الاثنين ٢٨ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٢٠
بقلم عصام شرتح

بحث عن وهيب جديد

الفصل الأول:

فاعلية الحس الجمالي في قصائد وهيب عجمي:

1- -فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الرؤيا:

2-فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الصورة

3- فاعلية الحس الجمالي في تشكيل المشاهد الرومانسية

4- فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الموقف العاطفي المؤثر

5- فاعلية الحس الجمالي في تشكيل القصيدة وهندستها جمالياً

إن الشعرية إحساس جمالي فاعل مؤثر في استجرار الدلالات والمعاني الشعرية، وأية قيمة جمالية ترجع إلى فاعلية الحس الجمالي في تشكيلها،ولهذا تختلف الشعرية ومؤثراتها باختلاف التشكيلات اللغوية في تخليقها واستثارتها جمالياً، ولهذا يمكن أن نعرف الحس الجمالي: بأنه الإحساس الجمالي الذي يتولد من جراء تشكيل رؤية أو صورة أو موقفاً شعرياً جديداً في تلقي النص الشعري واستثارته جمالياً، وانطلاقاً من هنا، قد يأتي الحس الجمالي ناتجاً من نواتج التفاعل الصوتي في الأنساق الشعرية؛ وقد يأتي ناتجاً من نواتج الدلالة ومؤثراً من مؤثراتها الجمالية، وقد يأتي قيمة تشكيلية إبداعية خلاقة بالدلالات والمعاني الشعرية،لأن الشعر يستمد من الوجود أو وجود اللاوجود، أو الوجود الماورائي (ظل الوجود)، يقول أرشيبالد، مكليش"الوجود الذي تشتمل عليه القصيدة مستمدٌ من اللاوجود، لا من الشاعر، والموسيقا التي تحتويها لا تنبثق عنا، نحن الذين نصنع القصيدة، بل عن الصمت، وتنطلق جواباً لقرعنا"(1).

أي تنبثق عن فاعلية الحس الجمالي في تكوين رؤيتنا النصية، فالشاعر يكتب القصيدة بأسلوب جمالي يحايث الوجود الماورائي أو وجود اللاوجود، والقارئ يتلقى النص جمالياً، تبعاً لمثيرات تشكيلية قمة في الاستثارة والفاعلية واللذة الجمالية في تشكيل الجملة واستثارة رؤيتها النصية.

والواقع ان فاعلية الحس الجمالي التشكيلي أو الإبداعي تختلف من شاعر إلى شاعر، تبعاً لفاعلية الرؤيا الجمالية، وفاعلية تشكيلها، والشاعر المبدع هو الذي يشكل القصيدة بجمالية وإحساس إبداعي خلاق بالمثيرات والتشكيلات النصية، وبمقدار براعة الشاعر في إنتاج الدلالات الجديدة تحقق القصيدة قيمتها الإيحائية وفاعلية تشكيلها، وهذا يقتضي أن تكون الرؤيا الجمالية خلاقة في فواعلها ومؤثراتها الجمالية تبعاً لمحفزات نصية قمة في الاستثارة واللذة في تلقي النص الشعري.

1- -فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الرؤيا:

الرؤيا الشعرية هي الأفق التأملي في المستقبل، وهي استشراف المستقبل، وإنتاج الرؤى التأملية التي تخلق درجات من الاستثارة، والفاعلية الجمالية، ولهذا فالشاعر المؤثر هو الذي يستحث الرؤى الجمالية ويخلق الدلالات المؤثرة، عبر لغة الشعر، وهذا يعني أن فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الرؤيا ترتبط بالخبرة الجمالية ومثيرات التشكيل الشعري،فقد أعلن رامبو أنّ الشاعر الملعون (بودلير) هو"الرائي الأوّل الذي نظر إلى الشعر على أنّه مغامرة في عمق المجهول وربَط الرؤيا بالنبوءة". ومن عناصر تعريف قصيدة النثر عند أنسي الحاج على سبيل المثال أنّها"عمل شاعر ملعون"في جسده ووجدانه أي هي (نتاج ملاعين).عموما فإنّ القصيدة- الرؤيا من منظور التيّار الحداثيّ ترفض الشعر المنبريّ وتدعو في المقابل إلى الخلق والموضوعيّة والتلقائيّة والعفويّة وتعدّد الأصوات وتعدّد الأبعاد والمناخ الدراميّ و"شموليّة التجربة المعاناة"وتتّسم بالبعد الشخصانيّ، فإذا كان الشاعر"شخصانيّا"حينذاك"يتغوّر الكون في روحه ويصبح عَبره لوحة إنسانيّة مثقلة بالمداليل الإنسانيّة(2).

والملاحظ أن الشعرية قيمة جمالية في خلق التفاعل الجمالي بين الأنساق الشعرية التي تحقق قيمتها وخلقها الجمالي من خلال فاعلية الرؤيا الجمالية، كما في قوله:

قومي إليَّ وعانقي مشتاقتا
يسعى إليكِ متيماً توَّاقا
من قلبهِ سكبَ الحروفَ لوردةٍ
فغدا القصيدُ كثغرها براقا
والكوكبانِ تألقا في صدرها
وتعادلا فتقاسما الترياقا
من قدها الممشوقِ كلُّ نخيلةٍ
أخذت مداها والجنى والساقا
وتمايل السعفُ الرصينُ كشعرها
يهوي على أعطافها رقراقا"(2).

هنا، نلحظ التفاعل النصي في تحقيق الرؤيا الجمالية التي تثير المتلقي، وهذا يجعلنا نتحثث القيم الجمالية التي تباغت القارئ، من خلال فاعلية الصورة التأسيسية الشعرية التي ترفع الاستثارة الشعرية لتحقق قيمتها الجمالية، كما في التشكيلات اللغوية الآسرة، كما في الأنساق التشكيلية:[ الكوكبان تألقا في صدرها = من قدها الممشوق كل نخيلةٍ- وتمايل السعفُ الرصينُ كشعرها]،والملاحظ أن فاعلية الرؤيا الشعرية تزداد استثارة وفاعلية كلما تغورنا آفاق الرؤية الشعرية الغزلية واستثارة القيم الجمالية المثيرة.

والواقع أن فاعلية الرؤيا الشعرية تزداد استثارة وفاعلية نصية في قصائد العجمي كلما تغورنا آفاقها الغزلية ورؤاها الصوفية العميقة التي تجعل الأنثى رمز التجلي الأسمى، كما في قوله:

"في بحري اغتسلي ليغدو ملحُهُ
عسلَ الشفاهِ لايقبلُ التأويلا
خمرُ الدوالي ما أطاحَ بصحوتي
لكنَ كأسَكِ يرفعُ المفعولا
طرَّزتُ حرفي بالبلاغة متقناً
ألبستُهُ لحبيبتي منديلا
شمسُ المحاسنِ في جبينكِ أشرقتْ
وأحبُّ فيكِ قوامكِ المصقولا"(4).

هنا، يثيرنا العجمي بالصور الجمالية التي تبرز التجليات النصية قمة في الاستثارة والفاعلية النصية، التي تباغت القارئ من خلال حراك الصور الرومانسية الخلاقة التالية:[ ليغدو ملحُهُ عسلَ الشفاهِ لايقبلُ التأويلا- شمس المحاسن في جبينك أشرقت- أحب فيك قوامك المصقولا]، وهذا دليل أن فاعلية الصورة تستهوي القارئ الجمالي، وتثير اللذة الجمالية في تلقيه وخلقه الجمالي المؤثر، فكل صورة من الصور الشعرية السابقة تبرز رمزاً من رموز التجليات الجمالية.

واللافت أن بلاغة الرؤيا الشعرية – في قصائد العجمي- تتأتى من فاعلية الصور وتناغمها وانسجامها على المستوى الجزئي، وصولاً إلى المستوى النصي الكلي، كما في قصيدته (شقراء) التي يقول فيها:

"سكنت في نبضاتِ القلبِ والمُقلِ
فكان عيدُكِ ألحاناً على الجمل
عيناكِ موجٌ على شطآن ذاكرتي
ووجهكِ الفجرُ"تكتاكٌ"به حجلي
قامتْ حروفي على أنغامهِ رقصتْ
وأقبلَ الشعرُ يشدو همسةَ الأملِ
لا الحورُ تشبهها كلاَّ ولا قمرٌ
لأنها السحرُ فوقَ السهلِ والجبلِ
شقراءُ في عيدها كأس الهوى انسكبتْ
يحلو القصيدُ بها في دوحةِ الغزل"(5).

إن القارئ يتفاعل جمالياً مع بلاغة الصور الشعرية وتفاعل مؤثراتها ومغرياتها النصية، إذ إن كل صورة تخلق إيقاعها الجمالي من خلال الحنكة في الانتقال من صورة جمالية إلى أخرى، كما في التنقلات الجمالية المثيرة على مستوى الصور التالية:[ عيناك موجٌ على شطآن ذاكرتي- كان عيدك ألحاناً على الجمل- شقراء في عيدها كأس الهوى انسكبت- يحلو القصيد بها في دوحة الغزل]، إن كل صورة من تلك الصور المثيرة التي تخلق إيقاعها الجمالي المثير، وكأن الجملة الشعرية تقتضي الجملة الشعرية الأخرى،والصورة تحقق تفاعلها الجمالي الآسر.

وصفوة القول: إن بلاغة الصورة ترتقي جمالها الفني -في قصائد العجمي- من خلال مثيرات التشكيل النصي، محققاً إيقاعات جمالية غاية في الاستثارة والحنكة والاستثارة الجمالية التي تباغت القارئ،وتحقق قيمتها الجمالية التي تثيرها في النص الشعري.

2-فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الصورة:

الشعر فن الجمال، وفن التعبير الجمالي بالقول والإيقاع والفكرة والرؤيا، ولايمكن أن تتحقق جمالية الشعر، بمعزل عن جمالية الفكر، وجمالية الحس اللغوي في تجسيد الرؤيا وتشكيل الصورة، يقول العجمي:"الصورة رحم الشعر، هي جوهره، ولا شعر دون جمالية الصورة الواقعية المتحركة التي تحرك القارئ كما تحرك دلالات القصيدة وتعزز إيقاعها"(6).

والواقع أن فاعلية الحس الجمالي تتأتى في قصائد العجمي من حياكتها النصية، وبلاغة ما تثيره في النفس من رؤى ودلالات مفتوحة، وصور متحركة تفيض بإيقاعاتها ورؤاها النصية، فهي قصائد تزدهي بإيقاعاتها ورؤاها ومداليلها الفكرية، كما في إيقاع قصائده المتحركة بدلالات نصية مفتوحة على شاكلة الصور الفنية في قصيدته(لقاؤك جنتي) التي يقول فيها ما يلي:

"بمبسمكِ الحلاوةُ لا تُضاهى
وطيبٌ في شفاهكَ لا يُعارُ
بها عسلٌ بشهدٍ مخمليِّ
لذيذُ الطعم تحسدُهُ الثمارُ
أصبت بلحظكِ الشافي جريحاً
وأضناني بملهمتي الحصارُ
أحبك كالنجومِ تضيء ليلي
وكالريحِ الغضوبِ متى تُثارُ"(7).

لابد من الإشارة إلى أن فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الصورة الشعرية- في قصائد العجمي- من محفزاتها الجمالية النسقية الخلاقة، إذ إن الصورة تباغت القارئ باستثارتها الجمالية، ففي قوله"بمبسمكِ الحلاوةُ لاتُضاهى- أصبت بلحظك الشافي جريحاً- أحبك كالنجوم تضيء ليلي-وكالريح الغضوب متى تثار]، فهاهنا الصورة تبرز بإيقاعها الجمالي التصويري، التي تزيد درجة الحساسية الجمالية في تشكيل الصورة الدهشة التي تبرز إيقاعات الصور الخلاقة التي تشي بإيقاعها الجمالي المثير.
والملاحظ أن فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الصورة من مثيرات الصورة الخلاقة التي تجعل النص قمة في الفاعلية والدهشة الإسنادية على شاكلة قوله في قصيدته (دعيني في هواك) التي نقتطف منها الأبيات التالية:

"لغيركِ ما فرشتُ الأرضَ زهراً
وما ضمختُ بالعطرِ القوافي
وما لمعت بأوراقي المعاني
وما احلولت عناقيدُ القطافِ
وما نبتت عشيباتُ المراعي
وعانى الحقلُ من قهرِ الجفافِ
فأنت حبيبتي في كلِّ يومٍ
وعينُ بلاغتي هذا اعترافي
وما ذنبي إذا داويتُ جرحي
بجمرٍ من عذاب الحبِّ شافِ"(8).

هنا، تبرز الصور الشعرية الرومانسية التي تبرز الدلالات الشعرية بإيقاعها التصويري الآسر، وحراك البنى التصويرية المراوغة، وهذا دليل أن الفكر الجمالي المثير يجعل النص كتلة تفاعلية من الصور الرومانسية الحافلة بالمتغيرات والمثيرات الجمالية، وهذا ما تبرزه الدلالات والرؤى الشعرية، كما في قوله:[ما لمعت بأوراقي المعاني- وما احلولت عناقيدُ القطاف- وعانى الحقل من قهر الجفاف]،وهذا دليل أن الشعرية – في قصائد العجمي – شعرية متحولات واستثارة تصويرية غاية في الاستثارة واللذة الجمالية.

واللافت أن مثيرات الصورة الشعرية في قصائد العجمي تتأسس على بلاغة الحس الجمالي التشكيلي في خلق الصورة المؤثرة التي تخفي بلاغة ولذة تصويرية على شاكلة قوله في قصيدته (عصفورة القلب):

"يامن بلغتِ من الجمال فصولا
وسهَّدت في أدبِ الغرامِ حقولا
هيا اغرسي عشقاً بقلبِ قصيدتي
فالشعرُ يغدو بالعشيقِ جميلا
تُمسي الحروف كواكباً بل أنجماً
وتعيشُ في كبدِ السماء طويلا
فوحي بعطركِ في الصباحِ تالقي
وتلبسي نجمَ الضحى إكليلا
عصفورُ قلبي تائهٌ في عشه
والغصنُ يشكو في الفلاةِ ذبولا"(9).

إن بلاغة الصورة تتأسس في قصائد العجمي على بلاغة الرؤيا الغزلية الرومانسية التي تجعلها قمة في الاستثارة واللذة الجمالية، فهاهنا نلحظ أن كل صورة تشكل قيمة جمالية في تحفيزها واستثارتها جمالياً، كما في الصور الشعرية التالية:[ هيا اغرسي عشقاً بقلب قصيدتي= عصفور قلبي تائه في عشه- والغصن يشكو في الفلاة ذبولاً]؛وهاهنا، استطاع أن يحقق أكبر لذة جمالية في تحريك إيقاعات الصورة الغزلية التي تكشف عن حنكة جمالية في الانتقال من صورة رومانسية مثيرة إلى صورة رومانسية أخرى, وصفوة القول:إن فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الصورة من مغريات قصائد العجمي التي تتأتى من فاعلية الانتقال من صورة إلى صورة، ومن رؤيا تشكيلية إلى رؤية تشكيلية أخرى، مما يجعل قصائده قمة في الفاعلية والاستثارة واللذة الجمالية في التشكيل.

3- فاعلية الحس الجمالي في تشكيل المشاهد الرومانسية

إن الشعر لايزدهي بألقه الجمالي إلا ضمن الرومانسية وحقلها الجمالي المثير،ولايمكن أن يرتقي الشعر دون فاعلية الحس الجمالي في تشكيل المشاهد الرومانسية، وتفعيل أبعادها الجمالية، يقول العجمي:"الشعر الذي يفيض بالرومانسية هو الشعر العاطفي الأرقى في مجال التصوير وكشف فيض الجماليات"(10)لأن الرومانسية في قصائده كانت المفجر للشعرية في أقصى تجلياتها وخصوصيتها الإبداعية، لاسيما لو تأمل القارئ قصائد ديوانه (وردة العشق)وديوانه (فتاة الضوء)لأدرك أن المشاهد الغزلية الرومانسية تشكل منعطفاً مهماً في استثارة شعريته من الجذور، فهاهو في قصيدته (النجمة الخضراء) يطالعنا برؤية جمالية تدلل على فاعلية الحس الجمالي في تشكيل المشاهد الرومانسية الحالمة التي تتطلب الكثير من الرؤى لكشف مغرياتها الجمالية، كما في قوله:

"صباحُكِ وردةُ العشقِ الجميل
وعينُ الحبِّ في شمسِ الأصيلِ
وأشعارٌ تُفتشُ عن رموشٍ
لتسكن رقَّة الرمشِ الكحيل
وإشعاعٌ تسلل في عيونٍ
ليكشفَ سرَّ حسنٍ مستحيل
وأنوارٌ تلاقتْ في جبينٍ
تُعانقً قمة العشقِ الجليل"(11).

لابد من الإشارة بداية إلى أن فاعلية الحس الجمالي في تشكيل المشاهد الرومانسية – في قصائد العجمي- تتأتى من فاعلية التشكيلات اللغوية الرومانسية التي تحرك الإحساس الجمالي عن المتلقي، لأن شعرية المشاهد الرومانسية تتحدد بمدى الأثر الجمالي الذي شكله المشهد الرومانسي وأثار الشعرية،كما في الأنساق التشكيلية الرومانسية التالية:[ صباحك وردة العشق الجميل- لتسكن رقة الرمش الكحيل-وأنوار تلاقت في جبين- تعانق قمة العشق الجليل]؛ فهذه الأنساق التشكيلية ترفع وتيرة الاستثارة الجمالية في الأنساق الرومانسية التي تثيرها الأبيات السابقة لتجعلها قمة في الاستثارة واللذة الجمالية.

والواقع أن فاعلية الحس الجمالي في تشكيل المشاهد الرومانسية في قصائد العجمي تتأتى من بلاغة الأنساق التشكيلية الرومانسية التي تبث ألقها الجمالي الشاعري الجميل، كما في قوله من قصيدة (دموع العناقيد):

""كم يصرخُ الليلُ في عمقِ السما وجعاً
ليولدَ النجمُ في أقصى أقاصيه
وأجملُ الحبِّ حبٌّ غابَ عن جسدٍ
يُفتشُ الشوقُ عنهُ لا يُدانيهِ
أشجى البلابلُ من غابت حبيبتُهُ
وراحَ يشدو لظاها في أغانيهِ
يا شاطئ التيه لا تترك مراكبنا
في مرفأٍ حُطِّمتْ فيه أمانيه"(12).

إن القارئ هنا يتلذذ بالتشكيلات الرومانسية الشفيفة التي تترك القارئ يسبح في بحر من التأملات النصية التي تحقق قيمتها الاستعلائية النصية، فكل نسق شعري يحرك المخيلة الشعرية التي تبث ألقها الشاعري المؤثر، كما في قوله:[ أشجى البلابلُ من غابت حبيبتُهُ وراحَ يشدو لظاها في أغانيهِ]، فهذه الصور الرومانسية التي تخلق إيقاعها الجمالي التي تحفز القارئ مما يجعلها قمة في الاستثارة واللذة الجمالية وهذا يدلنا على أن الشعرية تحقق قيمتها الفنية، من خلال التشكيلات الرومانسية الحافلة، وهذا يحقق للقصيدة تحولاتها النصية المباغتة التي تستثير اللذة الجمالية، وتحقق إيقاعها العذب.

والمثير حقاً أن تحولات الأنساق الشعرية في قصائد العجمي تتأتى بلاغتها من فاعلية المشاهد الرومانسية الحالمة التي تبث إيقاعها الجمالي بإحساس جمالي، كما في قوله في قصيدته (شرفة) التي يقول فيها:

"دعي لهبَ اشتياقي في هبوبٍ
مع الأرياحِ يشعلُها جنوني
وشديني بعشقٍ سرمديٍّ
ولفيني حناناً ذوبيني
تخطى حُسنُكِ الأفلاكَ حسناً
بوجهكِ شاهدتْ دُنياي عيني"(13).

إن القارئ هنا يتلذذ بإيقاعات التشكيل اللغوي، مما يجعلها قمة في المباغتة والاستثارة الجمالية، وهذا يجعل الأنساق الشعرية ذات تشكيلات لغوية استثارية غاية في الاستثارة واللذة الجمالية، كما في الأنساق التشكيلية التالية:[ دعي لهب اشتياقي في هبوب/ شديني بعشق سرمدي- لفيني حناناً ذوبيني- تخطى حسنك الأفلاك حسنا]،وهذا يدلنا على أن الشعرية شعرية تشكيلات نسقية مباغتة تترك أثرها التشكيلي في نفس القارئ لتحقق استثارتها ومثيرها النصي.

وصفوة القول: إن فاعلية الحس الجمالي في تشكيل المشاهد الرومانسية في قصائد العجمي، تتأتى من بلاغة التشكيلات النصية التي تحقق إيقاعها الجمالي، مما يجعلها ذات استثارة فاعلية في الناتج الجمالي الذي يعزز مثيرات النسق الشعري وتحفيزه النصي.

4- فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الموقف العاطفي المؤثر

لاشك في فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الموقف العاطفي المؤثر، تتأتى من مثيرات الأنساق التشكيلية المراوغة، ولهذا تتحدد فاعلية النسق الشعري من خلال لعبة الاستثارة الشعرية التي تفعِّل النسق الجمالي، وهذا ما يجعلها قمة في الاستثارة والفاعلية،"فما تقوله القصيدة هو دائماً أمر خاص، ليس فكرة، وإنما حالة من الشعور موجودة على شكل لغة وإيحاء لغوي تتدفق وتتلوى مع تعرجات القصيدة. ونحن لايمكننا الاختلاف مع أية قصيدة؛ بل إن كل ما نستطيع فعله أن نلاحظ حالات من الإدراك في القصيدة ترينا الجانب الخفي من حياتنا التي نحياها"(14).

وهذا يعني أن فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الموقف العاطفي المؤثر في قصائد العجمي، يتحدد ببلاغة الأنساق التشكيلية التي تحقق اللذة الجمالية في النسق الشعري، وهذا ما يمكن أن نلحظه في قصائد العجمي الغزلية، كما في قوله من قصيدة (عصفورة القلب):

"هيا إلى بحري تعالي موجة ً
وتعمَّدي للسابحينَ وصولا
إني اعتنقتُ الحبَّ في مهدي وقد
أصبحتُ للحبِّ الكبير رسولا
عيناكِ آياتُ الجمالِ وإنها
من ربنا قد أُنزلتْ تنزيلا
أيقنتُ أنكِ في الحياةِ منارتي
لما أضاءتْ بصدري القنديلا
أحسستُ قلبي للحبيبة دوحة ً
غرستُ بها فوقَ الوريد نخيلا"(15).

إن القارئ هنا يتلذذ بمثيرات الرؤيا الشعرية التي تحقق إيقاعها اللغوي المثير، من خلال التشكيلات اللغوية المثيرة (عيناك آيات الجمال- لما أضاءت بصدري القنديلا- غرست بها فوق الوريد نخيلا)، فالقارئ هنا يتلذذ بالصور الرومانسية المثيرة التي تحرك النسق الشعري، وهذا يجعل النسق الشعري قمة في المباغتة والاستثارة الجمالية.
والمثير أن فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الموقف العاطفي المؤثر تتحدد من خلال فاعلية الأنساق الشعرية الرومانسية التي تثيرها قصائد العجمي على المستوى المشهدي،كما في قوله:

""على شفتيكِ ورداتٌ
تغاوتْ تبسمَ ثغرهاَ عطراً وفُلاَّ
وإنكِ في سماءِ الحسنِ بدرٌ
على شرفاتنا الخضراء هلاَّ
ربيعُكِ ما تخلى عن جناني
لنبقى في الهوى رُطباً ونخلا

وإني في هواكِ سكبتُ حرفي فسال بأضلُعي الشعرُ المُحلَّى"(16).

إن القارئ هنا يلحظ بلاغة الموقف العاطفي المؤثر، وهذا يعني أن المتحول الجمالي يشكل علامة أيقونية في تحريك الأحداث وإلهاب مشاعرها النصية، كما في الأنساق الشعرية التالية:[ على شفتيك ورداتٌ تغاوت- ربيعك ما تخلى عن جناني= وإني في هواكِ سكبتُ حرفي]،واللافت أن التشكيلات اللغوية السابقة تبعث اللذة الجمالية في الأنساق التشكيلية التي تحقق الفاعلية الجمالية في تحريك الأحداث الشعرية واستتثارة أعماقها النصية.

والمثير حقاً أن فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الموقف العاطفي المؤثر، في قصائد العجمي – متنوع تبعاً لمثيرات الرؤيا النصية التي تحققها على المستوى الفني، كما في قوله:

على جبينكِ نجمُ الحسنِ منفردُ
وفي شفاهكِ جمرُ الشوقِ متقدُ
عيناكِ عصفورتا غنجٍ عشيقهما
فصلُ الربيعِ وفيهِ اللوزُ منعقدُ
وقدُّكِ الأهيفُ المصقولُ من شُهبٍ
لهُ ملائكة ُ العشاقِ قد سجدوا
دوَّنتُ في عالمِ الحسناء أغنيتي
والحبُّ أنتِ ونبضُ القلبِ والمددُ
غوصي بقلبي كما الشريانُ في رئتي
وقد حماكِ جنودُ الحبِّ والكبدُ"(17).

لابد من الإشارة بداية إلى أن اللعبة التشكيلية المحفزة- في قصائد العجمي- لعبة إسنادية تحرك المشهد الشعري المؤثر، وهذا يعني أن بلاغة الأنساق الشعرية تحفيزية غاية في المباغتة والاستثارة الجمالية،وهذا يجعل الشعرية قمة في الاستثارة واللذة الجمالية، كما في قوله:[ على جبينك نجم الحسن منفرد- في شفاهك جمر الشوق متقد- قدك الأهيف المصقول من شهب- وفي شفاهك جمر الشوق متقد]، واللافت أن كل نسق جمالي تأسيسي مؤثر يجعل النسق الشعري الآخر الذي يشابك معه بعملية الجوار ذات قيمة تأثيرية، وهذا يقودنا للقول: ليس من شأن الشاعر أن يجعل كل أنساق قصيدته تشكيلات مراوغة ومزرعة صور حتى يكون شاعراً جمالياً بامتياز، فالشاعر يتلاعب فنياً بصورة واحدة قادرة على إثارة القارئ،وتحفيز الشعرية من الصميم.

ومن تأمل قصائد العجمي يلحظ تراكم الصور الشعرية في قصائده بكثافة عالية، وهذا دليل ولع العجمي بالصورة ومثيرات الصورة ليحقق الجمالية واللذة التشكيلية في نصوصه الشعري، وهذا دليل أن الشاعر يصنع الصورة المؤثرة والموقف العاطفي الجمالي الذي يجعل الصورة قمة في الاستثارة والحنكة الجمالية.

وصفوة القول:إن اللعبة الشعرية في قصائد العجمي لعبة فواعل نصية واستثارة مباغتة للأنساق الشعرية المتحركة بإيقاعاتها التشكيلية كافة، وهذا دليل خصوبة الشعرية في قصائد العجمي، وغناها بالمحفزات الجمالية كإيقاعات تشكيلية قمة في الاستثارة واللذة التشكيلية.

5- فاعلية الحس الجمالي في تشكيل القصيدة وهندستها جمالياً:

لاشك في أن فاعلية الحس الجمالي التشكيلي وهندستها جمالياً، من محفزات النص الشعري – عند العجمي- التي تتنوع مثيراتها التشكيلية من قصيدة لقصيدة، وما نقصده ب (بفاعلية الحس الجمالي في تشكيل القصيدة وهندستها جمالياً):تشكيل القصيدة في بناها ورؤاها الشعرية لتحقق إيقاعها الجمالي؛ وهذا ماجعل الشعرية قيمة جمالية في التحفيز النصي البليغ.

والمثير حقاً في قصائد العجمي أن تشكيل القصيدة عند العجمي تعتمد فاعلية الصورة المتحركة وهندستها جمالياَ، كما في قصيدته (الصوت الدافئ) التي يقول فيها مايلي:

"صوتُكِ الدافئ والشعرُ سواءْ
فاعزفي اللحنَ بأنفاسِ الحداءْ
ثغركِ الخمريُّ غنى صبحُهُ
فانتشى الشعرُ بأحضانٍ الغناء
شفتاكِ الوردُ كونٌ ساحرٌ
يهبُ الحبَّ جنوناً وارتقاء
غابتِ النجمةُ لما نهدتْ
قبلة الفجر على ثغرِ الحياء
كلما أودعتُ قلبي قبلة
صارتِ الأرضُ حياتي والسماء
ما لنجم مثل عينيك وما
لثريا مثل نهديك بهاء"(18).

لابد من الإشارة بداية إلى أن فاعلية الحس الجمالي في تشكيل القصيدة وهندستها جمالياً في قصائد العجمي تتأتى من حراك البنى الشعرية واستثارة أعماقها النصية،وهذا دليل فاعلية الصورة الشعرية المؤثرة التي تستجلي أعماقها النصية، كما في الأنساق النصية:[ ثغرك الخمري غنى صبحه- شفتاك الورد كون ساحر- مالنجم مثل عينيك وما لثريا مثل نهديك بهاء]،وهذا يثير اللذة الجمالية في تلقي النص الشاعري المثير، ومن هنا يمكن القول: إن شعرية القصيدة تتحدد من خلال مثيرات الرؤيا النصية التي تباغت القارئ، وتثير اللذة الجمالية في النسق الشعري الخلاق.

والملاحظ أن مثيرات الرؤيا النصية في قصائد العجمي مثيرات تشكيلية تؤكد مهارة العجمي في الانتقال من صورة إلى صورة،وكأن القصيدة مهندسة بإيقاعاتها النصية التشكيلية الخلاقة، فالبيت يتآلف مع البيت الشعري الآخر، محققاً لحمة جمالية على شاكلة قوله:

"ويدهشني بأنكِ لستِ قربي
وقربي أنتِ ما غادرتِ ظلا
سكنتِ بمهجتي أصلاً وفصلا
كأنكِ أنتِ عينُ الحبِّ أصلا
وإنكِ في حياتي كرمُ خيرٍ
به العنقودُ بدراً قد تدلى"(19).

هنا، نلحظ فاعلية الأبيات الشعرية، وهندستها جمالياً لتحقق قيمتها النصية الفاعلة كما في الأنساق الشعرية التالية:[ويدهشني بأنك لست قربي وقربي أنت ما غادرت ظلا]، فهذا النسق التشكيلي يستثير الرؤيا النصية التي تباغت القارئ، وتحقق فاعلية جمالية في الاستثارة النصية:[ سكنت بمهجتي أصلاً وفصلا // كأنك أنت عينُ الحب أصلا]، فالقارئ يتلذذ بالأبيات ومستوى انسجامها وتفاعلها النصي، وهكذا يثيرنا العجمي بإيقاعات قصائده الترسيمية المهندسة بإيحاء وجمالية واستثارة نصية مثيرة.

وصفوة القول إن فاعلية الحس الجمالي في تشكيل القصيدة وهندستها جمالياً في قصائد العجمي يهبها قيمة جمالية في استثارة الصور والمشاهد الشعرية، وبمقدار فاعلية الأنساق التشكيلية المثيرة التي تثيرها القصيدة ترقى درجات من الفاعلية والاستثارة والتأثير.

نتائج أخيرة:

1-إن فاعلية الحس الجمالي التشكيلي- في قصائد العجمي- تتأسس على بلاغة الانزياحات والتشكيلات النصية المراوغة،وهذا يجعل النص قمة في الفاعلية والاستثارة والحنكة الجمالية، لدرجة أن كل بيت من أبيات قصائده يشكل لحمة متكاملة مع البيت الآخر،وهذا ما يجعل القصيدة قمة في الفاعلية والإيحاء واللذة الجمالية في تلقيها.

2- إن فاعلية الحس الجمالي في تشكيل الصورة في قصائد العجمي يعتمد على حنكة الشاعر التوليفية في الربط بين الأنساق الشعرية لتحقق إيقاعها الجمالي، وهذا يجعل الأنساق الشعرية فيي قصائد العجمي قمة في التآلف والانسجام والتناغم التصويري على مستوى الأنساق الشعرية ومؤثراتها النصية الخلاقة.

3- إن فاعلية الحس الجمالي في إثارة المشاهد الرومانسية في قصائد العجمي تتأتى من حراك الصور الرومانسية وفاعلية الرؤى الشعرية المحفزة للنص الشعري، وهذا يجعل النص الشعري كتلة متفاعلة من الرؤى والدلالات النصية المثيرة.

4-إن درجة شعرية الأنساق الشعرية في قصائد العجمي تتأتى من حراك الرؤى الشعرية وتفاعل الأنساق الشعرية التي تجعل النص الشعري قمة في الفاعلية واللذة والإيحاء. وهذا دليل خصوبة الرؤى الشعرية واستثارتها النسقية.

الحواشي:

(1) مكليش،أرشيبالد،1963- الشعر والتجربة، تر: سلمى الخضراء الجيوسي، مرا: توفيق صايغ، دار اليقظة العربية ومؤسسة فرانكلين، بيروت،ص17-18.
(2)بنزيد،سيف الدين-2014- الرؤيا الشعرية من منظور جماعة شعر، جريدة النهار، الموقع الالكتروني:
newspaper.annahar.com
(3)عجمي،وهيب،2018- وردة العشق، ص102.
(4) المصدر نفسه، ص36-37.
(5)المصدر نفسه،ص103.
(6) شرتح،عصام،2020- حوار مع وهيب عجمي، الفيس بوك.
(7)عجمي،وهيب،2018- وردة العشق،،ص22-23.
(8) المصدر نفسه، ص52-53.
(9) المصدر نفسه،ص32.
(10)شرتح،عصام،2020- حوار مع وهيب عجمي، الفيس بوك
(11) عجمي،وهيب،2018- وردة العشق ص42.
(12) المصدر نفسه،ص30-31.
(13) المصدر نفسه،ص24.
(14) روزنتال،م.ل1983- الشعر والحياة العامة، ص200.
(15) المصدر نفسه،ص34-35.
(16)المصدر نفسه،ص57.
(17) المصدر نفسه،ص61-62.
(18) المصدر نفسه،ص11.
(19) المصدر نفسه،ص48.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى