

وقوف متكرر ديناميكية السرد.. وبلاغة الحذف
في روايته (وقوف متكرر) يطرح الكاتب (محمد صلاح العزب) تجربته السردية الخاصة. كاشفا عن صوت سردي مميز، خاصة بعد أن أنضجته التجربة السردية أوتكاد، وأضحي سائرا بخطي إبداعية واعية، فبعد عمليه السابقين: (لونه أزرق بطريقة محزنة) المجموعة القصصية التي رصدت ملامحها من قبل في أخبار الأدب، وروايته الأولي (سرداب طويل يجبرك سقفه علي الانحناء)، لايكتفي (العزب) بإضافة كمية لنصوصه الإبداعية، بل ينحو تجاه التأسيس لمشروع سردي بالغ الخصوصية. حيث تبدو ملامح النضج ومؤشرات الوعي بالعالم مبثوثة هنا في تضاعيف الرواية.
’وقوف متكرر’ ثمة عنوان دال يصدر به الكاتب روايته، يصبح مؤشرا علي فحوي الرواية، كاشفا عن هذا الحراك المتخبط، والموسوم بالتوقف دائما.
تتشكل الرواية من عدد من الفصول المعنونة بعناوين فرعية دالة والحاوية إما لإشارات زمانية (التحرك 10صباحا)، أومكانية (مدينة السلام/ مدينة نصر)، أو موضوعاتية (قانون جديد) أو علاماتية (انتبه من فضلك السيارة ترجع الي الخلف) وهذه الفصول الروائية مقسمة بدورها الي مقاطع سردية تتسم بطابع أكثر ديناميكية، حيث تبدو حرية الحراك السردي (الزماني والمكاني) بارزة إلي حد كبير في هذه الرواية..
يهيمن السرد بضمير المخاطب علي مقدرات الحكي داخل النص، وذلك بدءا من الاستهلال الشجي في مقدمة الرواية، وحتي الخاتمة الدالة نهايتها.
تبدأ الرواية باستهلال سردي بديع يحمل شجنه الخاص: ’ستدعوهم كلهم إلي هنا: أباك، وأمك التي قالت في البداية ’يعني إيه عازب يسكن لوحده يعني؟!’، وهزت رأسها باستنكار، وأخاك، وأختك، وهند بنت خالك التي وافق أبوها بشكل مبدئي علي الارتباط ستفاجأ بها بعد ذلك طارقة الباب عليك دون أي إشارة سابقة لاحتمال مجيئها، ستري الأنثي الوحيدة التي نجحت في تسريبها إلي هنا معك بالداخل، فتنزل باكية وينتهي كل شيء’ .ولم يكن الاستهلال هنا مجرد تقديمة للرواية، بل حوي ملخصا لمحتوياتها، حيث ثمة توظيف دال لتقنية ’الاستباق’ والتي يتم عبرها الإشارة إلي أكثر من واقعة ستحدث بعد اللحظة الراهنة (رؤية هند لابن خالها مع المرأة التي قرر مضاجعتها) علي سبيل المثال.
يقدم الكاتب شخوصه متكئا علي إقامة سياق (اجتماعي/ نفسي) يتحركون فيه، هذا السياق كان كفيلا برصد نوازعهم الداخلية، وهذا مايتجلي لا علي مستوي الشخصيات المركزية في الرواية (محمد إبراهيم/ محمد عبد المنعم)، بل حتي علي مستوي الشخصيات المساعدة (سعيد مغرفة)، حيث تصبح الإشارة إلي الأثاث المتهالك لمنزل (مغرفة)، والنصية علي امتلاكه أذنا مفلطحة تشبه المغرفة، تصبح هاتان الإشاراتان كافيتين لاكتناه هذه الشخصية والوقوف علي عوالمها الداخلية، وعلي الرغم من أن التوصيفات للشخوص داخل الرواية تبدو عابرة الي حد بعيد، إلا تظل معبرة ودالة، إنها في ظني قدرة التعبير عن الاشياء وعبورها في الآن نفسه. وتتداخل الأزمنة في الرواية متراوحة بين زمن القص الراهن، والتوظيف الدال لتقنيتي الاستباق (المشارإليها سابقا)، والاسترجاع والمتسمة هنا بقدر عاصف من الحنين المشوب بنظرة تحوي بكارتها الخاصة:
’لاتذكر من أيام شبرا الخيمة سوي القطار، والمؤسسة، وصوت مصانع النسيج في مرورك اليومي الي المدرسة، والبنت مني أحمد التي ظللت تحبها حتي نهاية الخامس الابتدائي، تتبادلان النظر والابتسام طوال الحصص، والتي خاصمتك لأنك وشيت بها عند مدرس الرسم’، وعبر التداخل الزمني يستعيض السرد عن تصوير الحياة باعتبارها مشاهد متتابعة ويسمح لنا بالربط بين أحداث منفصلة عن طريق استخدام علاقات متعددة كالسببية مثلا، أو تقنيات متنوعة كالمفارقة، وهذا مايبرز في الرواية تماما، سواء في استخدام (الاستباق) كما حدث في (الاستهلال) الذي تبدأ به الرواية، وفي استخدام الفلاش باك في أكثر من موضع داخل النص.
تبدو فكرة (قتل الأب) أحد أهم ملامح الكتابة الجديدة بارزة في الرواية إلي حد كبير، بيد أنها لم تكن (مطارحة جذرية) لها كما رأينا مثلا في رواية الكاتب (ياسر عبد الحافظ) (بمناسبة الحياة)، حيث نجد أنفسنا في (وقوف متكرر) بإزاء وضعية تحمل تواؤماتها الخاصة مع واقعها المعيش، حيث ثمة وعي قابل للمصالحة هنا.
تتكيء الرواية علي (المفارقة) بتنوعاتها (اللفظية الدرامية) وبشكل يشي بقدرة الكاتب علي التقاط الاشياء والتعبير الدال عنها. تمثل اللافتات جزءا من نسيج النص السردي مانحة إياه أفقا جديدا، وممثلة في مواضع منها مايسمي ب"النص المصاحب" وتبدو النهاية في هذه الرواية مصنوعة بحرفية ووعي كبيرين، يحمل فيها الكاتب هاجسه المركزي حتي جملته السردية الاخيرة، فالطفل الواقف في النافذة محركا لعبته حتي سقوطها، ثم انتظاره في مكانة غيرقادر علي النزول، تحيلنا إلي المشهد الذي تنكسر فيه لعب (المسرود عنه) أمام عينيه وهو لايخرج أيضا، وكأننا بإزاء عود علي بدء، فيضيف عمقا للنص، ويشعرنا أننا أمام حلقة مفرغة يدور فيها الشخوص المعذبون، المتسمون بعدم القدرة علي الفعل، فالكاتب هنا لايوقف شخوصه علي حافة الفعل لأنهم منسحقون، يعيشون أزمنة الاستلاب العولمي. ثمة توظيف لمواضعات البلاغة العربية، وهذا مايتجلي حينا في اللغة، أوحتي في استخدام (بلاغة الحذف) كما في العنوان الداخلي (التي وافق أبوها بشكل مبدئي علي الارتباط)، والتي نعرف أنها (هند) ابنة عمة (المسرود عنه) المركزي في الرواية، وهذا التواصل مع الموروث السابق يميز (العزب) مع عدد من أبناء جيله.. تحمل اللغة مدها الشعري الخاص (وهذا يبدو في المقدمة مثلا)، كما أنها لغة واصلة في رأيي بين مستويات متعددة، بدءا من استخدام المستوي الكلاسي الفصيح، مرورا بالعامية المصبوغة بنكهة الراهن الخاصة، يحياه الكاتب وجيله ( استخدام لفظة (مكنة) مثلا في (وقوف متكرر) يحكي الكاتب مستخدما السرد بضمير المخاطب، والذي أتاح للسارد الرئيسي قدرة واعدة علي اقتحام (الداخل الانساني) في محاولة إبداعية بدت أكثر نضجا من نصيه السابقين، سعيا لاكتشاف جوهر العالم وفق المحددات والاشتراطات التي يعيشها شخوص مهمشون، هنا يقبض (محمد العزب) علي لحظة السردية، متدفقا حكيه ببراعة كبيرة، مكسونا بالموهبة، وإن كان عليه أن يتخلي عن نظرة الدهشة التي تلازم سارده الرئيسي أحيانا بإزاء تصاريف هذا العالم حتي يمكنه كشف المخبوء لا بمزيد من الجسارة فحسب، بل بمزيد من الوعي أيضا.. هنا يسير الكاتب بعد عمليه السابقين بشكل أكثر وثوقا وتحققا.