الأحد ١٤ حزيران (يونيو) ٢٠٢٠
بقلم نوزاد جعدان جعدان

الوحش


تباً لهم....... تباً ........تباً ...........تباً ،،،،

نعم كيف تحتمل كل هذه الصفاقة دون أن تحتسي كأس نبيذ واحدة، كيف يتحملون رفع كل هذه الأعلام على أكتافهم برؤوسهم المقطوعة، و كيف لا يَضيعون وقد سرق هذا الوطن طريقهم وأمسى حزنهم لا مرئيا كالهواء، ربما الحشيش الذي يتعاطونه أقوى مفعولا من الدم الذي اعتادوا على شربه، ولكن كيف لي الجلوس معهم على طاولة واحدة وسط هذا السفع الذي خيم علينا، بأي "فرشخانة " ألملم كل ما يسقط في أحشائي وهم يحتسون النبيذ ويتابعون مباراة ريال مدريد، أي حشيش ينفع وأية كؤوس خمرة.

كنا ننام في غرفة واحدة لم تكن تتسع لأكثر من ستة أشخاص وبيننا ينسل الوطن نغطيه بلحافنا، ونحكي له قصصا كان قد نساها، نتكدس قرب بعضنا و نخاف على أصابع الوطن في الليل من أن يدوس عليها أحدنا وهو يتجه إلى بيت الخلاء . أي خلاء وخواء تركه هذا الوطن الذي عاملناه كطفل عابث وأي أصدقاء ترك لنا، نعم لم يكن بيتنا كالوطن، فأمّي لم تكن تغلق باب الثلاجة بالمفتاح كما كانت أمّهات الأصدقاء تفعلن، ولا أبي لم يكن يخبئ نقوده في محفظة بخزانة موصدة، كنّا نأخذ النقود من سترة بدلته المعلقة على مشجب وسط الغرفة متى ما نشاء، وفي الصباح حين لا يستيقظ الوطن معنا ويبقى يخذلنا كعادته بعد سهراته الماجنة، يقول لنا أبي كن كأي بحر عملاق يستجدي غيمة كبيرة كبيرة كي تعيد الحياة إلى قدميه و يمر بدون جناحين فوق رأس المدينة حتى لو ملأت وسادتك فقط رئة الهواء، واضحك على قدر ما تستطيع بصوت عالٍ حتى يتمزق قميصك البالي ويتجعد كل هذا الطين الناشف و اِصنع آلاف الطائرات الورقية كي يؤمن الأطفال في مدينتنا أن ما زال هناك طائرات مؤدبة، أنّى لنا كأبي بين آباء الأصدقاء.

وهكذا رافقني أسلوبهما كمفتاح البيت، لكن عندما هممت بادخال المفتاح في ثقب الباب بعد سهرة ماجنة اصطحبني إليها الوطن وعدنا متأخرين، تساقطت من الباب الكثير من حمّالات المفاتيح هكذا سريعا ... كتتابع صواريخ السكود على صدر المدينة، كانت الغرفة مظلمة جدا لا ضوء يتمدد تحت العتبة بعد عتمة متعبة، فقط وجوه وهياكل عظمية تضحك ولا يبدو منها سوى أسنانها في هذا الممر الطويل المظلم ، تفصدّت عرقا متهتها أمام درفة الباب وخرجت وأنا أضحك عاليا جدا .. بأعلى صوت ..وهكذا بدأت نوبة الضحك عندي ..

في المرة الأولى رموني خارج السينما وأنا أشاهد فيلما حربيا، والجريمة أنني أضحك بدون توقف هاهاهاهاهاهاها...نعم هكذا بل أوسع، ربما فمّي أوسع من فمك قليلا ، فابن عمي نورس كان يناديني بصاحب الفم الكبير ويشبهه ببالوعة الوطن وأنا أقول له الوطن ينام بيننا لا تسّبه سيغضب أبي، حتى جميع أسناني كانت ترنو لكل من يشاهد الفيلم في العتمة، نعم أضحك وأنا أشاهد جثة طفلة رضيعة يخرجونها من بين الأنقاض، كان الناس بجواري في نوبة بكاء طويلة وأنا الوحيد الذي يضحك حتى أشعلوا الأنوار وأنا ما زلت أضحك وأقهقه، رموني خارج السينما بعد ان أكلت ما فيه النصيب من لكمات وركلات و طيّارات " كفوف " و أنا غارق في الضحك.

أما المرّة الثانية، فكانت في عزاء ابن عمي نورس الذي مات بعد سقوط قذيفة على بيته، فخرج مع أولاده جثة متفحمة، حين سمعت نبأ وفاته ضحكت طويلا كنورس جائع أمام بحر ناشف وفجأة انكسر أمامه حوض أسماك زينة بيد طفل غرق في البكاء، وصلت إلى العزاء وأنا أرتدي ثيابا زهرية وربطة عنق خمرية، كل من في العزاء نظر إلي شزرا، ولكني ما إن وصلت حتى اعترتني نوبة الضحك هكذا ههههههههههههههههههههههه وأنا أقول لهم ابن عمنا هذا في بيته الصغير كقن دجاج أصبح عنده شرفة أخيراً.. نعم تخيّلوا كان حلمه طوال حياته أن يكون في بيته شرفة يطل فيها على المدينة أو احتساء كوب قهوة مع زوجته عليها، والآن حقق له الوطن حلمه شرفة دائرية صناعة محلية بامتياز ليس صنع في الصين ولا اليابان كالبضائع التي كانت تغزو أسواقنا، أرأيتم صناعتنا نحن أشهر الصنّاعين، ضحكت طويلا حتى طردوني وبعد أن أكلت ما فيه النصيب مما قلته لكم سابقا .. آخرها طيّارات. .

بعد خروجي هكذا وأنا أضحك، و الدماء تنزّ من جسدي راق لي منظرها، شهيّة!، ففتحت شهيتي واتجهت إلى مطعم مظلاته حمراء هذا المطعم جذبني للجلوس مطولا لون مظلاته تعجبني مع أنهم يضعون اللون الأحمر كي لا يطيل الزبون المكوث فيه لذا سميت بمطاعم الوجبات السريعة ، وقفت أمام النادل وأنا أضحك طلبتُ منه وجبة كبيرة مع الكثير من الكاتشب وقلت له أن يدير المحطة على قناة إخبارية تناسب شهيتي الدموية، بدأت بوضع الكاتشب على اللحم وأنا أتابع تحليلاً إخبارياً لعمليات الإبادة التي حدثت في حارتنا وغرقت مرة أخرى في نوبة الضحك الشرسة تلك كههههههههههههه حين عرضوا مشاهد لزوجة ابن عمي نورس والدم يملأ وجهها وهي تحضن أولادها الموتى.. ضحكت وأنا أشاهد جمال الموتى الحلوين ...ما أحلى موتكم وما أجمل ضحكي ...و كالمرة الأولى والثانية أكلت ما فيه النصيب وآخرها الطيّارات ..

هذه المرة كانت مختلفة جدا ، إذ لم أدخل صالة سينما أو مطعم بل تسكعت في الشارع طويلا، الشارع الذي يكتظ بصورة الوحش وهو يتبول على الغابة، وقفتُ تحت الصورة المعلقة في كل حارة من المدينة وأنا أضحك بأعلى صوتي ها هههه كهه هنا لم أجد نفسي في غضون دقائق أو أقل إلا مرميا في العتمة، ولكني ما زلت أضحك، كهيكل عظمي لا يبدو منه إلا أسنانه، كوحش لم يعد يستمتع لا بالشمس ولا بالقمر بعد أن قطعوا كل أشجار غابته، هكذا لم يعد يؤلمه شيء فقط يضحك حتى لو قطعوا كل أشجار العالم أو مزّقوا جسده بألف طلقة سسيبقى هذا الوحش يضحك ويضحك حتى تمتلأ عيناه بالدموع، ربّما وقتها فقط تنظف كل الغبار الواقف أمام غابته وربما تحيلها وحلاً أو تدفن الأزهار فيه.. من يدري ........ولكن سيظل يضحك في عتمته كوعل لا يعرف الوجل أمام هذا العالم المجنون الذي لا تهطل فيه الأمطار إلا بعد احتراق الغابة..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى