الأربعاء ١٠ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٨
بقلم أنطوان القزي

السماوي يحطب أكمام الغمام

هناك مع الهزيع الأخير يلفّ النعاس لحافَه لتصحو وسادة الكلمات على حلمه الموجوع.

وهناك يتكوّر الصمت على سرير الانتظار، ويتدثّر الترابُ ثغور النخيل عزاءً لمواسم الدموع.هناك غفت أم يحيى السماوي شاهدة على قبر من رخام الكلمات قبل ان يقول لها «تصبحين على جنة».فناجين قهوته، ماء ورده، بخور صباحاته وشغفه المرصود على قيامات جديدة، يغافل سلالم الموت السافرة، يرصف حجارة ملكوتٍ تائه، يسأل عن وطن باتت ضلوع ابنائه عرباتٍ للنعوش.

هناك على الضفة الاخرى، يعزّ العبور، تفرغ الكؤوس، تهجع الأرصفة خلف دوي المدافع.هناك طبول الموت تؤرخ لهجرة العصافير، وعيون الفقراء ترسم مسافات الهاربين، والمتآمرون يسطرون الخيانات ويحولون ضفائر الليل اثواباً للأرامل، يستمطرون ندى الاسحار علقماً للأيتام.ويقف يحيى السماوي، منديلُه ساريةٌ تلوّح للفرات، تلتقط للهواء العابر صورة تذكارية قبل ان يحوّله المستعمرون وقوداً لأحزانٍ عتيدة.

ويسألونه عن كفنٍ آخر، عن تابوت مفتوح، يتسع للأمس واليوم والآتي، يسرقون بياض نهاره وغفوة جفونه واستراحة الشرود من اهدابه.يحيى السماوي ليس ساعي بريد الآخرة، حيث الموتى يسكنون.. إنه قميص الكوثر الوضّاء، يدخل الفردوس بجناح مفتون، يطيّب جراح الامهات، ينسج اغطية الشتاءات ويرسم عناوين جديدة واسماء جديدة لأجنةٍ ستولد وتموت ارقاماً في مفكّرة الغاصبين.مَن يغرس للعراق سنبلة، من يحصد له بيدراً، مَن ينثُر حبوب القمح على ضفاف دجلة؟مَن يسافر مع الامهات الى كربلاء، مَن يحمل أباريق الشاي، مَن يسكب عطر السماء في أروقة المؤمنين، مَن يفترش سجّادة الصلاة، مَن يسأل الله ان يملأ الصحون خبزاً والاجساد عافيةً والارواح حبوراً؟... يصبر يحيى السماوي، يصلّي، يفرح ويكتئب، لكنه لا يهادن، ينازل العمر لحظة بلحظة ويرفل كالقلب نبضةً نبضة، لتبقى ذاكرته مرآة وفائه، وليظلّ وجه امه قنديل المسرّة يذيب جليد الوحشة وينقش الورد اطباق حنطة على موائد الصباحات.

هاربٌ من الذين اعتقلوا الوطن، يلهب القصيدة بنار الأكواخ، وقحط الحقول، هارب يفترش الأسفار سطوراً ويسنّ اجنحة النخيل اقلاماً، وهاربٌ من دخان يلف قوس القزح، يغربل الالوان سماداً لعشاق الجحيم.لكن السماوي يهرب الى العودة، الى الجذور ورائحة التراب الموسوم بعرق الجباه، يهرب الى حيث للعدالة وجه واحد وللحق لون واحد وللحب قلب واحد، والى حيث للانسان وطن واحد وللخيانة لا مكان.هارب الى حيث الرصاصة لا تعشق الاجساد الطرية، وحيث لا يوجد مناضلون للإيجار بل مرابع تجدل عقود الياسمين على بيارق الاحرار.

يرسم بالدماء ترنيمة تائهة، يجبل بالدموع ملحمة مخضبّة بأبجدية الغرباء، يزنّر بابل بأقاحٍ يرشف بكاء المطر.لن يصير يحيى السماوي خريفاً حتى لا تنتحر ورود بلاده، بل سيبقى حارس البوابات البيضاء، يجمع الأقباس المتناسلة شموعاً لعتمة سماوته ويحطب أكمام الغمام رحيقاً لأسحار عراقه.يحيى السماوي، دع الأرغن في يديك يرسم خريطة الأعراس في بلاد الرافدين، فغداً سنراقص الشموس حتى آخر ومضة وسنكتب الشعر حتى آخر قافية وسنهزم الطغاة حتى آخر محتل.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى