الخميس ٢٦ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٦
بقلم إدريس مقبول

آليات الحرب اللغوية على الأمة

لا تكون هناك إرادة للتواصل الفعلي والحقيقي بين الأفراد فيما بينهم والجماعات فيما بينها حتى يتحقق شرط متوار خلف سجف النفس المتفاعلة، هذا الشرط هو سعي المتواصلين في فهم مناسب لبعضهم البعض، يدفع عن كل طرف تهمة الالتفاف على الصورة الحقيقية للطرف الآخر بتشويهها بالنقص أو الزيادة، ولا أدل على ذلك من أن اغتصاب التواصل مأتاه من ضعف الأطراف في تحصيل القدر الكافي واللازم من هذا الشرط ذي السمتين الوجودية والأخلاقية. كما أنه في المقابل بالنتيجة السلوكية التدافعية لا تنجر الأمم للخصومات ولا الأفراد للمصادمات إلا إذا صار من يفترض فيهم تصحيح الصورة وضبطها إلى الإسهام في تبديلها وتزييفها.

وأمر نجاح التواصل راجع في الأصل إلى عناصر تداولية متنوعة على رأسها العنصر الذواتي الذي يقع تحته ما يسمى بالمعرفة المشتركة Mutual Knowledge بين المتخاطبين، أو ما يسمى بالأرضية المشتركة Common Ground، وهي معرفة بنيوية ذات نسيج معقد التركيب ([1])، هذه المعرفة هي التي تفضي للدلالة البينة، وهي في حقيقتها جملة من الاعتقادات والتصورات عن الذات والغير والأشياء والمعاني، يشترك فيها المتكلم والمخاطب مع جمهور الناطقين، وهي أنواع: لغوية وثقافية وعملية وحوارية([2]). ونحن حين نتحدث عن التواصل اللغوي يعني عندنا أن ثمة إنسانية مشتركة، وأن ثمة ثقة في أنه يمكن توصيل المعنى كما يقول المسيري، وأن ثمة علاقة بين الذات والموضوع والفكر والواقع وعلاقة بين ما يقال وكيف يقال، وعلاقة بين الدال والمدلول بتأكيد انفصالهما واتصالهما في الوقت نفسه([3]).

وإذا جاز عند بعضهم أن هذه المعرفة المشتركة مجردة حتى أنها لا تتقيد بالأخلاق فلأن ذلك راجع لاعتقادهم في حضارة القول المقطوع عن العمل. وفي ذلك من المضار ما لا يخفى على كل ذي عقل راجح. لأن انقطاع التواصل يشتد ويعبث بالصورة التي يرسمها كل طرف عن الآخر حتى تصير الأذهان حاملة لما تشتهي من أوزار الأوهام والأهواء لا لما هو كائن من الوقائع والمشاهدات.

إن الإنسان المتفاعل بالتواصل والذي يسعى للكمال ينبغي أن يكون متفقدا لجميع أخلاقه وبالخصوص في كلامه، متيقظا لجميع معايبه وبالخصوص ما يمكن أن يعتري سلوك سؤاله وجوابه، متحرزا من دخول النقص عليه في معاملة المخاطبين بما يليق بهم لأنهم في الجوهر مرآته. وكما للتخاطب نحو لغوي هو مجموع القواعد التركيبية التي ينبغي احترامها من قبل المتكلمين، له نحو أدبي وأخلاقي هو مجموع القواعد التداولية والسلوكية التي ينبغي الالتزام بها حتى نتجنب انقطاع التواصل وانصرام الأواصر.

فأما الطريقة التي توصلنا إلى الكمال وتحفظ علينا الإتمام التواصلي فهي أن نصرف عنايتنا إلى النظر في أصناف الناس ومراتبهم وطباعهم واختلافهم فنجعل غرضنا توفية كل واحد حقه ومستحقه من الأدب الذي يناسبه والأخلاق التي تدفع شره وتجلب خيره. وتستحثه على طلب الاستمرار في التواصل، وتشجعه على تغذيته واستثماره وتطويره لأنه وقف على حسناته التي لا تنحد في الإفادة والاستفادة، بل تمتد لِيُحَصِّلَ من ورائها المتخاطبون فضيلة التعارف، ويدفعوا عن أنفسهم بالتواصل معاطب العزلة وآفات الصمت في الخلوة والانعزال عن عالم الناس.

وإذا كان هذا تصورنا عن مرتبة الركن الأخلاقي في تأسيس حوار حضاري وبناء بين بني البشر جماعات ووحدانا، فإن واقع الحال اليوم ينبي عن خلل خطير في تدشين التواصل ومعرفة من هو أهل له ممن لا يقع تحت الواجب مواصلته ومجاملته وتألفه. فبات الخلط هو سيد الموقف والتضارب هو إمامه، وصار الحال إلى جهل بقواعد التواصل العامة في شقها الوجوبي المحكوم بالأحكام الشرعية كفائيا وعينيا. فأدى الأمر إلى فشو آفتين:

الآفة الأولى الاندماج المضعف المسمى بالتطبيع المعرفي والتحليلي للظواهر الصهيونية، إذ يهمل كثير من الدارسـين خصـوصية الظاهرة الصهـيونية الإسرائيلية من حـيث هي ظـاهرة استيطانية إحلالية ذات ديباجات يهودية. يتوهمون أن الواقعية تقتضي الاعتراف بالعدو الصهيوني وأن السلام هو الطريق الوحيد للتعايش، وما دروا أن"السلام لا يعقل إلا في سياق تمتع كل واحد من الطرفين بحقوقه كاملة،أما في غير هذا السياق، فلا يكون إلا حربا على الذي نقصت حقوقه منهما"([4])، وهؤلاء المُطَبِعُون هم الذين يتحملون مسؤولية قتل الوجدان واغتيال القدرة على التحرك. فلا ترى لهم نشاطا إلا في تسويغ العجز وتسويغ بقاء من صنعوه في مناصبهم ومواقعهم.

والآفة الثانية الانقطاع المسرف وهو المتمثل في التكفير والمدابرة عند نفر آخر. يعتقدون أن الحق لا يغادر ديارهم وأن الصواب لا يبرح حياضهم، وهم في تشنج دائم وإصرار على محاكمة النيات، واتهام الآخرين بغير وجه حق، وفي ذلك من العسف ومصادرة حقوق الآخرين في التفكير ما يوطئ للتكفير.

إن جانبا كبيرا من التواصل اليوم بين الكائنات الاجتماعية في العالمين الصغير والكبير هو عبارة عن غارات لغوية وتفجير دائم ومستمر لعبوات ناسفة ذات أشكال لسانية .وفي الصراع الدولي يمكن للناظر أن يسجل اعتماد القطب الاستكباري بزعامة أمريكا ومعها إسرائيل استراتيجية عدوانية في ما يمكن أن نسميه بالحرب اللغوية، هذه الاستراتيجية تعتمد ثلاثة أساليب:

الأول:التزوير من خلال عملية التهويد الذي يستهدف طمس مكون التاريخ:

ليس يخفى أن عملية التزوير التي تعد بحق قلبا لنظام الأحداث والوقائع وتشويها لمعالم الأشياء في عالم الناس تكاد تكون أخطر الجرائم القيمية في السلم التصارفي على الإطلاق لانتهاكها الشرط الأخلاقي المميز للفاعلية الإنسانية في وجودها. وإذا تأملنا اشتقاق التزوير من الزور الذي يرتبط بشهادة الباطل فهمنا كيف استوجب هذا الفعل التشنيع والتقبيح.
وقد يقال بان عمليات التزوير ليست سوى تصرف إنساني في حدود التدافع على الحق والمصالح بين بني البشر يبرره تنازع الغلبة والتملك؟

فيقال جوابا على هذا بأن التصرفات الإنسانية التي هي محض اجتهادات في تدبير طرق السلوك والتواصل والتدافع راجعة للمعطى التربوي البيداغوجي ، ففيها ما هو أخلاقي مقبول وفيها ما هو غير أخلاقي فهو غير مقبول أيا كانت الأسباب والتعلات.كحال المتنافسين في حلبة السباق ، إذ التنافس لا يعطي الحق في اختراق الحق، الذي هو جملة مفروضات وحدود فنية وأخلاقية تضمن شفافية الصراع ونزاهته.

وفي واقع الاحتلال الاسرائيلي والهيمنة الأمريكية تظل آلية التزوير أحد أهم الوسائل الاحتيالية في الحرب على أصحاب الحق، والمثال على ذلك نأخذه من عمليات التهويد Judaization الإسرائيلية المستمرة التي لا تتوقف في حرب إسرائيل على الفلسطينيين؛ متوخية بذلك تطبيع العالم المشاهد لجرائمها اليومية مع مدونتها التهويدية التي أفلحت في كثير من الأحيان في تحقيقها نظرا لسلطة الإعلام في ترسيخ الأباطيل وبناء الأوهام والأكاذيب.

في فلسطين المحتلة عملت إسرائيل الغاصبة على تزوير خبيث لأسماء الأماكن الفلسطينية في اتجاه تهويدها عبر تحريف (دوالها)أسمائها الحقيقية التفافا على معطيات التاريخ والجغرافيا لتمكن لنفسها على الأرض، حتى بات، وللأسف الشديد ، العالم كله منساقا في تحليلاته مع التيار التحريفي وناسيا أو متناسيا أصل الحق الضائع وراء اللغة الجديدة، لقد أحلت عمليات التهويد والتزوير اللسانية نظاما جديدا من الأسماء والألقاب ، أحلت نظاما جديدا مزورا من اللغة المزيفة بدل اللغة الحقيقية وبدل الأسماء الأصلية."ذلك أن تهويد فلسطين يجسد جميع المنطلقات العنصرية والعدوانية للصهيونية، ويكشف محاولات التضليل والخداع التي روجها الصهيونيون حول علاقتهم بأرض فلسطين، بدعم كامل من الدول الأوروبية الغربية , ومن ثم فإن تهويد فلسطين يعبِّر عن الظلم الاستعماري الغربي الذي لحق بالشعب الفلسطيني خصوصاً والأمة العربية بوجه عام"([5]).

ولنقف على هول هذه الجريمة التاريخية ذات البعد اللساني يمكن أن نتأمل جدول أسماء الأماكن التالية ([6]):

الأسماء بالعبرية ومقابلها بالعربية
الموقع التقريبي الاسم العربي للمدينة الاسم العبري للمدينة
وسط الجليل الأعلى الشرقي صفد تسفات
الساحل الشمالي لفلسطين عكا عكو
على الشاطئ الغربي لبحيرة طبريا طبرية طفرياه
جنوب القدس بيت لحم بيت ليحيم
جنوب الضفة الغربية الخليل حفرون
شمالي النقب بئر السبع بئر شيفع
أقصى جنوب النقب أم الرشراش إيلات
وسط فلسطين القدس يروشليم
السهل الداخلي الأوسط اللد لود
السهل الداخلي الأوسط الرملة رملاه
شمالي الضفة الغربية جنين جنيم
السهل الساحلي،جنوب حيفا الخضيرة حديرا
شمال الضفة الغربية نابلس شخيم
السهل الساحلي الجنوبي عسقلان أشكلون
الساحل الساحلي الجنوبي أسدود أشدود
الساحل الساحلي الأوسط يافا يافو
السهل الداخلي الجنوبي(مقاطعة عسقلان) لاشيش لخيش
منطقة حيفا شفاعمرو شفار عام
وسط الجليل الأسفل الناصرة نتسيريت
وسط غور نهر الأردن بيسان بيت شآن
الساحل الفلسطيني الأوسط قيسارية كيساري

والثاني من أساليب هذه الاستراتيجية هو ما نسميه:التبرير المراوغ من خلال عملية المبادءة بالعدوان الذي يستهدف السكون في كهوف المظلومية الزائفة والالتفاف الأفعواني على مفهوم الحق. ولعل أوضح مثال على ذلك ما تقوم به إسرائيل من غزو وعدوان مستمر على الفلسطينيين ومؤخرا على لبنان، وما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية هنا وهناك من عمليات ضرب وتهديد ومصادرة لحقوق الشعوب في الوقت الذي تباشر فيه آلتها الإعلامية حملة موازية بل وسابقة ولاحقة للعدوان تعمل على تبرير وجه الظلم بأنه دفاع عن القيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسلم الدولي وما هنالك من شعارات زائفة..ليس أقلها اليوم محاربة الإرهاب الذي بات شماعة تعلق عليها قاذورات هجماتها وجحيم حربها الكونية على كل معارض لسياستها الخارجية أفرادا كانوا أو جماعات.إنها حرب على كل العقول الممانعة في زمن الصمت الذي صنعته أمريكا على عينها وبرعايتها وتصميمها.

في إسرائيل اليوم ينادي كثيرون بأن الدولة العبرية لا تريد سوى السلام مع محيطها الإقليمي، ولهذا فهي لا تدخل أي حرب إلا دفاعا عن حقها في الكينونة. وواقع الحال والتاريخ يثبت أن الكيان الصهيوني كيان استعماري بامتياز ، وهو لا يستطيع أن يعيش إلا داخل نسق الحرب على الآخرين وتجريدهم من حقوقهم، فالفـكرة الصهـيونية تبريرية منذ أن قامت وكما عرفـها المفكرون الصهاينةهي([7]):

أ) إقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات كهدف إستراتيجي يتم تنفيذه على مراحل.
ب) تنفيذ هذه الفكرة بالحرب العدوانية التوسعية الاستيطانية وضخ سـكان المنطقـة إلى الخارج بالإرهاب وضخ يهود العالم إلى الدولة بالإكراه.

جـ) عدم وضع دستور بالمعنى التقليدي لدولة الكيان الصهيوني والاكتفاء بمجموعة قوانين أساسية وذلك لتفادي وضع حدود للدولة، تقيد العمل من أجل تحقيق إسرائيل الكبرى .

في منطق التبرير يصير"اغتصاب أرض فلسطين" إعلان استقلال لإسرائيل"، كما يصير الدور القتالي لجيش الاحتلال «دفاعاً مشروعاً عن النفس» وتتحول علامات ورموز كثيرة عن مراجعها التقليدية الأصلية لتعبر عن مضامين جديدة لا تخدم في الأخير إلا المستعمر الصهيوني..

إن الغرب نفسه الذي ينتصب في كل لحظة وحين ليدافع عن إسرائيل ولم يكن يوما منصفا، ليبرر أيضا موقفه هذا بحق الشعب اليهودي في الدفاع عن نفسه، ويوم اختطفت المقاومة في فلسطين ولبنان جنديا أو جنديين هب الغرب الممالئ المناوئ ليطالب بصوت واحد بإطلاق سراح المحتلين الأسرى، وهو الذي لم يحرك ساكنا منذ سنين وأطفال الانتفاضة ورجال المقاومة ونساؤها يعتقلون ويحشرون في معتقلات الدولة العبرية ويعاملون بحسب تقارير المنظمة العالمية لحقوق الانسان المحسوبة على الغرب نفسه أبشع معاملة.

إن الذي ينبغي معرفته وعدم تجاهله هو أن إسرائيل درع غربي ومخلب أمريكي في الشرق العربي، وإسرائيل مشروع غربي يحمي مصالحه في المنطقة، يذكر المؤرخ الإسرائيلي تالمون بأن ما يُسمَّى «الحضارة اليهودية» جزء من التشكيل الحضاري الغربي. وهذا الإحساس بالانتماء للغرب أو للحضارة اليهودية أو للحضارة اليهودية الغربية، يجعل وجود إسرائيل في الشرق الأوسط مسألة عرضية غير مرتبطة بجذورها الحضارية وإنما بوظيفتها القتالية. فجذور المستوطنين الصهاينة تضرب في الغرب (وطنهم الأصلي) وفي الحضارة اليهودية، أما وظيفتهم فهي الدفاع عن الغرب في الشرق. فالمُستوطَن الصهيوني يوجد في الشرق العربي ولكنه ليس منه، شأنه في هذا شأن أية جماعة قتالية استيطانية. وهذا الإحساس يُذكِّر اليهودي بأنه منقـول من مكان لآخر، وأنه ينتمي إلى حضارة أخرى، وأن دولته هي دولة الشتات المشتولة([8]).

والثالث من أساليب هذه الاستراتيجية الماكرة هو عمليات التمرير من خلال بناء شعارات عدائية تستهدف النيل من الخصوم بطريقة تعمل فيها اللغة والصورة والسيناريو عملها النفسي في إحداث حالة من الاحباط الردعي المزمن. حيث اللغة لم تعد وسيلة توصيل بريء لمعلومات قصد الإفادة، بل تحولت من هذه المرتبة الدنيا لتصبح وسيلة من وسائل الهجوم في الحرب النفسية. كما تحولت إلى الواجهة التي تعبر فيها عن الخطط المضمرة والمسكوت عنها في الصراع، والآفاق التي تتوجه إليها الآلة في الحال والاستقبال دون أن ننسى ترابط هذا النوع من التركيبات الاسمية الملغومة
بسياقات تاريخية تتجاوب فيما بينها على أرضية التصحيح الذاتي والانتقام المتناوب.

فمن أجل تبرير الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في فلسطين، عمدت الإمبريالية والصهيونية العالمية إلى توظيف السينما الأمريكية ودعمها بأرصدة غير محددة([9])، لإنتاج أفلام دعائية تصور اليهودي مغلوبا على أمره لا يريد إلا العيش بسلام في أرض الأجداد والمعاد! وإزاء ذلك صورت الإنسان الفلسطيني بأنه ينشر الرعب والإرهاب في المنطقة، وهو الذي اغتصب القدس وسواها بعد أن كانت موطناً آمناً لليهود.

وقد أتقنت السينما الغربية إظهار هذه الكذبة الكبيرة بشكل واقعي وأكثر إقناعا. فبعض الأفلام تظهر بطلاً يكابد ويعاني من أجل عقيدته التي يؤمن بها والتي تظل طوال الفيلم غامضة مبهمة... بل وبمشاهد مأساوية تجعل المشاهد يتعاطف مع هذا البطل، وحيناً تُذرف الدموع لاجله...

وقبل أن ينتهي الفيلم للحظات وحينما يقتل هذا البطل يعرف المشاهد أنه يهودي([10]). وبمثل هذه الأفلام استطاعت السينما الأمريكية دعم الصهيونية العالمية والترويج لها و إقناع البعض للتعاطف معها. حرب لغوية وأيقونية يلعب فيها الحوار المدروس دورا دراميا خطيرا تتحول فيه الذئبان الشرسة إلى حملان وديعة تبعث على الشفقة.
وليست استخدامات اللغة بطريقة ماكرة إضمارية مقتصرة على مجال الفنون والآداب الصهيوينة بل هي صلب الخطاب الاستكباري في جميع منافذه ومجاليه وللتمثيل نأخذ الأمثلة التالية حتى نستبين أن اللغة لا توجد في فراغ كما يقول المسيري ، وإنما داخل أطر إدراكية تجسد صورا مجازية ونماذج معرفية([11]):

المثال الأول(أمطار الصيف): ردا على العملية النوعية لرجال المقاومة الأشاوس والمسماة"الوهم المتبدد" والتي صدعت أسطورة الجيش الذي لا يقهر ولا ينال منه ،وفي أوج حرارة الصيف (25-6-2006) اندفع الجيش الإسرائيلي ينتقم من الشعب الفلسطيني بأكمله ليطلق سراح الجندي الأسير جلعاد شاليت في الوقت الذي يقبع فيه مئات الأسرى في سجون الصهاينة فسمى تلك العملية (أمطار الصيف)، وفي التركيب استعارة بيئية تستبطن مكونا هزئيا في ظاهره السكون وفي باطنه التوتر المتعدي بحيث لا تكون هذه الأمطار(الحملة العدوانية) إلا فجائية في غير إبانها وهذه الأمطار يحتمل أن تكون طوفانية متلفة لا تحمل رحمة ولا نفعا. إنها الأمطار التي تكسر أفق انتظار المنتظرين بعنفها وجبروتها. إن الصورة الاستعارية في (أمطار الصيف) هي صورة ترتبط عضويا في السياق الكوني ببنية عقائدية أسطورية فوقية تتغذى بموروث توراتي يستهدف إثارة الانتباه إلى أن الأمطار عقاب إلهي للعصاة خاصة إذا كانت في فصل غير فصلها وعلى خلاف طبيعتها"أمطرهم الله عذابا".

المثال الثاني(عناقيد الغضب): هو في الأصل عنوان قصة كتبها الروائي الأمريكي ذو الأصول البولونية جون شتاينبك John Steinbeck (1902 – 1968) كتبها عام 1939 فساهمت في إحرازه على جائزة نوبل سنة 1962، وبين القصة والعملية لا تكاد تجد علاقة دلالية تذكر لأن مسار القصة إنساني، في حين أن العملية الإسرائيلية قمة في التوحش، وإذا تأملنا وجدناها استعارة فوق طبيعية تتفجر انزياحا بتأليفها بين مكونين أحدهما ينتمي لمجال الطبيعة النباتية وتحديدا(فاكهة العنب)، والثاني ينتمي لمجال مختلف تمام، هو مجال النفس الإنسانية في أشد حالاتها اضطرابا وتأججا ، تجلت الوحشية الصهيونية بشكل بارز من خلال العدوان الكبير الذي شنّه العدو على لبنان الشقيق في الفترة الواقعة بين 11 و26 أبريل 1996م، والذي أطلق عليه العدو اسم حملة (عناقيد الغضب)، وكان الهدف المعلن لتلك العملية نزع سلاح المقاومة ومنع إطلاق الصواريخ على المستوطنات شمال فلسطين المحتلة والتي كانت تطلقها المقاومة لردع العدو وردّاً على اعتداءاته المتكررة على المدنيين اللبنانيين. في الصورة الاستعارية النارية تحديد لطبيعة العملية العدوانية التي تبتدأ ثم تشتد كما يبتدأ العنقود في شكله المخروطي المتصاعد بحبة لتتوالى الحبات متصلة متراصة متكاثفة حتى تستوي عنقودا إلى عنقود آخر إلى آخر فتكون عناقيد(الغارات). والانزياح يترسخ ويتسع من التأليف الذوقي بين طعمين (الحلو البارد)=(العناقيد) و (المر الساخن) =(الغضب).

المثال الثالث(ثعلب الصحراء): هي صورة استعارية طبيعية تجمع الطبيعة الحية إلى الطبيعة الميتة لتحيل على الفضاء العربي بالتحديد المجالي. (ثعلب الصحراء) صورة تستبطن إدعاء التفوق في السرعة والمعرفة بالمداخل والمخارج، إنه دهاء ثعلب الصحراء في الصيد وخفته في المناورة وقدرته على التكيف مع المجال الحار...الجندي الأمريكي في هذه الاستعارة ليس غريبا عن فضاء الصحراء، والثعلب رمز المكر والروغان. في منتصف ديسمبر 1998 صعدت الولايات المتحدة من الموقف، وهددت بشن هجمات ضد العراق، وسارع رئيس لجنة (اونسكوم) الجديد ريتشارد باتلر إلى سحب المفتشين من العراق، وحتى تلك اللحظة، لم يطلب العراق من المفتشين مغادرة أراضيه.استمر القصف الأميركي لثلاثة أيام وبدأت في الساعة العاشرة من مساء السادس عشر من ديسمبر 1998 ما أسماها الرئيس بيل كلنتون (ثعلب الصحراء)، وصادفت أول أيام شهر رمضان. يعتقد البعض من محللي الخطاب السياسي أن (ثعلب الصحراء) عملية ماكرة جاءت للتغطية على فضيحة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مع كاتبته مونيكا لوينسكي فيما عرف بـ"فضيحة مونيكا". إنه عمل ثعلبي بالفعل في أن يشغل الرأي العام الداخلي بقضية خارجية عن قضاياه الداخلية الأخلاقية، مثلما يموه الثعلب مداخله إلى وكره بتعديد الثقوب والمخارج..

المثال الرابع(النسر النبيل): يذهب الدكتور عبد السلام المسدي إلى أن كثافة حضور الكائنات الحيوانية في أفعال التسمية حين يكون موضوعها الحروبَ والمنازعات وما يصطلح عليه بالعمليات العسكرية تؤكد بجزم أن المقصود بفعل التسمية يخرج عن غرضه الأول البديهي وهو فعل التعيين، إنّنا بحضرة قصد إرادي من الدرجة العليا، وهو الإصرار على توطين المفاهيم المرومة ودفعها إلى أن تقبع في اللاوعي الجماعي عبر الحامل اللغوي، فكأنها عملية تطويق لمحاصرة إرادة المتلقي مهما يكن موقعه أو انتماؤه، ومهما تكن منطلقاته في الحكم على "فعل الحرب([12]) ففي يوم (17 – 9 – 2001) أعلنت الولايات المتحدة عن قرارها بأخذ الثأر مما حل بها فأشهرت – على أفغانستان أولا ثمّ على "الإرهاب" تاليا – حربا وهبتها اسما فقالت هي (النسر النبيل) فإذا بنا – من جديد – على درب استدعاء الكائنات الحيوانية للإشادة بنزعة الإنسان العدوانية. و(النسر) من غير شك متجذر في الثقافة الأمريكية إذ هو رمز الدولة المستكبرة المتعالية تعالي النسر في السماوات، والنسر إن كان من الجوارح ومن طبعه الافتراس والنهش والانقضاض فإن الاستعارة تحوله إلى رمز للنبل محاولة إضفاء نزعة أخلاقية على أفعاله. ومسحة إنسانية رفيعة على سلوكاته. إنها الأسطورة اليهودية الأمريكية التي تعلن أنهم أكثر قربا من الإنسانية والنبل من أي إنسان آخر([13])وهي نفس السياسة الإمبريالية الخبيثة التي تقلب ميزان القيم الطبيعي فتصير الموجودات مفارقة لخصائصها الطبيعية حاملة لقيم مزيفة كاذبة خاطئة.

المثال الخامس(عاصفة الصحراء): هي صورة استعارية طبيعية من صلب المجال الذي وقعت فيه احداثها، فالمنطقة معروفة بالعواصف، والمخاطب بالاستعارة يعرف خطورة العاصفة وقسوتها، هي عاصفة الصحراء أو حرب الخليج الثانية و تسمى أيضا بحرب تحرير الكويت وسميت من قبل الحكومة العراقية باسم استعاري يضرب في التاريخ ليؤسس مفصلية التقابل بين الاستعارات المتضادة إنها "أم المعارك" ، "عاصفة الصحراء" هي الحرب التي وقعت بين العراق وائتلاف دولي من 30 دولة بقيادة الولايات المتحدة وبتشريع من الأمم المتحدة. إنها اللغة التي يفهما المخاطب وإن لم تكن من اللغة الصميمة للمتكلم بالمعنى التداولي. فصانع الاستعارة لجأ لما هو من معتاد مشاهدات المخاطب فركبه تركيبا قاصدا إلى إثارة الرعب في نفوس المتلقين لهذا النوع من الخطاب العدواني.(عاصفة الصحراء) تضعنا أمام ثنائية وجودية ينتصب فيها الإنسان العربي الأعزل في مواجهة سلطة الطبيعة القاهرة التي تبطش به والتي باتت أمريكا وحلفها تتقمصها في رؤية حلولية ومقولات مادية بسيطة إختزالية.

المثال السادس(الحرب العادلة):هي صورة استعارية ملتبسة أشد ما يكون الالتباس لعدم تحققها بالشروط التي وضعها الفقهاء القانونيون الغربيون لصيغتها، (الحرب العادلة) تركيب يرجع في بداياته إلى النقاش الذي دار عقب دخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى حرب الفيتنام بين الفلاسفة العلمانيين والمفكرين المسيحيين، ومعايير هذه الحرب في علاقتها بالحرب غير العادلة، تكون الحرب عادلة حين تكون طلبا لحق وحين تكون القوة آخر حل وحين تكون القوة متناسبة، أما والولايات المتحدة تحارب من أجل فرض هيمنتها على العالم وبسط سلطتها على الدول، وإضعاف كل من سواها فهي حرب قذرة غير عادلة.يقول شارل بيغوي" طوبى لمن ماتوا من أجل الأرض، طالما كان ذلك في حرب عادلة، طوبى لمن ماتوا من أجل مأوى، طوبى لمن ماتوا موتا مهيبا"([14]). من"الحروب المقدسة" إلى "الحروب العادلة" يبين التاريخ أن أمريكا الأكثر استعدادا لادعاء الانتساب إلى قضية سامية ونبيلة هي غالبا المسؤولة عن اقتراف أكثر الجرائم مأساوية. (الحرب العادلة) إن صحت لها قواعد واخلاق تحظر الهجمات العشوائية بالأسلحة المحرمة كما تمنع مقاتلة المسالمين وجر البرآء إلى المعتقلات السرية والعلنية وضرب المراكز المدنية الآمنة.

المثال السابع (عدالة بلا حدود): بعد سياسة الصورة الاستعارية(النسر النبيل)جاء السياسيون الأمريكيون إلى الاسم فأبدلوه بعبارة (العدالة المطلقة) فوقعوا في ما هو أشنع لأنهم – بذلك الاسم – أثاروا النعرة الدينية، وأخرجوا حلفاءهم في أفغانستان ذاتها عراة أمام جماهيرهم وسائر الجماهير الإسلامية حتى المتعاطفة نسبيا معهم. عندئذ أقلع أصحاب التدبير عن إضماراتهم الأولى، وجنحوا إلى فعل في التسمية جديد، فقالوا مساء (20 – 9 – 2001) إنّها (عدالة بلا حدود). كيف تكون سياسة التقتيل المستمر للشعوب المستضعفة عدالة وبلا حدود. لو كان أطلق عليها (جريمة بلا حدود) أو(طغيان بلا حدود)لكان ذلك أوفى وألصق بالتركيب الاستعاري في علاقته بمرجعه الواقعي. وإذا جاز أن هناك إرهابا في العالم فإن مواجهته لا تكون بإرهاب مضاد، بل بالنبش في أسبابه وومقدماته وتصحيح أعطابها بترسيخ حرية الرأي والتشارك والمساواة في الحظوظ الإنسانية على السلم الوجودي المختل بفعل الغطرسة وسياسة الهيمنة على المذخرات والعقول. إن سياسة وعملية"عدالة بلا حدود" تعيد للأذهان الحاجة لمعاودة النظر في قضية الحق والباطل، لأن هذه الصورة الاستعارية تهدف إلى ما يشبه قلب نظام الطبيعة والقيم بإصرارها على تفتيت الآخر وإضعافه وسحقه قبل النظر في حقه في الانجماع والكينونة.

[1] - يراجع للمزيد من المعلومات عن المعرفة المشتركة عمل سبيربر وويلسون:
Mutual knowledge and relevance in theories of comprehension. In Smithe, N.V. ED. Mutual knowledge, new york, Academic press, 16-85.

[2] - طه عبد الرحمن: التكوثر العقلي، بتصرف، 152.

[3] - يراجع: عبدالوهاب المسيري: اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود، دار الشروق، ط1،2002،ص135-136.

[4] - طه عبد الرحمن:الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، المركز الثقافي العربي، ط1، 2002، 184.

[5] - يراجع: إبراهيم عبد الكريم، تهويد الأرض وأسماء المعالم، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001.

[6] - يراجع: إبراهيم عبد الكريم، مرجع سابق.

[7] - المسيري عبد الوهاب: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، 7/5.

[8] - المسيري عبد الوهاب: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، 7/33.

[9] - جدير بالذكر أن السينما الصهيونية لا تنتمي مكانيًا إلى إسرائيل فحسب بل هي متغلغلة في العالم أجمع؛ حيث يمتلك اليهود أكبر الشركات السينمائية العالمية منذ بداية القرن العشرين (مترو جولدن ماير- كولومبيا - وارنر -بارامونت - فوكس للقرن العشرين - يونيفرسال).

[10] - قام جورج ميليه أحد الرواد الأوائل لفن السينما بإخراج فيلم "قضية دريفوس" 1899، وهذا الفيلم يحكي قصة الاضطهاد الذي عانى منه اليهود في أوروبا؛ من خلال موقف صغير يعمد المخرج إلى تهويله حتى يجد المتفرج نفسه أمام قضية إنسانية. ثم توالت الأفلام تباعًا منذ ذلك التاريخ لتكرِّس مبادئ الصهيونية من خلال ستار خفي؛ فظهر عام 1900 فيلم "الماعز تبحث عن الحشائش"، وفي عام 1901: "شمشون ودليلة" و"الابن الضال" وكلها أفلام تحكي قصص العهد القديم بلغة ماكرة.

[11] - عبدالوهاب المسيري: اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود، دار الشروق، ط1،2002،ص 120.

[12] - يراجع: عبد السلام المسدي: فعل التسمية بين العمليات العسكرية ومقاصد السياسة
ضمن موقع المجلة الإلكترونية أفكار:

http://www.afkaronline.org/arabic/articles/mseddi.html

[13] - يراجع:روجي جارودي: الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، ترجمة قسم الترجمة بجريدة الزمن، 1996. ص275.

[14] - الأعمال الشعرية الكاملة، باريس كاليمار، 1941، ص 705.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى