الأربعاء ١٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٢
بقلم رامز محيي الدين علي

التَّابوتُ والميِّتُ

في حوارٍ صامتٍ جَرى بينَ التّابوتِ والميِّتِ، والجنازةُ على أكتافِ المشيِّعينَ الّذين يتسابقُون لحملِه طمعاً في الأجرِ ونيلِ الثَّوابِ، والنَّعشُ مزخرفٌ بالأقمشةِ والورودِ، ونحِيبُ البَواكي يشقُّ أذنَ الجوزاءِ، والكلُّ يسرعُ الخُطا نحو المقبرةِ عملاً بالسُّنَّةِ النّبويَّةِ (إكرامُ الميّتِ دفنُه)، وحناجرُ الرّجالِ تهتفُ بالتّوحيدِ؛ إنّه المشهدُ الوحيدُ الّذي يجمعُ آلامَ البشريّةِ ويُنْسِيها أحقادَها وشرورَها، وكأنَّ السَّماءَ بسطَتْ نواميسَ حقبةٍ جديدةٍ من الخيرِ والتَّسامحِ والسُّموِّ والرُّقيِّ الخلقيِّ والنَّفسيِّ والإيمانيِّ، إنّه المشهدُ الأوحدُ الّذي قهرَ جبابرةَ العالمِ وطغاتَه وأثرياءَه، وهو المشهدُ الأمثلُ للمساواةِ بين شتّى أصنافِ البشر!

 التّابوتُ: انظرْ أيُّها الآدميُّ الرّاحلُ إلى جوارِ ربِّكَ كيفَ يتنافسُ المتنافِسُون لحَملي وأنتَ مُكفَّنٌ في داخِلي، ومنذُ أيّامٍ وأيّامٍ كنتُ مهمَلاً في زاويةٍ أُعاني منَ الضّجرِ في ظلالِ اللّيلِ والنّهارِ ومن عبثِ الغبارِ واحتقارِ الحشراتِ لي وكأنّني صندوقُ قمامةٍ لا يُلقي أحدٌ عليَّ بالاً.

 الميِّتُ: صدقْتَ أيُّها التَّابوتُ وأصبْتَ عينَ الحقيقةِ، لكنَّكَ فتَّقْتَ جروحي وآلامي، فمَا عسَاني أقولُ وإنّني أعلمُ أنَّ أكثرَ الّذين يُشاركُون في تشْيِيعي، ويبكُون بكاءَ الثَّكالى إنّما يبكُون حالَهم ويرثُون أنفسَهم، في الأمسِ كانُوا يتسابقُون إلى امتلاكِ الدُّنيا ويقتلُ بعضُهم بعضاً حسداً وبغضاً وأنانيَّةً واستكباراً وطغياناً، في الأمسِ كانُوا شياطينَ لا تُبالي برجُوم السَّماءِ، والآنَ تراهُم ملائكةَ رحمةٍ تستغيثُ بالصَّلاةِ والدُّعاءِ وحناجرُهم قد بُحَّت من آلامِ البكاءِ والعويلِ، ومآقِيهم قد تقرَّحَت من دموعِ الأسَى، ومناظرُهم تستمْطِرُ شفقةَ السَّماءِ ورحمتَها؛ إنّهُ مشهدٌ رائعٌ أسعدَني، رغمَ أنّي قد فارقْتُ الحياةَ، لكنَّه مشهدٌ تمثيليٌّ لا يتجاوزُ المسافةَ بينَ المعبدِ وتلكَ الحفرةِ الّتي تنتظرُني إلى مَدى الحياةِ ولا تنتظرُكَ إلّا لدقائقَ، ثمَّ تعودُ إلى زاويةِ نسيانِكَ!

 التَّابوتُ: لقدْ آلمتَني كثيراً أيُّها الميِّتُ، ونسيْتُ ألمي.. سامحُهم اللهُ على تجبُّرِهم وتكبُّرِهم!

 الميِّتُ: اصغِ معي جيِّداً أيُّها التَّابوتُ، إنَّهم يطلُبُون منّي أنْ أسامحَهم، وألسنتُهم تلهجُ بالدُّعاءِ وأصواتُهم تشقُّ أذنَ السَّماءِ بمسامحَتي، وكأنَّ شيئاً لم يكُنْ.. وفي الأمسِ كانُوا يتسامرُون على ذكرِ عيُوبي، ولم يذكرُوا خصلةً من مآثري علَيهم، والآنَ يتبارَون وأنا في طريقي إلى لَحْدي بذكْرِ محامِدي وخِصالي ومآثِري.. في الأمسِ كانُوا يتلذَّذُون في حسَدي والنَّيلِ من مكانَتي وطمسِ أياديَّ البَيْضاءِ علَيهم، واليومَ أنا المخلوقُ المصْطفَى قد أدخلُوني الفِردَوس بكلماتِهم وتراتيلِهم، ومازلتُ على الأكتافِ إلى مثوايَ الأخيرِ! ومعظمُ هؤلاءِ لم ترهُمْ عينايَ منذُ شهورٍ وشهورٍ وكانُوا يمُرُّون بجوارِ مَنزلي وتخترقُ أشعَّةُ أبصارِهم مُقلتَيَّ، وتشقُّ كلماتُهم أُذنيَّ، ولم أسمعْ منهُم حتَّى تحِيَّةَ السَّلامِ، وها هُم كما تَرى في نحيبِ الوداعِ كأنَّني قطعةٌ من أبدانِهم ونسمةٌ من أرواحِهم!

 التّابوتُ: كانَ اللهُ في عونِكَ أيُّها الآدميُّ المسكينُ! واللهِ نحنُ في عالمِ الجمادِ نشعرُ بقيمةِ بعضِنا بعضاً أكثرَ من عالمِكُم البشريِّ الّذي يتغنَّى بالمشاعرِ والأحاسيسِ، ويسكَرُ بخَمرةِ الأناشيدِ المقدَّسةِ، ويتَباهَى بأنّه عالمٌ مثاليٌّ وظلٌّ إلهيٌّ.. لقدْ حجزُوا نعيمَ السَّماءِ ومازالُوا يحترقُونَ بجحيمِ وحشيَّتِهم.. لقدْ عقَدُوا القِرانَ على حوريَّاتِ السَّماءِ ومازالُوا ينتهِكُونَ حرماتِ حوّاءَ على الأرضِ.. لقدْ حرَمَ بعضُهم بعضاً كِسْرةَ الخبزِ في الحياةِ، وها هُم قد كتَبُوا لأنفسِهم صُكوكَ ملكيَّةِ أنهارِ العسلِ واللَّبنِ والخمرِ.. لقد جفَّفُوا أنهارَ العالمِ وناطحُوا السَّحابَ بأبراجِهم العاجيَّةِ، وها هُم يتَباكَون للوصولِ إلى خدورِهم في النَّعيمِ!

 الميّتُ: صدقْتَ أيُّها التَّابوتُ الحكيمُ! نعَمْ إنّهم - كمَا تَرى في هذهِ الهُنَيهاتِ القصيرةِ - عالمٌ من الملائكةِ، ونعيمٌ من الرَّحمةِ، وفردوسٌ من المشاعرِ النَّبيلةِ، وفي الأمسِ كانُوا جبابرةً متمرِّدينَ على الملائكةِ، ووحوشاً ضاريةً قد خوَتْ أفئدتُها من ظلالِ الرّحمةِ، وجحيماً خاوياً من كلِّ رأفةٍ أو شفقةٍ، أو أيِّ إحساسٍ آدميٍّ شفيفٍ.. وفي الأمسِ كانُوا ذئاباً يفترسُ قويُّهم ضعيفَهم، وثريُّهم فقيرَهم، وثرثارُهُم حكيمَهم، وكذوبُهم صدوقَهم، ودجّالُهم طيِّبَهم، وكبيرُهم صغيرَهم، وجاهلُهم عالمَهم.. وفي الأمسِ كانُوا يتنافسُون إلى قتلِ بعضِهم بعضاً من أجلِ أتفهِ الأسبابِ، ويسكرُون على دماءِ بعضِهم بعضاً، ولا تلذُّ لهُم الحياةُ إلّا إذا بنَى الأقوياءُ أمجادَهم على جثثِ الضُّعفاءِ، ولا تقرُّ لهُم عينٌ إلّا إذا أُتخِمَت بطونُ الأثرياءِ بنهبِ لُقَيماتِ المحتاجينَ والمُدقَعينَ من الفقرِ ، ولا يهنأُ لهم بالٌ إلّا في طوفانِهم حولَ إلهِهم من المالِ أو السُّلطةِ أو التِّجارةِ الجائرةِ وشعارُهم الأمثلُ (هذا من فضلِ ربّي.. وتجَارتي معَ اللهِ).. وحينَما يرَون جائعاً تَعْمى أبصارُهم وأفئدتُهم، إنّهم قد بطرُوا بالنِّعمِ في ملذَّاتِهم ومآربِهم الدُّنيويَّةِ السَّاقطةِ، وها هُم - كمَا تَرى - فقراءُ إلى اللهِ لا يملكُون غيرَ التَّضرُّعِ بالدُّعاءِ والبكاءِ..

 التَّابوتُ: ها قدْ وصلْنا إلى مثواكَ الأخيرِ أيُّها الميّتُ المسكينُ، رحمَكَ اللهُ وغفرَ لكَ وأسكنَكَ فسيحَ جنَّاتِه.. ووداعاً إلى غيرِ لقاءٍ..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى