الأربعاء ١٠ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٨
بقلم إبراهيم ياسين

ترقية ملونة

دخل الصرصار الكبير قاعة المحاضرات بهندامه الأنيق وربطة عنقه التي استوردها من بلد أجنبي، رفع نظارتيه فوق جبهته، أعادها إلى موضعها على عينيه... ألقى ببصره بعيدا... في القاعة كل أنواع الكائنات الصغيرة والكبيرة... الصراصير والبراغيث والنمل... تنحنح الصرصار ذو الشهامة، لم يلتفت إليه أحد، صرخ بأعلى صوته... محاضرتنا اليوم حول موضوع: فلسفة الصرصارية، أو بلاغة أن تكون صرصارا... تنحنح مرة أخرى... ضرب بيده عدة ضربات على المنصة... الانتباه أمر ضروري... رفع الحاضرون من الصراصير والبراغيث والنمل... رؤوسهم عاليا... فاستعد للحديث، ومما قاله في ذلك اليوم المشهود: أعزائي الصراصير، أود أن أخبركم أن الصرصار كائن عملاق... كائن يقاوم العشرات بل المئات من الإشعاعات النووية... يتحدى ما يعجز الإنسان المغرور عن تحديه... أعزائي الصراصير...

سأكلف صرصارة صغيرة أمامي بأن توزع عليكم استمارة من الاستمارات التي سيذكرها التاريخ... وأرجو أن تقرؤوها بتأن وبتمعن... مطلبنا الجوهري هو أن نرتقي من مرتبة الحشرية إلى مرتبة الحيوانية... وأفخر وبكل تواضع، أنني أول من اكتشف أن الصرصار حيوان وليس مجرد حشرة، وتصنيفه ضمن الحشرات من أخطاء بني البشر، وأزيد نفسي افتخارا وبكل تواضع دائما، بأنني أول من تبنى هذا المطلب...

وإن كنت أدافع عن الصراصير بكل ما أوتيت من قوة فإنني أعتذر لكل الحاضرين من السيدات والسادة البرغوثات والبراغيث والنمل إناثا وذكورا إذ لم أدرج مطالبهم ضمن مطالبنا... فعلى كل من يسعى إلى التكريم أن يبذل جهده ويسعى ويعمل... الحقوق تؤخذ ولا تعطى كما تعلمون... الاستمارات بين أيديكم، أقصد: ستصير بين أيديكم لو تطوعت الصرصورة الجميلة ووزعت هذه الأوراق... أنا أثق في وعيكم ولا أشك في سلامة عقولكم... ولا تنسوا أن الصرصار يقاوم من الأشعة النووية وغير النووية ما يعجز عنه الفيل وقطيع الفيلة... قال صرصار من... الحاضرين...: يا أستاذي الكريم... مع كل التقدير وكل الاحترام... وبعض الجرأة أسألك ولا مشاحة في الاختلاف، قال الكبير: وأصابع يده اليمنى تداعب ربطة عنقه... الاختلاف شيء محمود... ولا ضير في السؤال، تكلم وأوجز...

قال الصرصار المتعلم بأدب: كيف يا سيدي الكريم، كيف... يقاوم بنو جنسنا الأشعة النووية ـ كما تفضلتم ـ ( وانحنى انحناءة تواضع) ويعجزون عن تحمل صفعة حذاء بلاستيكي تافه؟ تململ الصرصار الكبير قليلا، ثم قال: يا بني إنني أعتز بك لأنك من فصيلتي، ولا أقبل مثل هذا السؤال من غير فصيلتي، فأقول لك: اعلم أن ما يقال من خضوعنا ـ نحن هذه الجماعة الكريمة ـ للأحذية والنعال... إنما هو أمر يعود إلى أسطورة قديمة يطول شرحها، وهي على فكرة موضوع كتاب لي سيصدر قريبا... موضوع هذه الأسطورة أن الصراصير عاهدوا ( ولا تقل يا بني: عاهدت، كما يقول بنو البشر عامة وعلماء النحو خاصة، في حقنا ) عاهدوا... على أية حال: مسألة علاقتنا بالأحذية والنعال... موضوع لا علاقة له بالموضوع الذي نقترحه للمناقشة، فاجلس من فضلك ولا تقاطعني مرة أخرى، ولا تنس أن تكتب على الاستمارة ما أمليه عليك وإلا... وإلا رسبت في الامتحان... من كتب: نعم للترقية ينجح، ومن كتب: لا للترقية... سيبقى صرصارا حقيرا أبد الآبدين... والتفت إلى الصغيرة الجميلة الجالسة أمامه... وبكل رفق قال: سأنتظر منك الاستمارات في منزلي... أنت تعرفين أين... واختفى عن الأنظار...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى