الثلاثاء ٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٠
بقلم صلاح السروي

شعرية الهزيمة والرفض عند أمل دنقل

احتل أمل دنقل مكانة بارزة بين الشعراء العرب المعاصرين، باعتباره «شاعر الرفض العربى»، بإجماع النقاد والباحثين. فلقد حاول، فى شعره، تجسيد كل قيم المقاومة والصمود والثأر. فى مواجهة كل قيم الخنوع والانهزام فى الواقع العربى، الذى نتج عن وضعية القمع والاستبداد والتخاذل (فى الداخل)، الى جانب وضعية العدوان والاستعمار والاستيطان والاستباحة، من لدن القوى الخارجية.

وإذا كانت قصيدة التفعيلة (الشعر الحر) التى ينتمى إليها أمل دنقل، قد قامت على أساس مفهوم (الرؤية) الذى ينزع نحو سبر أغوار الوجود واستبطان كوامنه، بحثا عن جوهره المتوارى خلف ركام التفاصيل. مثل ما يمكن أن يوحى به معنى "السندباد", جواب الآفاق المكتشف، فى قصيدة صلاح عبدالصبور ،التى حملت العنوان ذاته. أو "البدوية السمراء"، القصية, العنود (اللغة المراوغة, كما يراها الشاعر)، فى قصيدة : "الناى والريح فى صومعة كمبردج" لخليل حاوى. أو عنوان ديوان ملك عبدالعزيز: " أن ألمس قلب الأشياء"، ذلك الذى يفصح بجلاء عن معنى الرغبة فى معانقة الجوهرى والكامن).

فإن أمل دنقل, على هذا المنحى ذاته، قد خاض تجربته الرؤيوية الخاصة، محاولا طرح نبوءته (الكاشفة الأسيانة المتألمة الساخرة، فى آن), فى قصيدة : "من كلمات سبارتاكوس الأخيرة" 1962، ومتلمسا حقيقية الجرح العربى فى قصيدة : "الأرض والجرح الذى لا ينفتح" 1966، و محاولا تشخيص عناصر الداء المعتمل فى الجسد العربى فى قصيدة : "بكائية الليل والظهيرة " 1966، و قصيدة : "حديث خاص مع أبى موسى الأشعرى" 1966... الخ.

لقد تركزت "رؤية" أمل دنقل فى هذه القصائد على اعمال هاجس الكشف والاستبطان لخبايا الواقع السياسى والاجتماعى، مستخدما آليات: الحلم, والنبوءة, والرؤيا الصوفية, واستلهام الشخصيات التراثية, والأسطورة العربية والعالمية، والتناص مع الآيات القرآنية، وأقوال الكتاب المقدس وصياغاته اللغوية، على حد سواء. وذلك فى محاولة منه لكشف اللثام عن حقيقة هذا الواقع ومآلاته الممكنة. فى ضوء تبدياته الوجودية المعاشة، المحسوس منها وغير المحسوس، فى آن.

يقول فى قصيدة «بكائية الليل والظهيرة»:

(ندم الغبار يلح فوق وجوهنا
ونلوذ بالجدران نحفر فوقها أسماءنا..
لكنها تتفتت
الجدران وهم ..)

حيث نلاحظ إحساسا دفينا بالذنب، مختلطا بنوع من الاعتراف بفقدان البراءة. وربما كان الأول ناتجا عن واقعة حدوث الثانى، أى أن الاحساس الذنب ناتج عن فقدان البراءة. مما يفضى, بالتبعية, الى الاحساس بانعدام الأمان وقرب النهاية المنذرة بالفناء (حفر الأسماء فوق الجدران). ان ذكر الجدران, هنا, يستدعى, على نحو ضمنى, سيرة الانسان المصرى القديم الذى خلد حياته وأعماله عن طريق الرسوم والنقوش الجدارية, بما يحيل الى دلالة اشارية لفكرة الخلود والبقاء. كما أن مفردة الجدار تنتسب الى حقل دلالى يحتوى على معانى الحماية والأمان.
بيد أن هذه "الجدران" تخذله وتتحول الى وهم, لأنها لم تعد بالقوة والصلابة التى تجعلها قادرة على الصمود والاستمرار .. (فى اشارة الى هاجس الخروج من التاريخ, كما سيتضح لنا فى ما سيلى) .. إلى أن يقول:

" يا آخر الدقات
قولى لنا .. من مات
كى نحتسى دمه
ونختم السهرات
بلحمه نقتات. "(1)

فالدقات, هنا, هى دقات آخر العام (كما جاء فى متن القصيدة), بما يحيل الى معنى أن الزمن قد انقضى وأن النهاية قد أزفت. وعلى الرغم من هذه النهاية المحدقة، فان انسان القصيدة, فاقد البراءة, لايزال مصرا على أكل "لحم أخيه ميتا", فى تناص غير مباشر مع الآية القرآنية, حتى اللحظات الأخيرة. كما أن هذه الدقات الأخيرة تحيل الى أجواء احتفالية مشبعة بمعانى وجودية ونفسية عميقة, كما هو شائع, وعنما يصبح الاحتفال قائما على احتساء دم "آخر من مات" وأكل لحمه, فى اشارة ثانية الى واقعة العشاء الأخير للسيد المسيح, فان جلد الذات والسخرية السوداء منها, تصل الى أقصى مدى ممكن لها.

ان توجيه الخطاب الى دقات الساعة الأخيرة من العام, بما يجعل من هذه الدقات كيانا مشخصا, بذاته, ويمكنه أن يمثل مرجعا معرفيا, انما يحيل الى الوعى الحاد باللحظة الزمنية الفارقة، فى صيرورتها نحو الأفول والانتهاء. فهذه اللحظة تأتى بمثابة منعطف زمنى وبرزخ انتقالى له ما قبله, كما أن له ما بعده, ولذا فان هذه الدقات هى القادرة, وحدها, على اختزان المعنى الحقيقى للكارثة, لأنها الشاهد عليها .. على ماكان وما سيكون.

كما يوحى استخدام ضمير الجمع (نا) على طول هذه القصيدة يمكنه أنه يطرح نوعا من التعميم الذى لا يستثنى أحدا : جناة وضحايا، حكاما ومحكومين .. الخ. وكأن اللعنة قد طالت الجميع، لأن الجرم عنده، قد ساهم فيه الجميع. كل بطريقته وعلى شاكلته. انها تلك الادانة الجمعية التى تحيل الى حتمية مراجعة جمعية لحقيقة ماوصلنا اليه.

لقد كتبت هذه القصيدة, والقصائد السابق ذكرها, فيما قبل عام 1967 بما يعنى أن الشاعر كان يمتلك نوعا من الحدس بما يعتمل أسفل ركام وتفاصيل هذا الواقع, على العكس مما يوحى ظاهره، من مسببات الهزيمة والخسران. فعنوان القصيدة يقف بمثابة النتيجة المسبقة الباحثة عن التعليل, فهى بكائية متواصلة ومستديمة فى (الليل والظهيرة). حتى اذا طالعنا متن القصيدة وجدنا أن هناك ما يدعو الى أكثر من البكاء .. انه الضياع والوجود الهباء الناتج عن جريمة "القتل اليومى" المقترفة بحق الأبرياء. سواء أكان هذا القتل ماديا أو معنويا. بما يوحى بانعدام العدالة وغياب القدرة على الاعتراض. انها اذن المأساة الكامنة تحت الطلاء المخادع، كما يراها الشاعر.
حتى إذا وقعت الواقعة (بهزيمة الخامس من يونيو 1967) تحولت هذه الرؤية إلى محاولة استقراء وإعادة احياء اللحظات والرموز التاريخية العربية المحملة بمعانى الهزيمة والثورة, فى آن. فيستوحى الشاعر الشخصيات العربية الأسطورية, مثل شخصية (زرقاء اليمامة), فى قصيدة: "البكاء بين يدى زرقاء اليمامة" يونيو 1967. والشخصيات التاريخية الحقيقية, مثل شخصية (المتنبى), فى قصيدة: "من مذكرات المتنبى فى مصر" 1968، وشخصية (قطر الندى), فى قصيدة: "الحداد يليق بقطر الندى" 1969.. الخ.

ومن الضرورى، هنا، الاشارة الى أن الموقف المتبدى فى شعر أمل دنقل, لا يعنى بالضرورة أنه يمثل موقف العداء أو المعارضة السياسية لسلطة عبدالناصر, وهى السلطة الحاكمة فى مصر ابان هذه الحقبة (الستينيات), بل اننى أظنه كان يتماهى مع الخطاب الناصرى على نحو من الأنحاء, فهو ينطلق من منطلقات هذه السلطة الناصرية ذاتها, (على الأقل على مستوى الخطاب الرسمى المعلن), مستخدما القاموس ذاته, من حيث نشدان العدالة والحرية والاستقلال الوطنى, والانتماء القومى العربى والعداء للصهيونية .. الخ. بيد أن الشاعر يسبق بخطوة أو عدة خطوات. فكأنه يرى أن ما يتم تقديمه من مواقف وممارسات لا يعبر يشكل فعلى عن حقيقة هذا الموقف الرسمى, أو ليس كافيا، على النحو الذى يتمناه الشاعر. وبالمناسبة, فقد كان هذا موقف معظم الشعراء الذين اختلفوا مع عبدالناصر فى زمنه. مثل موقف صلاح عبدالصبور وعبدالرحمان الأبنودى ونزار قبانى .. وغيرهم.

وبعد حرب أكتوبر (1973), يتحول الشاعر أمل دنقل إلى محاولة "رؤية" ما قد يكمن وراء الصلح والسلام (المزعومين) مع العدو الصهيونى, من ضياع وخسران، يتخطيان ما قد نجم عن الهزيمة العسكرية فى 1967. مستلهما سيرة (الزير سالم) فى قصيدة: "لا تصالح" (1974), وذلك عندما ظهرت بوادر التصالح والتفاهم مع العدو الصهيونى, بعيد مفاوضات الكيلو 101 عام 1974. كما يستوحى أمل دنقل، بعد ذلك، شخصية اليمامة (وهى احدى الدوال المركزية فى سيرة الزير سالم) فى قصيدة: "أقوال اليمامة" (1980). ومن ثم، يرثى الخيول الحرة الأبية وقد أضحت مروضة ذليلة، ثم تحولت الى زينة وسلعة للبيع فى نهاية المطاف، فى قصيدة "الخيول"(1981-1982). ثم يرثى "الطيور" التى "أصبحت قعيدة" , ويرثى "الجنوبى" الذى يعانى من شجوج الرأس والجبين .. الى أن يرثى نفسه ويأسى على عالمه وحياته فى قصيدة "بكائية لصقر قريش", والتى جاءت فى ديوانه الأخير: "أوراق الغرفة رقم8" (1983).

حيث نلاحظ سيطرة هذا المنحى التشاؤمى الرثائى الذى يأخذ بمجامع شعر أمل دنقل بصفة عامة، وفى فترة مابعد عام 1967، بصفة خاصة. بما يفيد فداحة وقع الهزيمة على وعى الشاعر ، مما أدى الى وقوعه فى براثن هذه الحالة الشعورية، وامعانه فى طرحها الى أقصى مدى ممكن.
ولعله قد بدا واضحا أن استراتيجية أمل دنقل الشعرية, فى معظم هذه القصائد, انما يتمثل فى طرح ثنائية: "القمع", و"الثورة المجهضة". مما طبع قصيدته بطابع رثائى, بكائى, حزين, منذر, ومتشائم, فى آن. على نحو قد يصل الى حد السوداوية والعدمية, فى بعض الأحيان. وكذلك فى محاولة لطرح استشعار مبكر لأزمة الواقع الاجتماعى والسياسى العربى, فى البعض الآخر. وهو ماحاول أن يصوغه, جماليا, عن طريق القيام بدور "الشاعر النبى", المحذر. (نلاحظ نموذج زرقاء اليمامة الذى يحتل أهمية خاصة فى شعر أمل دنقل). يقول فى قصيدة "حديث خاص مع أبى موسى الأشعرى" :

"ويكون عام .. فيه تحترق السنابل والضروع
تنمو حوافرنا - مع اللعنات – من ظمأ وجوع
يتزاحف الأطفال فى لعق الثرى
ينمو صديد الصمغ فى الأفواه
فى هدب العيون فلا ترى".(2)

ونلاحظ, منذ البداية, هذه الصياغة اللغوية: "ويكون عام", تلك التى تستوحى النموذج اللغوى المستخدم فى صياغة "الكتاب المقدس", (وهو استخدام شائع فى شعر أمل دنقل) بما يوحى بمعنى النبوءة الكونية المقدسة والانكشاف الكامل على المستقبل, وهو منحى قريب من دور "الشاعر الصوفى", الكاشف المستبطن... فيقول فى القصيدة ذاتها:

"رأيتها - فيما يرى النائم – مهرة كسلى
يسرجها الحوذى فى مركبة الكراء
يهوى عليها بالسوط , وهى لاتشكو ولاتسير
.....
رأيتها – فيما يرى النائم - طفلة حبلى !
رأيتها ظلا"(3)

ان تقنية (الرؤية) التى يقوم عليها البناء الشعرى, هنا, ويجرى تكرار صيغتها اللغوية (رأيت فيما يرى النائم) و(رأيتها), بالحاح من يود التأكيد على حقيقية هذه (الرؤيا) وصدق محتواها, لتحيل مباشرة الى منحى النبوءة التى لا تحتاج الى تأويل, حيث يصبح المتخيل فيها واقعيا. ليؤكدا, معا, واقع الانتهاك والامتهان, الحالى والمنتظر.
ومن ثم, يأتى دور "الشاعر المحرض" فى ديوان: "أقوال جديدة عن حرب البسوس".. يقول:

"لا تصالح:
ولو قيل ماقيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنس؟
كيف تنظر فى عينى امرأة ..
أنت تعرف أنك لاتستطيع حمايتها ؟" ... (4)

والتحريض، هنا، لايكمن، فقط، فى صيغة الأمر المستخدمة على نحو "أيقونى"، على طول القصيدة. ولكن أيضا فى الالحاح على المخاطب باستخدام صيغة الاستفهام الاستنكارى، المستنفر لطاقات الرفض والتمرد، عن طريق التصوير المنفر والمقبح لفكرة القبول بالصلح. ومن خلال استفزاز المشاعر الوطنية ومشاعر النخوة (الذكورية)، ذات الجذور العميقة فى تربة الثقافة العربية الشرقية، معا.

ان "الرسالة الشعرية"، كما هو واضح، تمثل محور الارتكاز فى مرامى شعر أمل دنقل. ولكنها لم تأت – على الرغم من ذلك - على حساب الفن. بل ربما تكون قد رفدت التشكيل الفنى، وأوحت اليه، بامكانات بالغة الجدة والفعالية من الناحية الجمالية. فلقد كان المعنى والتشكيل، معا، يمثلان هدفا واحدا وموحدا بالنسبة للشاعر.

واذا كان شعر أمل دنقل يتميز بقدر كبير من "الجهرية"، والمشاعر المفعمة الملتهبة، والنبرة العالية. أو ربما، المباشرة، فى بعض الأحيان. فانه على الرغم من ذلك – أو ربما بسبب ذلك، على التحديد – كان أمل دنقل دائم البحث عن أدوات شعرية قادرة على حمل هذه الرسالة وتوصيلها على النحو الأبلغ والأكثر فاعلية وتأثيراً. ولذلك حشد قصائده بكل أدوات الفن الشعرى الممكنة: بدءا من استخدام "تقنية القناع" بكثرة واضحة, متمثلة فى استدعاء الشخصيات التراثية، مثل قناع (سبارتاكوس)، وقناع (أبى موسى الأشعرى), وقناع (المتنبى), وقناع (كليب وائل), وقناع (اليمامة), وقناع (ابن نوح), وقناع (أبى نواس) .. الخ، وكلها أقنعة دالة على حالات الرفض والتمرد والهزيمة. ليصنع مفارقة فادحة الدلالة، يفجرها التناقض الحاد بين المعانى المستقرة والمعروفة التى توحى بها تلك الشخصيات، فى محمولاتها الرمزية الراسخة، وفى لحظتها الزمنية الدالة، وبين الواقع الراهن بكل خذلانه وبؤسه.

مرورا باستخدام تقنية التعدد الصوتى (البوليفونية), واستيحاء تقنيات درامية مساوقة لها, كما فى قصيدة "الحداد يليق بقطر الندى", وقصيدة " أيلول", وقصيدة " ميتة عصرية" .. الخ.
وصولا الى استيحاء تقنيات (سينمائية) مثل تقنية (الدمج) و(التركيب) "المونتاج" Montage ، و"المزج" Mixage ، كما فى قصيدتى "كلمات سبارتاكوس الأخيرة" و "أغنية الكعكة الحجرية". أو استخدام آليات "السرد" Narratives على نحو شائع فى كل قصائده تقريبا. حتى صيغه "الكوللاج" Collage التى استوحاها من الفن التشكيلى والتصوير كما فى قصيدة "رسوم فى البهو الفرعونى" من ديوان "العهد الآتى".

إن كل هذه التقنيات تكاد تطبع شعر أمل دنقل بطابع مشهدى بالغ الوضوح، يقوم على سيطرة المخيال البصرى، ليحل محل الأداة الانشادية الغنائية التقليدية السابقة عليه. بحيث تتجاور وتتداخل هذه التقنيات مع النبرة الجهيرة والمفارقة الحادة، سواء بسواء.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى