الأحد ١٨ تموز (يوليو) ٢٠٢١
بقلم رامز محيي الدين علي

القناعةُ والجهلُ أمامَ مرآةِ المعرفةِ


القناعةُ لغةً: مصدرُ قَنِعَ، بالكسرِ، يقنَعُ قُنوعاً وقناعةً إذا رضِي، وقَنَعَ، بالفتْحِ، يقنَعُ قُنوعاً إذا سألَ، والقُنوعُ: الرّضا باليَسيرِ منَ العطاءِ.. (مقاييس اللغة، لابن فارس: 5/32)، و(لسان العرب، لابن منظور: 8/298).

والقناعةُ اصطِلاحاً: هي الرّضا بما أعْطى اللهُ. (مشارق الأنوار، لأبي الفضْل البُسْتي: 2/187). وقال السِّيُوطيّ: "القناعةُ: الرّضا بما دونَ الكفايةِ، وتركُ التَّشوُّفِ إلى المفْقودِ، والاستِغناءُ بالموجودِ" (معجمُ مقاليدِ العلُوم: 205-217).

إذا كانتِ القناعةُ تَعني الرّضا بما تملِكُ منَ الصّحَّةِ والمالِ والأولادِ، فنِعمَّ هي، لأنَّ الرّضا بما قسمُ اللهُ من جوهرِ الإيمانِ الصَّافي، وهذهِ النِّعمُ قد تجتمعُ لبعضِ الخلقِ، وقدْ يُحرَمُ من بعضِها أو كلِّها آخرونَ، وهُنا يجِبُ ألّا يتذمَّرَ الإنسانُ وألّا يحسدَ غيرَه، قدْ يملكُ أحدُهُم نعمةَ الصِّحَّةَ، لكنَّه يفتقِدُ نعمةَ المالِ أو الأولادِ، وقدْ يحُوزُ بعضُهم القناطيرَ المقنطرةَ من المالِ والذَّهبِ، لكنَّ عينيهِ لم تقرَّا بنِعمَتي الصّحَّةِ أو البنينَ والبناتِ.. وقد تزقزقُ الطُّفولةُ في بيتٍ فقيرٍ حُرمَ فيهِ الأبوانِ نعمةً من نعمِ الصِّحّةِ، لكنَّ تلكَ الزَّقزقةَ ملأتْ فؤادَيهِما بكلِّ ما في الدُّنيا منْ نعمٍ.. فالقناعةُ هُنا كنزٌ لا يَفْنى.

أمّا القناعةُ الّتي تَعني التَّمسُّكَ بالأفكارِ والمعتقَداتِ والعاداتِ الباطلةِ والمواقفِ الانتهازيَّةِ الّتي تتَجَافى معَ الحقيقةِ والمنطقِ، فهذهِ القناعةُ هي الّتي أودُّ أن أضعَها في غِربالي كي تهْويَ مع زيوانِ الغربلةِ تحتَ الغِربالِ.

من هذهِ المفاهيمِ الدِّلاليّةِ لكلمةِ القناعةِ لغةً واصطلاحاً، سأدخلُ في صلبِ الموضوعِ الّذي قدْ يَبْدو للكثيرينَ سهلاً وبسيطاً، لكنَّه في الحقيقةِ يحتاجُ إلى فلسفةٍ متعمِّقةٍ وشاملةٍ وتحليلٍ معرفيٍّ جوهريٍّ يغورُ في البعدِ الثَّقافيِّ والمعجمِ التُّراثيِّ الّذي يحتاجُ إلى مفاهيمَ عصريَّةٍ تُحرِّرُ الفكرَ من فلسفةِ الجمودِ وأسرِ الموروثِ الثَّقافيِّ منْ عصورٍ سلَفَتْ كبَّلتِ الفكرَ بحدودِ المعرفةِ الكهنوتيَّةِ الّتي تُحرّمُ عليكَ فلسفةَ الشَّكِّ والبحثَ فيمَا وراءَ الطَّبيعةِ، لأنَّ الفكرَ الكهنوتيَّ حسمَ الأمرَ، ولا يمكنُ تجاوزُ الحدودِ والسُّدودِ الّتي أقامَها أمامَ الوعيِ الجمعيِّ والفرديِّ، ولذلكَ نجدُ أنَّ كلَّ مَن فكَّرَ بتحديثِ الموروثِ الثَّقافيِّ والدِّينيِّ اصطدمَ بهجمةٍ شرسةٍ تتمثَّلُ بالتَّكفيرِ والزَّندقةِ والعمالةِ!

وأعودُ لأوضّحَ تأثيرَ القناعةِ بمهفومِها الثّاني (الأفكارُ والمعتقداتُ والمواقفُ المنافيةُ للحقيقةِ والمنطقِ) في عرقلةِ تطوُّرِ الحياةِ على كافَّةِ المستوياتِ الفرديَّةِ والجمعيَّةِ.
ليستْ كلُّ القناعاتِ آياتٍ بيِّناتٍ لا يَجُوز أن يُماريَ فيهنَّ إلّا الكَفورُ، لأنَّ كثيراً منَ القناعاتِ جهلٌ جزئيٌّ أوكلّيٌّ أو مركَّبٌ، كما سأوضِّحُ ذلكَ في حديْثي عنِ الجهلِ!

هلِ القناعةُ بأنَّ كلَّ ما يحدثُ لنا من سعادةٍ أو شقاءٍ، منْ أسىً وحبُورٍ، من فقرٍ وغنىً، من جهلٍ وعلْمٍ، من موتٍ بأبشعِ وسائلِ القتلِ، أو حياةٍ مُتْخمةٍ بالوحشيَّةِ والقمعِ ونهمٍ في سفكِ الدِّماءِ.. هل كلُّ هذهِ المتناقِضاتِ أُنزلَتْ منَ السَّماءِ إلى معجمِ القناعةِ الفلسفيِّ؟!

مَن قالَ: إنَّ عدالةَ السَّماءِ تَرْضى أنْ تهبِطَ السَّعادةُ على بعضِ الخلْقِ، لتُمطرَ غيرَهم بالشَّقاءِ؟!

مَن قالَ: إنَّ السَّماءَ تبعثُ سحُبَ الحُبورِ على خلْقٍ، وتُثيرُ رعودَ الأسَى في قلوبِ آخرينَ؟!

مَن قالَ: إنَّ السَّماءَ تُرسلُ الغيثَ على خلقٍ لتُمطِرَهم بشتَّى ألوانِ النِّعمِ، وتبعثُ بالأعاصيرِ الهَوجاءِ لتقتلِعَ النِّعمَ، وتجتثَّ بذورَها من حياةِ خلقٍ آخرينَ؟!

مَن قالَ: إنَّ السَّماءَ تَهدي مَن تشاءُ، فتُنيرُ أفئِدَتَهم إلى طريقِ المعرفةِ والاستقامةِ، وتتركُ قلوبَ الآخرينَ في جهلٍ وضلالٍ؟!

مَن قالَ: إنّ السّماءَ قدَّرتْ على أرواحٍ أنْ تُسحقَ بأبشعِ أنواعِ التَّدميرِ المُمَنهَجِ على أيديْ أقذرِ مُجْرمِي البشريّةِ بتفويضٍ من السَّماءِ وتقديرٍ مِنها؟!

هلْ تدخلُ هذهِ الأفكارُ الّتي طبخَها الفكْرُ الكهنوتيُّ السِّياسيُّ إلّا في عقولِ الجهلةِ على أنّها قناعةٌ من جوهرِ الإيمانِ والتَّسليمِ بالقضاءِ والقدرِ والرّضا بما قسمَه اللهُ؟!
إنَّ إلهَ السَّماءِ أعظمُ وأجلُّ مِن أنْ يُقدِّرَ النِّعمَ على بهائمِ البشرِيَّةِ، ليَحرِمَ علماءَها ومُفكرّيها من تلكَ النِّعمِ!

إنَّ إلهَ السَّماءِ أنبلُ وأسْمى منْ أنْ يُقدِّرَ السَّعادةَ والسُّرورَ على بشرٍ، ليَبْتليَ غيرَهم بالألمِ والشَّقاءِ والأسَى!

إنَّ إلهَ السَّماءِ أعدلُ وأنصفُ مِن أنْ يُوزِّعَ العَطايا لأسوأِ خلْقِه، ليحرِمَ أنْقى وأطْهرَ مَن خلَقَهم مِن عطاياهُ وهداياهُ!!

إنَّ إلهَ السَّماءِ أقْوى وأمضَى مِن أنْ يمنحَ قوَّةَ التَّدميرِ للمُجرمينَ، ليكونَ الشُّرفاءُ والأحرارُ وقوداً لنيرانِ حِقدِهم ودناءَتِهم وخِسَّتِهم!!

إنَّ إلهَ السَّماءِ الّذي ملأَ الكونَ ضياءً ونوراً أحْكمُ مِن أنْ يُوزِّعَ نورَه على أفئدةٍ، ليحرِمَ غيرَها من ذلكَ النُّورِ، ويجعلَها تائهةً في ظُلماتِ الضَّلالِ!!

إنَّ إلهَ السَّماءِ الّذي أرسلَ الرُّسلَ ليَهديَ البشريَّةَ إلى الإيمانِ بوحدانيَّتِه وإقامةِ شرائعِه السَّماويَّةِ أعظمُ مِن أنْ يدعَ ثلاثةَ أرباعِ خلْقِه يَتيهُون في عبادةِ كلِّ ما هوَ دونَه!!

أمّا (الْجَهْلُ) في اللّغةِ، فهوَ ضِدُّ الْعَلَمِ وَقَدْ (جَهِلَ) مِنْ بَابِ فَهِمَ وَسَلِمَ وَ (تَجَاهَلَ) أَرَى مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِهِ. وَ (اسْتَجْهَلَهُ) عَدَّهُ جَاهِلًا وَاسْتَخَفَّهُ أَيْضاً. وَ (التَّجْهِيلُ) النِّسْبَةُ إِلَى الْجَهْلِ. (مختارُ الصّحاحِ- محمّدُ بنُ أبي بكرٍ الرّازي- تُوفي: 666هـ/1268م)، و(معجمُ لسانِ العربِ، لابنِ مَنظور).

والجهلُ اصطِلاحاً: هوَ انتِفاءُ العلمِ والمعرفةِ، أو نقْصُها، أو اعتِقادُ نقيضِ ما هوَ معروفٌ وصحيحٌ.. فالجهلُ هوَ مصطلحٌ يُطبَّقُ على ما هوَ منَ المفروضِ من العلمِ أنْ يتعلَّمَه الفردُ، ولكنّهُ يجهلُهُ أو يعْلمُ عنهُ القليلَ، أو يدَّعي معرفةَ ما هوَ خلافُ هذا العلمِ. وبناءً على ذلكَ يُمكنُني تقسيمُ الجهلِ إلى أنواعٍ، وقد اجتهدتُ رأيي في ذلكَ، ربَّما أُصيبُ وربَّما أُخطئُ، ولكنّي لا أقيمُ وزناً لأيّةِ لائمةٍ باطلةٍ، ما دمتُ أبحثُ بفكْري ووعْيي عنِ الحقائقِ.. وهذهِ الأنواعُ هيَ:

1-الجَهلُ التَّامُّ: هي ما يُقالُ عنِ الأفرادِ الّذينَ لا يعلمُون منَ الحقيقةِ أو المعلومةِ شيئاً.. وهذهِ السّمةُ نجدُها عندَ السَّوادِ الأعظمِ منَ البشرِ في كلِّ مجتمعٍ وفي كلِّ عصرٍ أو مرحلةٍ من مراحلِ تاريخِ الأممِ والحضاراتِ والدُّولِ.

2-الجهلُ البسيطُ: هو ما يُقالُ عنِ الأفرادِ الّذينَ يعلمُون جزءاً منَ الحقيقةِ أو المعلومةِ دونَ إحاطةٍ كاملةٍ بها.. وهذهِ أشدُّ خطراً منَ الأُولى، لأنَّ المعرفةَ الجزئيَّةَ تُشوِّهُ المعرفةَ الكلِّيَّةَ، ولا سيَّما إذا اقترنَتْ بفكرٍ مُسطَّحٍ لا يَرى مِن جمالِ الحياةِ غيرَ النَّهارِ وتَعْمى بصيرتُه عن إدراكِ جمالِ اللَّيلِ وما يُخْفيهِ من أسرارٍ.. ونقيضُ ذلكَ أيضاً صحيحٌ!!

3-الجهلُ المرکّبُ: هوَ ما يُعبّرُ عن الأفرادِ الّذينَ يعتقِدُونَ بشكلٍ جازمٍ معلُومةً معيّنةً بمَا لا تتَّفِقُ معَ الحقائقِ والوقائعِ.. وهوَ أشدُّ أنواعِ الجهلِ قُبحاً.. وهذهِ السِّمةُ أكثرُ ما نجدُها عندَ مَن يدَّعُون الثَّقافةَ أو مَن يَمتلكُون ثقافةَ الاجترارِ الّتي تقدِّمُها لهم أنظمةٌ ومؤسَّساتٌ علفاً يجترُّونَه آناءَ اللَّيلِ وأطرافَ النَّهارِ .. فهؤلاءِ همْ أخطرُ مَن يتهدَّدُ الوعيَ الحقيقيَّ للواقعِ والحياةِ.. وهؤلاءِ -وللأسفِ- همْ مَن وُضِعَت بردعةُ الثَّقافةِ على ظهورِهم في شتّى المنابرِ والمحاورِ!!

4-الجهلُ المصنَّعُ أو المؤسَّسُ (التّجْهيلُ): هو الجهلُ الّذي قد يتأتّى من الأهلِ أو الأصدقاءِ أو المجتمعِ أو الدَّولةِ، من خلالِ غرسِ المفاهيمِ الخاطئةِ وترويجِها على أنّها حقائقُ لا يعتريها ضلالٌ أو بهتانٌ، وتسْعى لترويجِها مؤسَّساتٌ عبرَ أحدثِ وسائلِ وطرقِ الإعلامِ والدّعايةِ والنشرِ بمبالغَ طائلةٍ، لو وُظِّفَت في الرُّقيِّ والتَّطوُّرِ والتَّنويرِ، لنهضَتْ أمَّةٌ بأكملِها منْ كلِّ أنواعِ جهلِها المقدَّسِ والمدنَّسِ بعدَ كبوةٍ طويلةِ الأمدِ.. لكنَّ هدفَها كان جليّاً في الوصولِ إلى صناعةِ عقولٍ مسطَّحةٍ لا تفْقهُ من الحياةِ غيرَ لذّةِ الطَّعامِ والشَّرابِ والنَّومِ!

5-الجهلُ المقدَّسُ هوَ مصطلحٌ جاءَ بهِ العالِمُ الفرنسيُّ (أوليڤييه روا Olivier Roy)، في كتابِه الشَّهيرِ (الجهلُ المقدَّسُ: زمنُ دينٍ بلا ثقافةٍ) الّذي يَرى أنّ الجهلَ المقدَّسَ ليسَ سِوى تقديسِ غيرِ المقدَّسِ، فثمّةَ معارفُ مقدّسةٌ، منها النُّصوصُ السَّماويَّةُ للأديانِ، كنُصوصِ القرآنِ الكريم، والتّوراةِ، والإنجيلِ.. أمّا غيرُ المقدّسِ، فهوَ كلُّ ما بُني على تلكَ النُّصوصِ من تأويلاتٍ وتفسيراتٍ وآراءٍ وأقوالٍ.. فدخلَتْ حيّزَ التَّقديسِ، وأضحَتْ في سُلَّمِ الحقائقِ الّتي لا يُمكنُ مناقشتُها أو الشَّكُّ أو الطَّعنُ فيها، فصارَت مُسلَّماتٍ مقدَّسةً.. وهَذا ما سمَّاهُ الكاتبُ جهْلاً مُقدَّساً.

6-الجهلُ الرَّاقي: وهوَ مَا نجِدُه عندَ الطَّبقاتِ الغنيَّةِ والمتْرفةِ وأبناءِ عليَّةِ القومِ وغيرِهم ممَّن منَحَتهم كفُّ الحياةِ عباءةً مزركشةً بالنِّعمِ المزيَّفةِ بعدَ أن كانُوا رعاةَ ماعزٍ أو قُطّاعَ طرقٍ. فغدَوا يتصنَّعُون حياةً غيرَ حياتِهم ومظاهرَ تُخْفي حقائقَهم وتُظهِرُهم على أنَّهم من عالمِ الملائكةِ، ومعظمُ هؤلاءِ قد نَسُوا ثقافةَ الجهدِ والكدّ، واستسلمُوا إلى ثقافةِ الرّفاهيةِ الّتي أعمَت بصائرَهم عن إدراكِ أو فهمِ ما يدورُ حولَهم أو يحيطُ بهم من وسائلِ الرّفاهيةِ، وهُم يُؤمِنون بما يفعلُون عن جهلٍ أستطيعُ وسمَه بالجهلِ الرّاقي، معَ أنَّ الجهلَ لا يمكنُ أن يَدخلَ أبوابَ الرُّقيِّ بأيِّ حالٍ من الأحوالِ.

7-جهلُ التَّقليدِ: هو ما نجدُه عندَ الصّغارِ والكبارِ وكلِّ شرائحِ المجتمعاتِ، أمّا تقليدُ الصِّغارِ فهو جهلٌ عفويٌّ يتجلّى في حبِّ الأطفالِ تقمُّصَ أدوارٍ غيرِ أدوارِهم بحركاتٍ تمثيليَّةٍ في مواقفَ طريفةٍ ومثيرةٍ سكنَت لبابَهم وجعلَتْهم ينطِقُون بها، وكأنَّها نابعةٌ من ذواتِهم وتجاربِهم.. وأمّا جهلُ الكبارِ في التَّقليدِ فيتجلّى في الخضوعِ التَّامِّ للعاداتِ والتَّقاليدِ والمفاهيمِ والثَّقافاتِ السَّائدةِ، دونَ أيَّةِ محاولةٍ في الخروجِ علَيها، أو التَّفكيرِ في تغييرِها، أو البحثِ في حقيقتِها ومطابقَتِها للمنطقِ أومَبدأ التَّطوّرِ والتَّغيُّرِ الّذي تشهدُه جوانبُ الحياةِ المختلفةُ، ومنهُ جهلُ التَّقليدِ الّذي نجدُه في المجتمعاتِ المتخلّفةِ بشكلٍ جنونيٍّ لكلِّ ما يفِدُ من الدّولِ المتطوِّرةِ من عاداتٍ أو ثقافاتٍ أو مظاهرَ، فيقعُ الكثيرُونَ من أفرادِ هذهِ الشُّعوبِ النّاميةِ في أسرِ التَّقليدِ لكلِّ ما هوَ قادمٌ من الخارجِ، على أنَّه تطوُّرٌ وتقدُّمٌ ورقيٌّ، وهُنا تكمُنُ الطَّامّةُ الكُبرى، إذْ لم تستطِعْ تلكَ الشُّعوبُ فهمَ تراثِها فهماً صحيحاً للارتقاءِ به، ولم تتمكَّنْ من فهمِ الغزوِ الفكريِّ وحقائقِه وأبعادِه.. ولعلّ أسوأَ ما نراهُ من تلكَ المظاهرِ التَّقليدُ الشّبابيُّ في اللُّغةِ ومظاهرِ الشَّكلِ والهندامِ وثقافةِ الاستهلاكِ، دونَ اهتمامٍ بالمضمونِ ولا محاولةٍ جادَّةٍ في فهمِ أنفسِهم أو واقعِهم، ومن هُنا نجدُ شريحةً واسعةً من هذهِ الفئةِ العمريّةِ لا تَفْقهُ شيئاً منَ الماضي، ولا تستوعِبُ غيرَ القُشورِ منَ الثَّقافةِ المعاصرةِ.

8-الجهلُ المرحليُّ: وهو الجهلُ الّذي يسودُ في مرحلةٍ زمنيّةٍ محدَّدةٍ، قد يتلاشَى بفعلِ عواملَ نهضويَّةٍ تأتي منَ الدَّاخلِ أو منَ الخارجِ.. وهذا الجهلُ قد يكونُ على مُستَوى الأفرادِ أو الأممِ، وقد يمتدُّ لأحوالٍ أو عقودٍ أو قرونٍ كما رأيناهُ في عصورِ أوروبّا الوُسْطى وأممٍ أخْرى حدَّثنا عنها التَّاريخُ الغابرُ، وأممٍ تتحدَّثُ عنها اليومَ حالةُ التَّخلُّفِ والتَّشرذُمِ والضَّعفِ والتَّبعيَّةِ والاحتلالِ.

9-الجهلُ التَّراكميُّ: هو الجهلُ الّذي ينشأُ بسيطاً، ثمَّ يتراكمُ معَ السِّنينَ ليُصبحَ سمةً عامَّةً تُميّزُ مجتمعاً أو مرحلةً، ويستمرُّ في التَّطوّرِ وسعةِ الانتشارِ دون أنْ تعتريَهُ أيّةُ عواملَ داخليّةٍ أو خارجيَّةٍ.. ولا أملَ في الشِّفاءِ منهُ خلالَ عصورِ متتاليةٍ، كمَا نراهُ في حالِ الأممِ الضَّعيفةِ الّتي تكالبَت عليها سائرُ الأممِ وأصبَحَت شعوبُها نياشينَ تجريبٍ لأسلحةِ الدَّمارِ المتطوِّرةِ.. وأضحَت ثرواتُها نهباً للطَّامعينَ حتّى من أراذلِ الأممِ.. يحكمُها رعاةٌ مسيَّرونَ بعصاً غليظةٍ من وراءِ المحيطاتِ والبحارِ.. وهم ليسُوا أكثرَ من جُباةٍ وحرَّاسٍ بأيدي هؤلاءِ!!

أمامَ مرآةِ المعرفةِ

إنَّ الحياةَ مُفْعمةٌ بالحقائقِ والمعارفِ والخبَايا والأسرارِ، ومُوشَّاةٌ بنسيجٍ معقَّدٍ منَ التَّناقضاتِ والصِّراعاتِ، لا يستطيعُ استِكْناهَ براقِعها غيرُ الفكْرِ النَّيّرِ المتحرِّرِ مِن الزَّخارفِ الجاهزةِ، من خلالِ التَّأمُّلِ والتَّفكيرِ والبحثِ والتَّحليلِ والمقارنةِ والمقاربةِ والمباعدةِ، إلى أنْ يَجْلوَ الحقيقةَ بأنصعِ صورِها وأمْضى معَانيْها!

ولنأخذِ الآنَ أيّةَ قضيَّةٍ إنسانيَّةٍ من قضَايا كوكبِنا الأرضيِّ المتمثِّلةِ بالتَّناقضاتِ الكُبْرى بينَ الفقرِ والغِنى، والعلمِ والجهلِ، والقوّةِ والضَّعفِ، والتَّقدُّمِ والتَّخلُّفِ، والرُّقيِّ والهمجيَّةِ.. ولنطرَحْها للنِّقاشِ أمامَ شرائحَ مختلفةٍ من البشرِ، سنجدُ مجموعةً كبيرةً من الآراءِ الّتي تتَصارعُ بينَ القناعةِ والرِّضا، أو الرَّفضِ والإنكارِ، وبينَ الجهلِ البسيطِ والكاملِ والمركَّبِ وغيرِها ممَّا ذكرناهُ سالِفاً، لأنّ كلَّ إنسانٍ له قناعاتُه وميولُه وأفكارُه، كما لكلِّ مرءٍ آفاقُه من المعرفةِ أو الجهلِ أو القناعةِ الّتي تنْطوي عليها تلكَ الآفاقُ..

وفي ميدانِ هذا النِّقاشِ، سنجدُ الأغلبيَّةَ السَّاحقةَ تؤمنُ بأنّ تلك التَّناقضُات لوحةٌ فسيفسائيَّةُ هبَطَت صورتُها من وحيِ السَّماءِ بقدرٍ من اللهِ بعدَ أنْ رُسِمَت في اللَّوحِ المحفوظِ، فلا مِراءَ فيمَا قدَّره اللهُ، ولهُ في هذا التَّقديرِ حِكمةٌ لا يعلمُها إلّاهُ.. وهُنا سندخلُ مع هؤلاءِ في صراعٍ جديدٍ قديمٍ، يكمُنُ في قضيَّةِ الصِّراعِ الفلسفيِّ (هل الإنسانُ مسيَّرٌ أم مُخيَّرٌ؟) وقد شغلَتِ المفكّرينَ والأدباءَ، فانقسمُوا إزاءَها فريقينِ، كلٌّ يسوقُ أدلَّتَه لإثباتِ حقيقةِ رأيِه، فهؤلاءِ حسمُوا الأمرَ ضمنَ قناعتِهم وإيمانِهم بمعرفةٍ أو دونَ معرفةٍ!!

ونجدُ في المقابلِ أناساً قد فهِمُوا جزءاً من حقيقةِ هذهِ الصِّراعاتِ والتَّناقضاتِ، دونَ إحاطةٍ كاملةٍ بجوهرِها ومسبِّباتِها وعواملِ نشوئِها، وهُنا تكمُنُ المصيبةُ، إذ تتصارعُ الأفكارُ بين آراءٍ عديدةٍ، قد تلمسُ جزءاً من الحقيقةِ، وقد تُجافي الحقيقةَ أيَّما مجافاةٍ، قد نجدُ دعوةً للإصلاحٍ، وقدْ نجدُ تبريراً ينمُّ عن جهلٍ مركَّبٍ، ولا نجدُ فهماً عميقاً وموقفاً شجاعاً يصفُ ويكشفُ وينظِّرُ، ويطرحُ حلولاً حقيقيَّةً لتلكَ المآسِي!

لكنَّنا سنقِفُ إزاءَ ذلكَ الموقفِ التَّسليميِّ بالقدرِ، وإزاءَ هذا الوعيِ المتّصارعِ، نتيجةَ قصورِ المعرفةِ، موقفَ الباحثِ والمحلِّلِ والمتأمِّلِ والمقارنِ، لنقولَ بكلِّ شفافيَّةٍ ووضوحٍ:
إنّ إلهَ السّماءِ الّذي خلقَ الكونَ العظيمَ بكلِّ مافيهِ من جلالٍ وبهاءٍ، ومن نعمٍ وعطاءٍ.. لا يمكنُ لمخلوقٍ بشريٍّ جاهلٍ أنْ يسِمَهُ بتلكَ التَّناقضاتِ، لأنَّ اللهَ جلَّ وعلَا عظيمُ الصِّفاتِ في القوَّةِ والجمالِ والحكمةِ والعدلِ والرَّحمةِ والمعرفةِ..

إنّ ما تعجُّ به الحياةُ من تناقضاتٍ وصراعاتٍ هيَ من آثامِ الإنسانِ وأنانيَّتِه وتجبُّرِه واستعلائِه وسطوتِه وطغيانِه.. هوَ مَن صنَعَ القبحَ والبشاعةَ والفقرَ والمجاعةَ، والجهلَ والتَّخلُّفَ، والتَّضخُّمَ والثَّراءَ الفاحشَ، والجريمةَ والقتلَ، والدَّمارَ والتَّدميرَ، والطُّغيانَ والوحشيَّةَ..

حينَما يسلِّمُ الجاهلونَ بأنَّ كلَّ هذهِ الصِّراعاتِ والتَّناقضاتِ هيَ قدرٌ من السَّماءِ، فهؤلاءِ همُ الجهلةُ الّذين يزيدونَ الحياةَ تخلُّفاً وفقراً وجهلاً، لأنّهم غيرُ قادرينَ على التَّفكيرِ والتَّأمُّلِ والتَّحليلِ والمقارنةِ بينَ دولٍ لا تملِكُ من ثرواتِ الأرضِ إلّا اليسيرَ، لكنَّها من أكثرِ دولِ العالمِ تقدُّماً وغِنىً ورقيَّاً، فقدْ هيَّأ اللهُ لها أشخاصاً أفذاذاً حرِصُوا على بلدانِهم حرصَهم على أنفسِهم، فنهضَتْ تلكَ البلادُ وأضحَت في سلَّمِ الأممِ العظيمةِ.. في حينٍ تخجلُ عيناكَ من تأمُّلِ دولٍ تمتلكُ أغْنى الثَّرواتِ وأكثرَها تأثيراً في الحياةِ، إذْ تجدُ شعوبَها من أفقرِ الدُّولِ وأكثرِها جهلاً وتخلُّفاً، لأنّ الّذين يتولَّونَ أمورَها مجموعةٌ من اللُّصوصِ والجهَلةِ والقتلةِ والتُّبَّعِ والعملاءِ..

فهلْ ذاكَ قدرٌ منَ اللهِ على تلكَ الأممِ لتعيشَ في أمنٍ وحرّيَّةٍ وسعادةٍ وكرامةٍ ونعمٍ وإنسانيَّةٍ؟! وهلْ هذا قدرٌ على أممٍ أخْرى لتَحْيا كالبهائمِ بلَا أمنٍ ولا حرّيّةٍ ولا سعادةٍ ولا كرامةٍ ولا إنسانيَّةٍ؟!

قدْ لا تكونُ أفْكاري منْ صميمِ معاجمِ القناعةِ وقواميسِ التَّلْقينِ في اللُّغةِ الوضْعيَّةِ، لكنَّها ربَّما تجِدُ خيوطَ نورٍ تصِلُ إلى أفهامِ ما فوقَ القناعةِ، فكلُّ القناعاتِ يُمكنُ أنْ تتهاوَى يوماً، كمَا تهاوَتْ نظريَّاتٌ واعتقاداتٌ، وأثبتَ العلمُ بالتَّجربةِ والبحثِ والاكتشافِ أنَّها كانتْ أوهَاماً في الفكرِ الفلسفيِّ والكهنوتيّ في بُرَهٍ منَ الزَّمانِ الغابرِ، وربَّما يتغيَّرُ الكثيرُ من الحقائقِ، ليكتشِفَ الآتونَ من بعدِنا أنَّها كانتْ كذلكَ أوهَاماً!

وأهمُّ حقيقةٍ أراهَا قدْ تبدَّلتْ في نظرِ الكثيرينَ، وأستطيعُ أنْ أصوغَها حكمةً: لم أعدْ أفهمُ لماذا بدأْتُ أشعرُ بأنَّ الإنسانَ أسوأُ المخلوقاتِ على الأرضِ؟!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى