية، يملك ’راويها’ القدرة علي إقامة مراجعة نقدية واعية لسطوة ’الآخر’ وهيمنته، وعلي الرغم من (المراوغة التقنية) التي تتسم بها الرواية، إلا أنها لم تمارس (الروغان) (الهرب) فكريا، حيث تحمل موقفها الرؤيوي ’الدال من العالم، حاوية’ انحيازاتها الخاصة
(وهذا مايبدو بارزا في المفارقة الكامنة في عدم قدرة الأمم المتحدة علي اتخاذ قرار بإدانة إسرائيل في حربها علي لبنان، في الوقت الذي تطالب فيه جمعيات غريبة عديدة بمحاكمة شهريار المنقضي أثره من زمن مضي)!!!

وإذا كان ’التناص’ الذي يصنعه (جميل عطية) في روايته قد أسهم في ’انفتاح النص’ علي تأويلات متعددة، فإنه قد أفضي كذلك إلي جعل رواية (شهرزاد علي بحيرة جنيف) نصا ثريا متعدد الطبقات، كذلك لعبت شخصيا (المسيح الدجال).
و(الأمير متراس) دورا بالغ الأهمية في إضفاء المزيد من التوتر علي ’الحدث الدرام داخل النص، حيث تمثل هاتان الشخصيتان مايسمي بالشخصية
’الحافزة’ أو ’المحركة’ وهي تلك الشخصية التي تسهم في دفع الحدث الدرامي الراكد إلي الأمام.

إن (جميل عطية إبراهيم) لايستدعي هنا شخصيات تراثية فحسب (شهر زاد مثلا)، بل يستدعي كذلك حكايات تراثية حكاية منشار الزمن مثلا) ويضفي عليها نفسا راهنا، إنه يتحدث عن (الموت) باعتباره جزءا آمن دورة (الحياة)، ولذا فإن ثنائية (الحياة/ الموت) هي الوجه الواقعي الثنائية (الوصل/ الفصل) البلاغية..

وبعد.. في (شهرزاد علي بحيرة جنيف) تسيطر (نوستالجيا) من نوع خاص علي (الراوي/ البطل)، يبدو من خلالها السرد مفعما بالأسي، مكسوبا بالحنين إلي مراتع الطفولة والصبا.

هنا يقف (جميل عطية إبراهيم) علي تخوم المسافة بين عالمين، أحدهما واقعي قائم، والآخر افتراضي متخيل، طارحا عبرهما ’سؤال الهوية’ المركزي، وباحثا فيهما عن مدينته (المبتغاة)..

بطل ممزق بين الجني والعولمة!

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى