الأربعاء ٢٣ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٨
بقلم حسين أبو سعود

تأليب الدين على التدخين والمدخنين

أذكر كيف كان التدخين يوما لا يضر بالصحة حيث كانت علب السجائر لا تحمل التحذير المخيف بالتسبب بالسرطان، وعندما أدركت الحكومات خطورة الوضع ألزمت منتجي السجائر بكتابة التحذير على علب السجائر وهو تحذير لم يؤد الغرض إلا بنسبة ضئيلة، كما أذكر كيف كان المسافرون يدخنون داخل الطائرات في أعالي الجو، ثم تحولت شركات الطيران إلى تخصيص بعض المقاعد الخلفية للمدخنين حتى توجهت إلى منع التدخين مطلقا على رحلاتها وصارت تستخدم ذلك للدعاية بأنها لا تسمح بالتدخين على رحلاتها للترغيب إلى اختيارها حتى صار الناس يرغبون في الناقل الجوي الذي لا يسمح بالتدخين.

وهاهي دولة عظمى مثل بريطانيا قد منعت التدخين في معظم الأماكن ولا سيما المطارات ومحطات القطار، فيما قامت فرنسا بالإعلان عن منع التدخين في الأماكن العامة، لتوجه ضربة قاصمة نحو هذه العادة السيئة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو متى تقوم المرجعيات الدينية الإسلامية بعمل ثوري موحد بإصدار فتوى موحدة بتحريم التدخين إلى الأبد وبأثر رجعي باعتباره من الخبائث ولا يمكن لذي عقل أن يصنف التدخين ضمن الطيبات مطلقا، وأعني بالمرجعيات الدينية السنية والشيعية معا وكذلك الزيدية والاباضية وجميع أهل القبلة، لأن المسئولية مشتركة أمام الله والتاريخ والأجيال، على أن موقف علماء نجد والحجاز معلوم من هذه القضية وهو التحريم، وكان التدخين يعتبر من العادات الاجتماعية المنبوذة في منطقة القصيم مثلا، وقد آن الأوان أن ينتهي الخلاف على حرمة التدخين بعد أن زال الخلاف على ضرره الكبير وما صرح به أهل الاختصاص بهذا الخصوص وصار تأثيره لا يقتصر على البشر بل حتى على الأجنة التي في الأرحام، كما يجب على رجال الدين وأهل العلم أن يقلعوا رأسا عن التدخين إذا كانوا قد ابتلوا به إذ لا يليق بهم أن يدخنوا أمام الملأ باعتبارهم قدوة للآخرين، وما عهد تحريم التنباك ببعيد عن الذاكرة عندما اقلع من كان في البلاط الشاهنشاهي عن التدخين عندما أفتى الشيرازي الكبير بحرمة التنباك وباليته كان باقيا على فتواه بعد زوال السبب.

وقد تحذوا الحكومات الإسلامية حذو فرنسا بدعوة من علماء الدين فتحرم التدخين في الأماكن العامة وتجرمه وتمنع بيعه لصغار السن كمرحلة اولى وعليها أن لا تعبأ بما تحققه من فوائد مالية بهذا الخصوص.
لان الخسارة المتوقعة أكثر من الأرباح المتحققة لا محالة.

أقول قولي هذا لنحافظ على صحة شبابنا وان يعيش كهولنا شيخوخة سعيدة خالية من الأمراض، وحتى لا يقال بأن علماء الدين المسلمين لم يلعبوا دورا في هذا المضمار، فالتدخين لعنة وعلينا إنقاذ اكبر عدد ممكن من الشباب والمراهقين من الجنسين من الوقوع بين براثن هذا الشيطان الفتاك الذي ثبت أنه يمهد الطريق أمام الوقوع في جحيم المخدرات أيضا.

وقد سمعت بأن أحد كبار العلماء كان يدخن بشراهة ولكنه عندما تصدى للقيادة أقلع عنها دفعة واحدة في إثبات باهر لقوة الإرادة قائلا بأنه لو لا يستطيع كبح جماح نفسه فلا يجدر به أن يقود الناس.

وأدعو بعض العلماء الذين أصدروا فتاوى بتحريم التدخين ابتداء إلى مراجعة فتاواهم وإعادة إصدارها بتحريم التدخين ابتداء وانتهاء ويمنعوا طلبة العلم بأمر عام حازم من التدخين لا سيما وانه إضرار بالصحة والمال والبيئة، ولا أظن بان هناك من العلماء من يعتبر التدخين من المستحبات فهو إن لم يعده حراما يعده مكروها لا محالة، على أني لست متفائلا من موقف الحكومات في الدول العربية والإسلامية من هذا الأمر لأنها لم تفعل شيئا بعد أمام التلوث الكبير الذي تشهده أجوائها بفعل الأدخنة الضارة المنبعثة من السيارات، وانتشار مادة الرصاص السامة في الجو مما زادت من حالات الربو وسودت المبان بفعل الدخان.

ألا فهل تتصدى المرجعيات الدينية للتدخين كما فعلت المرجعية السياسية لدولة فرنسا ؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى