السبت ٢٩ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٥
بقلم حسام صبري

نُقْطَةُ الارْتِكَاز

القصة الفائزة بالمرتبة الأولى

بَدَأَتْ قََطَرَاتٌ بَسِيطَةٌ ازْدَادَتْ تَدْرِيجِيًَّا، وَازْدَادَ مَعَهَا ارْتِفَاعُ عَمُودِ الْمِيَاهِ وَفِي أَقَلِّ مِنْ دَقِيقَةٍ وَصَلَ إِلَى فَمِ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَكَادُ يَقَعُ لِفَرْطِ لَهْفَتِه لِلحصولِ عَلى المِيَاهِ، بَيْنَمَا تَنْتَبه لَه أمه الَتي تَحمِله فِي بَسَاطةٍ عَلَى رَاحَتِها اليمْنَى وَتَرْفَعُه بقَدْرِ اسْتطَاعَتِهَا وَمَلامِحُ الذعِْر وَالأَلَمِ مَحْفورةٌ عَلَى وَجْهِهَا، وَبِضْعَةُ ذئَابٍ أَوْ حَيَوَانَاتٍ ذَاتُ أَنْيابٍ تَنْهَشُ في أَقْدَامِ الأمِ فَتَنِْزفُ بَدَلَ الدِّمَاءِ مَاء.

لَكنَّ اهْتِمَامَهَا كلَه- بِرَغْمِ ذَلِكَ - موَجَهٌ إِلَى ابْنِهَا الَذِي تحَاوِلُ أَنْ تَحْفَظَ تَوَازُنَهُ بِيَدِهَا اليسْرَى، وَأَحَدُ الذِّئَابِ الصَغِيرَةِ جَسَدُه ِشبْهُ طائِر فِي الهَواءِ، وَهُوَ مُعَلَقٌ بِأَنْيَابِه الحَادَةِ الَتِي انْغَرَسَتْ عَنْ آخِرِها فِي ذِراِع، ومِرْفَِق الأِم الأيْسَر وَكَأَنَهُ يُرِيدُ أَنْ يمْنَعَ اليَدَ مِنَ الوُصُولِ إِلَى الابْن .. فِي مَشْهَدٍ رَائِع أَعْجَزُ عَنْ مَنْع عَيْنِي مِنْ تَأمُّلِه كُلَمَا مَرَرْت بِهَذَا المَيْدَانِ، لَكِنَ الجَدِيدَ اليَوْمَ أَنِّي أَرَى النَافُورَةَ وَهِي تَبدَأُ عَمَلَهَا، وَأَرَي بِوُضُوحٍ العَمُودَ المُجَوَّفَ مِنَ البِلاسْتِيك الشََّفَافِ يَصِِلُ الصََّخْرَةَ الصَّغِيرَةَ بفَمِ الطِّفِل الصَّغِيِرِ، بِحَيْثُ تَنِْدِفعُ ِفيِهِ الِميَاهُ ِمنْ أَسفَلَ ثُمَ تَعُودُ لِتَسِيلَ حَوْلَ جُدْرَانِه ِحين َ تَِصلُ ِللصَُّخْرَةِ، فَيَبْدُو المَنظَرُ وَكَأَنَّ الصََّخْرَةَ مُعَلََّقَةٌ فِي الهَوَاِء، وَمَعَ ذَِلكَ يَِِسِيلُ ِمنْهَا المَاءُ دُونَ نَفَادٍ.

في الصَّيْفِ أُحِبُّ أَنْ أَعْبُرَ بِجِوَارِهَا حَتَى يُصِيبَني الرََّذَاذُ الخَفِيفُ المُنِْعشُ حِينَ تَحِْملُهُ نَسْمَةٌ شَاِردَةٌ ... وَِفي الغَاِلب أُِحبُّ مُرَاقَبَتَهَا مِنْ كَثَبٍ، فَهِِي عَمَلٌ فَنِّي رَائِعٌ لاَ شَكَ وَأَرْوَعُ مَا فِيهِ تَمَيُِّزُهَا .. فََكِمِّيةُ المِياهِ لاَ تَطْغَي عَلَى جَمالِ النَحْتِ وَهَيْبَتِه، وَإِنَمَا هِي جَدَاولٌ رَقْرَاقَةٌ تُضِيفُ عَلِيْهِ تَجْسِيدًَا وَحَرَكَةَ .. وَهِي فِي بَرَاعَةِ مَخَارِجِهَا تَظْهَرُ وَكَأَنَهَا عَمَلٌ آخَرٌ مَنْحُوتٌ مِنَ البلُّورِ الشََّفَافِ يَشْتَركُ مَعَ النَحْتِ الأَصْلِي دُونَ انْفِصَال..

بِخِلافِ النَافُورَاتِ الغَبِيَِّة الَتِي تَتَنَافَسُ عَلَى بَعْثَرَةِ أَكَْبَر كِمِّيَةٍ مِنَ المِيَاه، وَكَأَنَهَا مَيْكَنَةٌ لِلرَي وَلَيْسَت مَصْدَراً جَمَالِياً .. كَمَا أَنََّ هَذِه الأُمََّ الصَابِِرَةَ تَحتَلُّ فِي نَفسِي مَكَانَا خَفِيًََّا..

هَذِه المَرَّةَُ وَأَنَا أَمْشِي ببطْء كَعَادَتِي حِينَ أَمُرُّ بِجاَنِبِهَا، لَفَتَ نَظرِي طِفْلٌ صَغِيرٌ يَمْرَحُ فِي نَشَاطٍِ بِكُرَتِهِ الصًَّغِيرةِ فِي المِسَاحَةِ الخَضْرَاءَ غَيْرِ الكَبَِيرةِ وَالمُحِيطَة بِالنَافُورَةِ، بَيْنَمَا تَجْلِسُ أُمٌُّه عَلَى المِقْعَدِ الخَشَبِي فِي ثِيَابٍ تَعْكِسُ احْتِرَاماً شَدِيدَاً مُشِيرَة ًَإِلَيْهِ بِيَدِهَا أَنْ يَبْتَعِدَ عَنِ المَيْدَانِ وَعَيْنَاهَا لاَ تَغِيب عَنْهُ.

تَابَعْتُهُ قَلِيلاً بِنَظَرِي وَشَبَحُ ابْتِسَامَةٍ يَرْتَسِمُ عَلَى مَلاَمِحِي، فَقَدْ كَانَتْ حََرَكَاتُهُ الطُّفُولِيََّةُ وَطَرِيقَةُ الْتِقَاطِه لِلكُرَةِ وَقَذْفُهَا بِيَدَيْهِ الاثْنَتَيْنِ لأعْلَى، ثُمَّ جَرْيه بِأَقْْْصَى مَا تَسْمَحُ لَهُ قَدَمَاهُ مِنْ سرْعَةٍ كَي يلْتَقِطَهَا قَبْلَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ تُجْبِرُ جَمِيعَ الجَالِسِينَ وَالوَاقِفِينَ حَوْلَ النَافورَة عَلَى مُتَابَعَتِه وَالإشَارَةِ إلَيْهِ أَوْ مُدَاعَبَتِه حينَ يَقتَربُ مِنْ أَحَدِهِم، ثُمَّ يَبتَعِدُ وَكَأَنَهُ يَكِرُّ وَيَفِرُّ فِي مَعرَكَةٍ صَغِيرَةٍ ، وهذا يُذَكِّرُنِي بأَطْفَالِ الانِْتفَاضَةِ وَهُمْ يُجَاهِدُونَ بالحِجَارَةِ، لَكِنَّ الفَارِقَ أَنَّ هَؤُلاَءَ يَكِرُّونَ بِالحَجَر مَرَّةَ وَاحِدَةً ثُمَّ يَفِرُّونَ عَكْسَ اتِّجَاهِهِ مُتَحَيِّزِينَ لِكَرَّةٍ أُخْرَى، فَالحَجَرُ عِنْدَهُم وَسِيلَةٌ لِلدَّفْعِ. أَمَّا هَذا فَالكُرَةُ عِنْدَهُ غَايَةٌ فِي حَدِّ ذَاتِهَا، أَوْ قَدْ يَتَشَابَهَانِ إِذَا اعْتَبَرنَا الكرَةَ وَسِيلَةًَ هِي الأخرَى لِغَايَةِ الطِّفْلِ وَهِي الََّلهْوُ وَالتَّسْلِيَةَ..

انْتَزَعَتْنِي مِنَ الانْتِفَاضَةِ ضَرْبَةٌ قَوِيَّةٌ ابْتَعَدَتْ بِالكُرَةِ عَنِ المِنْطَقَةِ المَزْروعَةِ، فَتاَبَعَتْهَا الأَنْظَارُ كَي يَتََضَاحَكَ الجَمِيعُ حِينَ ارْتَطَمَتْ برَأْسِ رَجلِ الأَمْنِ أَوِ المرورِ الوَاقفِ عنْدَ الإشَارَةِ، فَالْتَقَطَ الطِّفْلُ الكُرَةَ، وَعَادَ مُسْرِعَا لِيُوَاصِلَ لَهْوَه قَبْلَ أَن يَتَمَكََّنَ الرَجُلُ مِنْ تَأْنِيبِهِ.. لَكِنََّ الكُرَةََ وَاصَلَتْ مُفَاجَآتِهَا وَكَأَنَهَا تَسْتَمْتِعُ هِي الأخْرَى بِالَلَعِبِ مَعَ صَاحبِهَا، فَاخْتَارَتْ حَلَبَةًَ جَدِيدَةًَ لِلْمبَارَاةِ حِينَ طَارَتْ مُسْتَقِرَةَ عِنْدَ أَنْيابِ الذئْبِ الكَبِيرِ، وَهنَا تَعَلَقَتْ الأَنْظَارُ كُلُّهَا بِالطِّفْلِ الَذِي تَوَقَعْتُ لَهُ أَن يَنْهَمِرَ فِي الْبكَاءِ لَِفَقْدِهِ الكُرَةَ لَكِنِّي وَجَدْتُهُ لِدَهْشَتِي يَنْطََلِقُ كَمَنْ يَعْرِفُ هَدَفَهُ جَيِّدَاً، وَيُحَاوِلُ تَسَلُّقَ حَاجِز النَافورَةِ الَذِي يَرتَفِعُ مِتْراً عَنِ الأَرْض، وَهُنَا وَجَدْتُ ذَاتَ الثِّيَابِ الوَقُورِ خَلْفَهُ تَمْنَعُهُ فِي هُدُوءٍ وَتُكَلِّمُهُ فِي تَعَقُّلٍ، وَكَأَنَهُ زَوْجُهَا َلا ابْنُهَا الصَغِير، ثُمَّ وَجَدْتُ الطِّفْلَ يَعْدِل عَنْ فِكْرَةِ النُّزُولِ إِلَى النَافُورَةِ، وَيَجْلِسُ بجوَارِ أمِّه الَتِي أَخْرَجَتْ لَه شَطِيرَةَ بَدَأَ فِي تَنَاوُلِهَا دُونَ شَهِيَةٍ وَاضِحَةٍ..

لَوْ أَنَّ أُمِّي مَكَانَ هَذِهِ السَيِّدةِ.. لَصَفَعَتْنِي بِقُوَةٍ لَو حَاوَلْتُ النُّزُولَ كَمَا فَعَلَ هَذَا الطِّفْل..

لَكِنَّ شَيْئَاَ مِنْ هَذَا لَمْ يَكُنْ لِيَحْدُثْ.. فَمَا كَانَتْ أمِّي لِتَتْرُكَنِي أُضيِّعُ وَقْتِي فِي الَلَهْوِ بِالكُرَةِ وَمَا كَانَتْ لِتَصْطَحِبَنِي مَعَهَا فِي مَكَانٍ كَهَذا أَوْ كَغَيْرِه مِنَ الأَسَاسِ..

وَهنَا وَجَدْتُّنِي أَضَعُ حَقِيبَتِي الجِلْدِيةَ عَلَى الأَرْضِ، وَأتََجِهُ فِي خُطُوَاتٍ ثَابِتَةٍ إِلَى حَاجِزِ النَافورَةِ، ثُمَّ أَجْلِسُ عَلَيْهِ وَظهْرِي لَهَا ثُمَّ أَرْفَعُ كِلْتَا قَدَمَي عَنِ الأَرْضِ وَأُشَمِّرُ البِنْطَالَ بِحَيْثُ تَظْهَرُ نِهَايَةَ الجَوْرَبِ، ثُمَّ أَسْتَدِيرُ لأوَاجِهَ المِيَاهَ وَفِي جُرْأَةٍ أُحْسَدُ عَلَيْهَا غَمَسْتُ قَدَمِي فِي المِياهِ الَتِي لَمْ يَزِدْ عُمْقُهَا عَنْ شِبْرَيْنِ أَسْفَلَ الحَاجزِ مُبَاشَرَةَ، ثُمَّ تَقِلُّ تَدْرِيجِيّاً حَتَى تَنْعَدِمَ عِنْدَ ذَيْلِ أَوَّلِ ذئْبِ.

وَلَمْ تَكُنْ بُرُودَةُ المِيَاهِ اَلتِي مَلأتْ حِذائِي، وَوَصَلَتْ لِنِهَايَةِ جَوْرَبِي هِي سَبَبُ دَهْشَتِي، وَإنَمَا ذَلِكَ الصَوْتُ الغَرِيبُ الَذِي أَحْدَثَهُ وَقْعُ قَدَمِي عَلى أَرْضِيََّةِ النَافُورَةِ، نَعَم إِنَهَا مُكَوَنَة ٌمِنْ سَبِيكَةٍ مَعْدِنِيةٍ تَمَّ طَلاؤُهَا بِطَلاَءَ بَارِعٍ جَعَلَهَا تُشْبِهُ تَمَامَاً الصُّخورَ الطَّبِيعِيَّةََ.

فِي الوَاقعِ كَانتْ مُفَاجَأَةً بِالنِسْبَةِ لِي، فَطُوالَ هَذِهِ السِّنين كُنْتُ أَعْتَقِدُ أَنَّ الأمَّ وَالطِّفْلَ وَالذِّئَابَ َوالصُّخُورَ هِي عَمَلٌ فَنِّي مَنْحُوتٌ فِي أَحْجَارٍ طَبِيعِيةٍ كَتِلْكَ الَتِي نَرَاهَا فِي المَتَاحِفِ..

لَكِنِّي فُوجِئْتُ أَنَّهَا مَعْدِنٌ يُحْدِثُ صَوْتاً صَاخِباً حِينَ أَطْرُقُهَا بِيَدَي، انتَزَعْتُ نَفْسِي سَرِيعاً مِنْ هَذِهِ المُفَاجَأَةِ، وَانْحَنَيْتُ إلَى الكُرَةِ أَلْتَقِطُهَا فِي هُدُوءٍ، ثُمَّ طَرَقْْتُ أَنْيَابَ الذِّئْبِ وَأَنَا أَعْتَدِلُ فَوَجَدْتُهَا مَعْدِنيَّةٌ أَيْضاً، وَلَمْ أَسْتَطِعْ مَنْعَ الفُضُولِ فَطَرقْتُ ذِئْبًا آخَرَ وَثَالِثَ كَي أَجدَهُا مَعْدِناً جَمِيعاً..

وَأَغْرَقَ بَعْضُ الجَالِسِينَ مِمَنْ لاَحَظونِي فِي الضَّحِك ِفَقَدْ كُنْتُ أَشْبَه بنَجَّارٍ يَخْتَبِرُ الخَشَبَ ليُحَدِّدَ نَوْعَهُ، لِلأَسَفِ لَمْ تُسعِفْنِي قَامَتِي فِي الوُصُولِ ِللِّطِفْلِ أَوْ لأذْرُعِ الأمُِّ فَقَدْ كَانَ خِصْرُهَا هُوَ أَقْصَي مَا تَصِل إِليْهِ يَدِي المَفْرُودَةُ لأعْلَى، وَطَبْعاً لَمْ يفُتْني أَنْ أَطْرُقَ أَقْدَامَ الأمِّ الَتِي تَنْزِفُ مَاءً، فَهِي تُمَثِّل نُقْطَة الارْتِكَازِ بالنِّسْبَةِ لِبَاقِي أَجْزَاء َالتِّمْثَالِ..

إِنَّ الأحْجَامَ تَخْتَلِفُ هَذِهِ المَرَّة، فَالأَنْيَابُ تَبْدُو أَكْبَرَ مِنَ المعْتَادِ، وَجِرَاح الأمِّ وَاضِحَةٌ، وَمَعَالِمُ الأَلَمِ وَالذُّعْرِ تَنْطِق مِنْ عَيْنِها بِصِدْقٍ، أيَْضاً مَلاَمِحُ الطِّفْلِ هي أَكْثَرُ وُضُوحاً وَهُدُوءاً.. أَرْوَعُ شَيء أَنِّي أَقِفُ وَسَطَ الذِّئَابِ.. بَلْ َيَعْلونِي الذِّئْبُ الصَغِيرُ الَذِي يَتَعَلَّقُ بِذِرَاعِ الأمُِّ..

ثََمَّةَ مَوَاضِع يُمْكِنُنِي أَنْ أَجلِسَ فِيهَا دُونَ أَنْ تَصِلَنِي المِيَاهُ، وَأَكْثَرُهَا أَمَاناً ذَلِكَ الََّذِي يَنْحَصِرُ بَيْن الذِّئْبِ الكبِيرِ وَأقْدَامِ الأُمُِّ حَيْثُ نِهَايَةُ رِدَائِهَا المُقَعََّرِ وَالمَنْحُوتِ أَوِ المَصْقَولِ بِبَرَاعَةٍ، وَكَأَنَّ الهَوَاءَ يَضْرِبُهُ بشِدَِّةٍ، وَقَدِ اسْتَدْعَى فِي ذَاكِرَتِي رِدَاءَ أُمِّي القَِديمِ الَذِي طَالَمَا ارتَدَتْهُ وَهِي تَكْدَحُ... وَحِينَ تَابَعْتُ بِنَظَرِي الرِّدَاءَ حَتَى نِهَايَتِهِ لأَِعْلَى سَمِعْت ُمِنْ وَسَطِ الخَرِيرِ صَوْتَ أُمِّي الشَاحِبَ، وَهِي تَطْلُبُ مِنِّي عَلَى فَرَاشِ المَرَضِ أَنْ أُسَامِحَهَا عَلى قَسْوَتهَا؛ فَلَمْ يَتْركُ اليُتْمُ وَالفَقْرُ مَجَالاَ لَهَا كَي تَلْهُوَ مَعَ أَصْغَرِ أَبْنَائِهَا..

وَمَرََّةًَ أُخْرَي يَنْتَزعُني رَجُلُ الأَمْنِ أَوِ المُرُورِ مِنْ أَفْكَارِي حِينَ أَشَارَ إلَي مِنْ خَارِجِ النَافُورَةِ وَكَأَنَهُ يَسْتَكْثِرُ عَلَى هَذِهِ اَلََّلذََّةَ، وَيَأمُرُنِي بِالخُرُوجِ..

تَجَاهَلْتُهُ وَأَسْقَطْتُ الكُرَة َعَمْداً مِنْ يَدِي كَي تَتَدَحْرَجَ نَاحِيَةَ الذِّئْبِ الكَبيرِ الَذِي يَبْعُدُ مِتْراً عَلَى الأََقَلِّ عَنْ أقْدَامِ الأُمِّ مُتَحَفِّزًَا للْقَفْزِ..

وَاسْتَدَرْتُ كَي أَسْتَعيدَ الكُرَةَ َمُتَعَمِّدَاً إعْطَاءَهُ ظَهْري فَالْتَفَّ بسُرْعَةٍ حَوْلَ النَّافُورَةِ لِيُوَاجِهَنِي وَيُعيدَ عَلَي الأَمْرَ، وَإنْ خَاَلَطَتْ لَهْجَتَُهُ الآمرَة ُنَبْرَةَ َتَوَسُّلٍ..

اتَجَهْتُ للحَاجزِ مُسْتَجيباً، وَحِينَ هَمَمْتُ بِالقَفْزِ مِنْ فَوْقِهِ وَجَدْتُ ذِرَاعَاً مَفْتُولََةً تَمْتَدُّ إلَي، فَنَظَرْتُ بَدَهْشَةٍ لصَاحبِهَا كَي أَجدَ أَحَدَ ضُبَاطِ الجَيْشِ يَبْتَسِمُ لِي فِي وُدٍّ مَلْحُوظٍ جَعَلَنِي لاَ أَتَرَدََّدُ، فَالْتَحَمَتْ كَفَّانَا، وَوَجَدْتُهُ يَرْفَعُنِي فِي سُهُولَةٍ وَقُُوََّةٍ... وَفِي ثَوانٍ كُنْتُ خَارِجَ النَّافُورَة دُونَ تَفْكِيرٍ..

ابْتَسَمَ لِي، وَأَخَذَ الكُرَةَ مِنْ يَدِي، ثُمَ شَكَرَنِي وَأَكَّدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَاعٍ أَنْ أُتْعِبَ نَفْسِي لِهَذِهِ الدَّرَجَةِ ثُمََّ نَادَى ابْنه وَهُوَ يُشِيرُ إلَي، وَيَدْعُوهُ أَنْ يُسَلَِّمَ عَلَى "عَمو" وَيشْكُرَهُ..

سَلَمْتُ عَلَى الطِّفْلِ، َوتَلََقَيْتُ كَلِمَةَ الشُّكْرِ فِي بَلاَهَةٍ أَوَّلَ الأَمْرِ، لكِنِّي أَفَقْتُ سَرِيعاً وَانْحَنَيْتُ لِلطِفْْلِ مُقَبٍّلاَ خَدَّهُ، ثُمََّ وَاجَهْتٌ ذَا الذِّرَاعِ المَفْتُولِ وَابْتَسَمْتُ فِي وُدٍّ بدَوْرِي أَنْ لاَ دَاعِي لِلشُّكْرِ، ثُمََّ خَطَوْتُ مُبْتَعِدَاً بِضْعَ خُطُوَاتٍ كَي أَرَى عَلَى الأَرْضِ آثَاراً بَاهِتَةَ لِحِذائِي الغَرِيقِ.. فِي الْوَاقعِ كُنْتُ أَوَدُّ أَنْ أَشْْكُرَ أَنَا الطِّفْلَ وَبِشِدََّة، لأَنَ كُرَتَهُ هَذِهِ كَانتْ سَبيِلِي إِلَى تَحْقِيقِ أُمْْنيَةٍ كَبيرَةٍ مِنْ تِلْكَ الأَمَانِي الَّتِي تُرَاوِدُنَا مُنْذُ الطُّفُولَةِ وَهِي النُّزُولُ إلَى النَافُورَةِ وَلَمْسُ تَمَاثيلِهَا وَالَلَعِبُ تَحْتَ مِيَاهِهَا..

َلَمْ أَنْسَ طَبْعْاً أَنْ أَصْطَنِعَ مَسْحَ ذِرَاعَي مِنَ المِيَاهِ حِينَ اقْتَرَبْتُ مِنْ رَجُلِ الأَمْنِ أَوِ المُرُورِ كَي تُصِيبَه بِضْعَةُ قََطَرَاتٍ لاَ بَأْسَ بِهَا..

رَفَعْت نَظرِي نَاحِيَةَ الأُسْرَةِ الَتِي رَاحَتْ تَبْتَعِدُ، فَوَجدْتُ الأَبَ المَفْتُولَ يَحْمِلُ الطِّفْلَ بِذِرَاعٍ وَيَحْمِل باليَدِ الأُخْرََى حَقِيبَةً كَبيرَةً لَمْ أَرَهَا مِنْ قَبْلُ مَعَ الأمَّ الَتِي سَاَرَتْ بِجِوَارِهِ، وَرَاحَتْ تَتَحَايَل عَلَى الطِّفْلِ كَي يُكْمِلَ شَطِيَرَتهُ، بَيْنَمَا يُدِيرُ هُوَ وَجْهَهُ وَيَتَمَنَعُ، فَعَادَ صَوْتُ أُمِّي يَقْرَعُ فِي ذَاكِرَتِي وَجِلْدُهَا الأَبْيَضُ يَحْتَلُّ المَشْهَدَ أَمَامَ عَيْنَي، وَتَفْسِيرُهَا لمَا صَنَعَتْ وَكَأَني كنْت محتَاجاً لتَفْسير.. أَنَ الفَقْرَ كَانَ يَعض فينَا بنَابه، وَأَنَهَا وَقَفَتْ كَالجَبَل وَلَم تَستَجبْ لإغْرَاءَاتٍ عَديدَة ٍتَكْفل لَها لاَ العَيشَة الكَريمَة فَحَسْب، وَإنَمَا العَيْشَةَ الرَغْدَةَ المنَعََّمَةَ..

عَلَى أَنْ يَدْفَع َأَبْنَاؤُهَا السَبْعَةَُ الثَمَنَ..

وَكَيْفَ أَنَهَا لَمْ تُقَصِّرْ في حَقِّهِم وَلَمْ تُضَحِّ بهم منْ أَجْل مُتَع الْحَيَاةِ وَإنَمَا ضَحَتْ بمُتَعِ الحَيَاة منْ أَجْلهم..

وَكَيْفَ أَنَهَا لَمْ تَرْضَ أَنْ ترَبيَهم بأَمْوَال الصَدَقَة مَعَ أَنَه حَقُّهَا وَحَقٍّهم، لَكنَهَا رَوْحُ العزَة وَالإحْسَاس بالَتفَرد وَالقوَة الَتي أَرَادَتْ زَرْعَها فينَا وَنَجَحَتْ في ذَلك لاَ شَكَ..

وَحينَ جَاوَبْتهَا بأَنَهَا أَثْقَلَتْ عَلَي نَفْسهَا، فَلاَ يَعيب اليَتيم أَبَداً أَنْ يَأْخَذ حَقَه من القَادرين وأَنَ مَا تَقَوله هوَ قَليل من كَثير فَعَلََتْه لَنَا..

فَلَقَدْ تَرَكَتْ فَوْقَ متَع الدنْيَا متْعَةَ أَكْبَرَ ربَمَا يَمْنَعهَا الحَيَاء عَنْ ذكرهَا..

لَقَد تَرَكَتْ جَمَالَهَا الجَسَدي وَحَقَهَا الطَبيعي في إشْبَاع رَغَبَاته.. ذَلكَ الجَسَد الَذي لَم ْأَكنْ لأمَيِّزَهُ وَأَنَا طفْلٌ صَغير.. لَكنَهَا وَهي عَلَى فَراش المَرَض مَا زَالَتْ تَحْتَفظ بآثَاره وَاضحَةَ..

لَقَدْ كَانَتْ آثَاراً أَقْوَى منَ الزَمَن..

نَعَمْ إنَه منَ العَسير بمَكَانٍ أَنْ تضَحي امْرَأَة بنعْمَة الجَمَال الحَقيقي، وَهي نعْمَة عَظيمَة تَرْفَع ثَمَنَهَا كامْرَأَة عَنْ طَريق الحَلاَل.. فَضْلاَ عَن الطرق الأخْرَى..

فإذَا كَانَ منْ مَصْدَر فَخْرٍ وَامْتنَان فَإنَ هَذَا هوَ أَعْظَم مَا أَفْخَر به..

ثمَ مَاتَتْ وَنَحْن عَنْ بَعْضنَا رَاضون..

ارْتَطَم نَظري في هَذه الَلحْظَة بالطفْل الآخَر فعَكَسَ ضوْء الشَمْس عَلَى وَجهْه ابْتسَامَة مطْمَئنَةَ..

ترَى هَلْ هوَ وَاثق أَنَ أمَه سَوْفَ تَمد ذرَاعَهَا أَكْثَرَ كَي يَصلَ إلَى الصَخْرَة؟؟

أَمْ أَنَه لاَ يَرَي ذَوَات الأَنيَاب منْ تَحْته أَسَاساً؟؟

تَذَكَرْت السَبَائكَ المَعْدَنيَة، فَامتَعَضْت قَليلاَ، ذَلََك أَنَ فكْرَةََ المَعْدِن هَذِهِ سَتُغَيِّرُ نَظْرَتِي تَمَامًَا للنَافورَةِ..

وَيَنْتَزعُنِي مِنْ أََفكَاري صَوْتٌ سَمِعْتُهُ اليَوْمَ عِدَةَ مَرََّاتٍ.. فَالْتَفَتُّ لَهُ وَأَنَا لاَ أَنْوي عَلَى خَيْرٍ.. كَي أَجدَ رَجُلَ الأَمْن أَو المُرور يُسْرعُ كَي يَلْحَقَ بمِشْيَتِي مَادّاً إلَي ذرَاعَه الطَويلَ وَفي نِهَايَتِه حَقيبَتي الجلْدِيَّةُ، ثَُمَّ قَفَل عَائِداً لِمَكَانِهِ دَُونَ أَنْ يُعِيَرَ كَلمَاتِ شُكْرِي اهْتِمَامَا..

ثََمَّةَ شَيء مَا حَيَّرني؛ إنَّ أٌقْدَامَ الأمِّ حَيْثُ نُقْطَةُ الارْتكَاز هِي الجزْء الوَحِيدُ الَذِي لَمْ يُحْدِثْ صَخَباً حِينَ طَرَقْتُه..

لَقَدْ كَانَتْ أَقْدَامَاً منَ الحَجَر الحَقِيقِي..

القصة الفائزة بالمرتبة الأولى

مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى