الأربعاء ١ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢١
بقلم رامز محيي الدين علي

أيُّ جمالٍ؟

الحياةُ جميلةٌ بكلِّ ألوانِها وأطيافِها..
كم أنتِ جميلةٌ أيَّتُها الحياةُ بنورِك وديجورِكِ..
جميلةٌ أنتِ أيَّتُها الحياةُ بفصولِكِ الأربعةِ..
ورائعةٌ أيَّتُها الحيــــــاةُ بلياليكِ وأنهُــرِكِ..
أيُّ جمالٍ للنُّورِ إذا لمْ ينبثِقْ من أعماقِ الدَّياجيرِ؟!
أيُّ جمالٍ للشَّمسِ إذا لمْ تتغَلغلْ بأشعَّتِها ودفئِها من بينِ أستارِ الظَّلامِ لتملأَ الكونَ ضياءً ودفئاً في الفصولِ الّتي تتوشَّى بأرديةِ الظَّلامِ وعباءاتِ البرودةِ والضَّبابِ والغيومِ الدَّاكنةِ الّتي تُغطّي وجهَ الأرضِ وتحجبُ عنّا رؤيةَ زُرقةِ السَّماءِ وذؤاباتِ الجبالِ ومعانقةَ الطَّبيعةِ لسحرِ هَذا الكونِ؟!
أيُّ جمالٍ لنورِ القمرِ إذا لمْ تنسكِبْ أضواؤُه إلى قلبِ العالمِ كمَا تنسكبُ أنوارُ المحبَّةِ في قلوبِ العاشقينَ وتذوبُ أكاسيرُها في النُّفوسِ فتُحْيي الأرواحَ وتُسكِرُ الجوارحَ وتُذيبُ جليدَها لتَرويَ ظمأَ الهائمينَ غراماً وهُياماً؟!
أيُّ جمالٍ لأنوارِ عيونِ النَّاظرينَ إلى كتبِ الحياةِ وسطورِها، إذا لم تتدفَّقْ شلَّالاتٍ من أنوارِ النُّفوسِ والعقولِ إلى دياجي الحياةِ بكلِّ ما فيها من طلاسمِ الجهلِ والتَّجهيلِ والطُّرقِ المعبَّدةِ بالغباءِ والفِخاخِ المسلَّطةِ على العباقرةِ في فِجاجِ الحياةِ؟!
أيُّ جمالٍ لنورِ الصَّباحِ إذا لم يشُقَّ عباءةَ الدُّجى، ولم يتسلَّلْ من بينِ أعطافِه كمَا يتسلَّلُ الوليدُ من رحمِ الولادةِ الّذي تُرافقُه آلامُ المخاضِ بينَ ظلماتِ الخلْقِ والتَّكوينِ، وها هُو يَرى النُّورَ ليسكبَ في عيونِ الأبوينِ نُوراً وأملاً في حياةٍ جديدةٍ؟!
أيُّ جمالٍ لأنوارِ النُّجومِ والكواكبِ إذا لمْ تكُنْ أنوارَ محبَّةٍ وأمنٍ وطمأنينةٍ لكائناتِها الّتي تحْيا فيها كمَا نَحْيا على كوكبِنا الأرضيِّ، وإنْ لم تستطِعْ أنوارُ العلومِ البشريَّةِ من إدراكِها، لكنَّ مخيِّلةَ الأدباءِ والفلاسفةِ أدركتْها منذُ بعيدِ الأزمانِ وما زالتْ أنوارُ الحقائقِ في منأىً عنْها مهْما بلغَتِ البشريَّةُ منَ التَّقدُّمِ التِّقنيِّ و التِّكنولوجيِّ والحضاريِّ!
أيُّ جمالٍ لأنوارِ المعرفةِ إذا لم تستطِعْ تحريرَ الإنسانِ من عبوديَّتِه وتخلُّفِه وهمجيَّتِه وبهيمَتِه، لتُدخلَه جنانَ حرّيَّةِ الفكرِ والحركةِ والتَّعبيرِ والعملِ، وترفعَ من ذاتِه فوقَ ذواتِ المخلوقاتِ غيرِ العاقلةِ، وتُدخِلَه عالمَ الملائكةِ تمدُّناً وتحضُّراً وسمُوَّاً ورقيَّاً!
أيُّ جمالٍ لأنوارِ الحقيقةِ إذا كانتْ عقولُ البشريَّةِ في دياجيرِ الأنانيَّةِ والتَّسلُّطِ والحَيْفِ والجَورِ والاستِقواءِ بالقويِّ على الضَّعيفِ والاستِكانةِ للأهواءِ والشَّهواتِ دونَ أيِّ اعتبارٍ لقيمِ الحقِّ والعدالةِ والاستِقامةِ!
أيُّ جمالٍ لأنوارِ فلسفةِ الحياةِ إذا ظلَّتْ حبيسةَ التَّنظيرِ أسيرةَ التَّفكيرِ دونَ أنْ تتحوَّلَ إلى براكينَ تَجتثُّ حممَ الجهلِ والتَّخلُّفِ من كيانِ الإنسانيَّةِ؛ لتقذفَها في وجهِ الحياةِ الكالحِ الّذي لا يبتسمُ إلّا لمن يَستعبِدُها بمَا أُوتي من سطوةِ الأنانيَّةِ وشهوةِ التَّملُّكِ وغطرسةِ الاستِحواذِ وهيمنةِ الخُبثِ والدَّهاء!
أيُّ جمالٍ لأنوارِ الشَّرائعِ السَّماويّةِ والأرضيَّةِ إذا لم تستطِعْ أن تُحرِّرَ الإنسانَ من طغاةِ الاستِبدادِ الفكريِّ والعقَديِّ؛ وتجعلَ من عِبادِها بشراً يتعبَّدونَ في محاريبِ إيمانِهم تعبُّدَهم في محاريبِ الرُّقيِّ والتَّحضُّرِ وبناءِ الحياةِ والإنسانِ بناءً يُقرِّبُ السَّماءَ إلى الأرضِ ويرفعُ الأرضَ نحوَ السَّماءِ؛ ليجعلَ من كينونةِ الحياةِ جِناناً تُضاهي جِنانَ الخُلدِ الّتي تتسامَى البشريَّةُ للوصولِ إليها!
أيُّ جمالٍ لأنوارِ المدنيَّةِ الحديثةِ الّتي ملأَتْ أذنَ الحياةِ بشعاراتِ التَّمدُّنِ والرُّقيِّ وحقوقِ الإنسانِ إذا لم تتحرَّرِ الأممُ القويَّةُ من سطوةِ الهيمنةِ والتَّعالي على الأممِ الضَّعيفةِ، ولم تتكاتَفِ الأممُ جميعاً لتمدُّنِ الإنسانِ ورقيِّه والسُّموِّ به من عالمِه البدائيِّ الهمجيِّ الّذي يستوطنَ الذَّاتَ البشريَّةِ، وإذا لمْ تسُدْ قيمُ السَّلامِ والمحبَّةِ والعدالةِ بينَ جميعِ فئاتِ البشريَّةِ!

فهَا أنا أناجِيكَ أيُّها النُّورُ، وكلِماتي موشَّحةٌ بأنغامِ الحزنِ:
الكــونُ يَســـــبَحُ الآنَ في ديْجُــــور..
أحـلامُ الأطْفالِ غارقةٌ في كلِّ بُحُور...
وجْدانُ الإنســــــانيَّةِ منتهكٌ مَطْعُون..
أحلامُ العُشَّـاقِ قُتِلَتْ.. في كلِّ عُيُون
*****
أستـارُ الظـُّـــــلمِ مُسْـــــــدلةٌ أسْــــــيافُ القَتــْلِ مُشْـــــرَعـــةٌ
فكيـفَ ستأمَنُ أحْــــــــــــداقٌ وكيْـــــفَ تَقَـــــــرُّ جُفُــــــــــــون؟
كلِمَـاتُ الحـــــــــبِّ قــدْ ماتَتْ أزهَــــــارُ الدَّربِ قـــــدْ ذبُلَــــــتْ
أنْفاسُ الـوَردِ قــــدْ سُـــــرِقَتْ أجــــراسُ الخطرِ قــــدْ قُرِعَـــــت
أَسَرُوا الحُرّيـَّـــــــــــةَ أسرُوها دفنُــــــــوهَا في كلِّ سُـــــجُــون
صفحَــــاتُ التَّـــاريخِ تُــــدوِّنُها أقْــــــلامُ دجَّـــــــــالٍ مَلعُـــــــون
*****
مُـــــــــدَّ أشــــــعَّتَكَ بُركانــــاً شُـــــــــدَّ عزيمـــتَكَ إعْــــصَـــارا
حــــرِّرْنا منْ ظُلمِ القَيْــــــــــد علِّمْــــنا أفْــــــراحَ العِـــــــــــــيــدِ
أنــــــوارُ العـــــــلْمِ مُطْفَــــــأةٌ أرواحُ الحِقْــــدِ مُتْرعــــــــــــــــــةٌ
أبوابُ الأحـــــــرارِ مُوصَـــــــدةٌ أفـــــــــــــواهُ الأقْــــــــلامِ مُقْفلةٌ
*****
علِّمْنا كيفَ تسْمُو الأرواحُ؟
كيفَ تنكســـرُ الأغــــلالُ؟
كيــفَ تَبــــــوحُ الكلمـــاتُ
في نــــــورِ كلِّ صــــــبَاح؟
افتحْ أجْفانَ الوردِ في كلِّ بســتان
أيقِظْ أحلامَ الغــابِ في كلِّ الأفْنَان
علِّمْنا..
كيفَ تصْحُو للنُّور أغصانُ البــــــــانِ؟
كيفَ تحلُمُ في وطنٍ روحُ الإنسانِ؟!
*****
أيقِظْ أحلامَ الأطفالِ عندَ الفجْر...
دعْ نسماتِ الإنسانيَّةِ..
تنسابُ إلى الأرواحِ بالعطرِ...
اسقِ أيَّامَ العشَّاقِ من قطراتِ الزَّهرِ..
علِّمْنا..
كيفَ تســــــمُو الأرواح؟ كيفَ تشدو الأدواح؟
كلُّ طيورِ الغابِ تفــــرحُ كلُّ المخلوقاتِ تمرحُ
لكنَّ الإنســانَ الأسْمى باتَ مَعْتـــــوهاً أعْــــــــمى
مشـلولَ الرُّوحِ والفـــكرِ منقـــــاداً بينَ الأهـــــــــواءِ
مهزومـاً بينَ الأعــــــداءِ منشطراً كلَّ الأشـــــــــلاءِ
*****
علِّمْ كلَّ نســــاءِ الشَّــــرق أنَّ الحـــــــبَّ كالــــــــــــبرقِ
بركانٌ ينفجرُ في الغســـقِ فجرٌ يولــــــــدُ في الشَّفــقِ

صالة العرض


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى