الأحد ١٠ أيار (مايو) ٢٠٢٠
بقلم زياد شليوط

روز شعبان في ديوانها الأول «أحلام السنابل»


أصدرت مؤخرا الشاعرة والمربية، روز يوسف شعبان، ابنة قرية طرعان الجليلية، ديوانها الأول بعنوان "أحلام السنابل"(1)، الذي أهدته لزوجها وأبنائها، وقدمت الشكر لكل من دعمها وساندها في اصدار الديوان، وكتب د. بطرس دلة تقديما للديوان، إضافة الى نبذة تعريفية بالشاعرة في نهاية الديوان. وجاءت قصائد الديوان الـ 51 في 116صفحة خالصة من الحجم المتوسط، أي أن القصائد تتراوح بين صفحة الى 3 صفحات.

لعنوان الديوان وأي كتاب دلالات خاصة بالمؤلف أولا، واذا كان الديوان يحمل اسم قصيدة وردت فيه لا بد وأن يحمل ذلك أكثر من معنى، ومن هنا سأحاول أن أغوص أولا في القصيدة التي حملت اسم الديوان، قصيدة "أحلام السنابل" التي اذا ما قرأتها قراءة عابرة ربما لن تجد فيها ما هو خاص، لكن عندما تعود للقصيدة ثانية وثالثة وأكثر ستكتشف المعاني المختبئة وراء الكلمات. جميعنا يعلم أن السنابل هي بيوت حبوب الحنطة التي تميل من الحمل في نبتة القمح، والقمح هو المصدر الأساس للخبز والخبز هو الطعام الأساسي للإنسان، ومن هنا التدرج في المعنى وجاءت الشاعرة لتحمّل السنابل الأحلام، إضافة الى ما ذكر. وأي أحلام تحملها هذه السنابل ان لم تكن أحلام المحبة الإنسانية وهي أسمى ما يسعى اليه الانسان. اذا تدمج الشاعرة في عنوان الديوان بين الغذاء المادي الضروري للإنسان كي يواصل عيشه، والغذاء الروحاني الذي لا غنى عنه للإنسان في عالمنا، فهو يمنحه السكينة والهدوء وصفاء التفكير، وأضيف أن الشاعرة هي صاحبة الأحلام التي صاغتها وفق رؤيتها في سنابل شعرها وهي قصائد الديوان.

والآن الى مضمون القصيدة (ص 12-14) التي ابتدأت بنظرة سلبية نتيجة تدخل الوقت والحظ في حياة الشاعرة، فالوقت يقتلها ويمزق أحلامها، فيحضر الحظ متحايلا لمشاكستها، وعندما تتحداه الشاعرة يفاجئها " بفيض من أحلام وصور" قديمة، لكنها كانت "ترتل للحب" فيبدأ التحول في القصيدة نحو النظرة الإيجابية، حيث يعود الحظ ليظهر ثانية لكن "أنيقا" و" يصهل مترنما"، كما يعود الوقت " مبتسماً مشرقاً" وهنا تتصالح الشاعرة مع الزمان الذي ينصفها، وبدل الصفحات القديمة تحضر صفحات جديدة في انتظار قادم سيأتي على شكل طيف يمسح الحزن ويزرع الخصب والنمو، وهكذا تختم شاعرتنا القصيدة بنظرة تفاؤلية من خلال النمو الذي ستشهده الأشجار والسنابل:

" علها تحتفي معها
بطيف قادمٍ
يكفكف دمع الأسى
وينثر بذور اللقاح
في أكفّ الشّجر.. وأحلام السّنابل"

مواضيع الديوان تعكس هموم وقضايا الفلسطيني الباقي في وطنه

هناك أكثر من موضوع يشغل بال شاعرتنا روز شعبان، خاصة وأن هذا هو ديوانها الأول، الذي جاء ناضجا حيث لم تسرع في اصدار الديوان فجاء محملا بالقضايا والأحلام، تلك القضايا التي تشغل بال الانسان الفلسطيني الباقي في وطنه، والتي عكستها الشاعرة في قصائدها، ولأنه لا يمكن معالجة كل قصائد الديوان في مراجعة واحدة، فسأكتفي بنماذج منها أراها أساسية في هذه المراجعة.

سؤال الهوية: موضوع الهوية أشغل الباحثين والدارسين، كما أثار اهتمام الناس لمدة طويلة، وما زال يشغلنا كشعب ومجموعة اثنية تعيش في وطنها وليس في دولتها، وأول تعبير للإنسان عن هويته يتمثل في ضمير المتكلم، ولهذا جاءت قصيدة "أنا ما عدت أنا" (ص 20-22)، من بين القصائد الأولى في الديوان، مما يشير الى انشغال الشاعرة بهويتها الشخصية، ونلاحظ أن الشاعرة تعترف بأن هويتها تشوهت، وهذا ما حصل لأبناء شعبنا في الداخل الذين تداخلت عدة مركبات في هويتهم، وهذا الأمر انعكس في تغيير التعريف بين مرحلة وأخرى، فجاء اعتراف الشاعرة صادقا في قولها: " أنا ما عدت أنا/ تشوّهت معالمي".

لكن شاعرتنا تعزو ذلك الى تعاقب الشعوب والقبائل التي سيطرت على وطنها وسلبته الخيرات وزرعت فيه أفكارها الخبيثة (الاستعمار التركي فالانجليزي فالاحتلال الإسرائيلي)، ولهذا "طفت أبحثُ عن ذاتي" في كل المواقع والفصول، لكن ما وجدت ضالتها المنشودة. فالأعداء لم يتركوا لها منفذا:

" تقلبت في ساحتي
نوائب وكروب
هدمت معالمي
دنّست معابدي
هجّرت سنابلي
تركتني وحيدة"

تبقى الشاعرة -وهي تتحدث بلسان الشعب أو تعكس حاله- وحيدة، نتيجة تكاثر الأعداء عليها وعدم قدوم أحد لدعمها، وظننت أن الشاعرة ستنهي القصيدة عند هذه الصورة المعبرة، لكنها تفاجئنا معلنة بعدها بأنها تنتصب نخلة فوق الدروب، ولماذا نخلة بالذات؟ نجد الإجابة لهذا السؤال في قصيدة "صمود وحنين" (ص 76-78) حيث تبدأها الشاعرة أينما أنهت السابقة، فتفتتح قصيدتها هذه بالقول:

" نخلة أنا
من رحم الأرض
تمخّضتُ
ومن شهدِ ترابها
رضعتُ"

اذا فهي نخلة نبتت من رحم الأرض ورضعت من ترابها. وسرعان ما تتحول النخلة الى زيتونة، وهي شجرة مقدسة في بلادنا ولها مكانة رفيعة في موروثنا الشعبي والوطني كما أنها تحمل معان عديدة، ومن ثم تتحول الى سنديانة وهي من الأشجار الحرشية المعروفة في بلادنا كذلك. اذن فالشاعرة هي الأشجار الثلاث التي لها علاقة وارتباط بأرض فلسطين.

" نخلة باسقة أنا
زيتونة عتيقة
سنديانة راسخة
لا أرضخ! لا أنحني!"

تقدم الشاعرة هنا هوية ذاتية وجماعية عمادها الكرامة الشخصية والانتماء للوطن والجذور. فهي لا تبقى مشتتة محتارة في هويتها، بل هي مدركة وعلى وعي لهويتها وانتمائها وهذا ما يجعلنا نطمئن الى وضوح رؤية الشاعرة والرسالة التي تحملها لأبناء شعبها والأجيال القادمة.

النكبة: شكلت النكبة وما جرته من ويلات على شعبنا، جرحا كبيرا في وجدان شعرائنا الذين صوروها في قصائدهم، وخاصة الجانب الإنساني المتمثل في تشتيت الشعب وتشريده في عدة دول شكلت موطن اللجوء، وما جرته من تشرذم في العائلات التي توزعت في مناطق مختلفة وانقطعت العلاقات بين أبناء العائلة الواحدة والأقارب، وهذا ما أجادت تصويره شاعرتنا في قصيدة "حقول الذاكرة" (ص 42-44)

" تقذفهم المراكب إلى صحاري النفس
يتوهون
يخطّون درب الآلام في دموعهم
يحملون أطفالهم على ظهورهم
وبحزن يمضون
يتجرّعون القهرَ مرّا ويستنجدون"

ولأن الذاكرة هي التي تحفظ قصص المأساة، فانها لا تتوقف عند النكبة الفلسطينية بل تنسحب على نكبة العرب في الأندلس:

" تعبق الأنوف بجنة العريف
غرناطة خلف الأسوار
تنوء بأرزاء الخطاة
أسوار الحمراء تعلو في الخريف"

ورغم الحزن والقتلى والدماء، لكن يبقى التفاؤل حاضرا في غناء الحساسين، وتبقى الذاكرة معبرا للنجاة:

" فوقي حساسين صغار تشدو للحب
وأنا!!
على بساط الذاكرة
أبحث عن طوق نجاة"

وتعود الشاعرة روز لتطرق موضوع النكبة في قصيدتها "يا ليل" (ص120-122)، فالليل الذي يناجي حرقة العشاق في قلوب الأمهات اللاتي:

" تنادي بصمت من غاب
من الأحباب والأبناء"

وهذه صورة للذين رحلوا وما عادوا. ويشكل الليل ستارا للأحلام والصور، وتبقى الشاعرة طفلة تطلب الفرح وتصلي لقلوب رحلت دون وداع لأمهاتهم المحترقة قلوبهن اشتياقا:

"رحلت عند المغيب
دون وداع
ودون قبلة.. لثرى الوطن"

القدس: هي قبلة الفلسطينيين، المدينة التي تدور حولها الصراعات وحق الملكية والسيطرة عليها، هي المدينة المقدسة المميزة للديانات السماوية الثلاث وتضم أهم دور العبادة وأقدمها في العالم. القدس هي أيضا قبلة الشعراء والكتاب، لم يبق شاعر الا وتغنى بها، وشاعرتنا لا تتخلف عن هذا الركب وتخصص لها قصيدة بعنوان "زهرة المدائن" (61-63)، الذي يذكرنا بأغنية السيدة فيروز والرحابنة التي انتشرت بعد عدوان حزيران 1967 والذي نجم عنه احتلال القدس الشرقية بمقدساتها. وتتغنى الشاعرة بمدينة القدس ومعالمها وخاصة الإسلامية – المسيحية:

" تعبق في فضاء الأسواق
تخترق الكنائس
والمساجد والآفاق"
وتحكي القدس عن أسمائها وأنبيائها:
" المسيح بنوره
وأحمد في معراجه إلى السماء
صلوات للمحبة والإخاء"

وهنا نلاحظ أن الشاعرة تتحدث عن الديانتين الإسلامية والمسيحية التي ينتمي اليهما أبناء الشعب الفلسطيني والعربي، بينما تتجاهل الديانة اليهودية، باستثناء ذكر عابر للمزامير. وأظن أن منطلق الشاعرة في ذلك جاء من رؤية التعبير عن هموم الشعب العربي الفلسطيني بجناحيه المسلم والمسيحي.

وظيف الرموز في ديوان روز تعبير عن فكرة وموقف

يقول الشاعر والباحث الأدبي د. فهد أبو خضرة عن توظيف الأسطورة أنه جاء " للتعبير عن فكرة يحملها المبدع، أو موقف يصدر عنه، أو تجربة يمرّ بها. ويكون هذا التوظيف جزئيا (في جزء من النص)، أو كليا (في النص كله)" (2). وقد وظفت شاعرتنا روز الأسطورة بشكل كلي في قصيدة "عودي شهرزاد" (ص 96-98). وعندما تناشد الشاعرة شهرزاد للعودة يتهيأ لنا أنها تقصد بذلك العودة لتحرير النساء كما فعلت في القصة المشهورة "ألف ليلة وليلة" خاصة وأن الشاعرة تفتتح القصيدة:

" تعانقني الذّكرى
تتوسد جفنيّ أحلام شهرزاد"

وبعدها تستحضر شخصية "عشتار" الهة الحب والحرب والجمال في حضارة بلاد الرافدين، فتأتي الشاعرة على ذكر دجلة والفرات وكذلك السندباد وكلها لها ارتباط ببلاد الرافدين، وفي نهاية القصيدة تناشد الشاعرة شهرزاد للعودة، لكن تفاجئنا ان المناشدة للعودة ليست لتحرير النساء انما لتحرير المجتمع ككل من "الفتنة" التي تلم به على عكس ما توقعنا في البداية، فتقول:

" تاقت نفوسنا إليكِ
عودي إلينا وخلّصينا
من الفتنة فينا!
واسردي لنا حكاية عشق مثيرة
يخطّها النّورس
في ليلة من لياليك الأثيرة
عودي"

يمكن ان فهم أن الشاعرة تقصد الفتنة التي يعاني منها الوطن العربي منذ سنوات والتي تفتك بشعوبه ودوله دون رحمة، أو الفتنة الداخلية في مجتمعنا العربي والمتمثلة في ظاهرة الاجرام المنظم والقتل، والتي سقط خلالها المئات من أبناء مجتمعنا ومعظمهم من الشباب وقسم كبير من النساء عبثا ودون رحمة.

كما تلجأ الشاعرة الى توظيف الرموز الأسطورية في قصائدها بشكل جزئي، منها دينية ومنها تراثية والتي يضيق المجال لمعالجتها بالتفصيل، واكتفي بذكر أمثلة لها على وجه السرعة.
بوسيدون، اله البحار لدى الاغريق في قصيدة "حقول الذاكرة". الصليب والناقوس في قصيدة "رحلة البراق". العمّاد في الديانة المسيحية "عندما يتعمد بالحبّ البشر". قصة يوسف مع اخوته في قصيدة "ترحال". التراث الشعبي، نشيد "يلا الغيث يا ربي.." في قصيدة "على حافة الانتظار".

أما بعد، أهنيء الأخت الشاعرة روز شعبان بإصدار ديوانها الأول "أحلام السنابل"، وأتمنى أن تتحفنا دائما بشعرها الناضج والراقي والمعبر، وأن نلتقي معها بديوان آخر قريبا.

إشارات:

روز يوسف شعبان- أحلام السنابل، دار الوسط، رام الله، 2020

د. فهد أبو خضرة، الحقيقة والمجاز، مجمع القاسمي للغة العربية وآدابها، باقة الغربية، 2009، ص 138


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى