السبت ٣٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢١
بقلم رامز محيي الدين علي

طرائفُ حرَّاسِ القوقعةِ

القوقعةُ وما أدراكَ ما القوقعةُ! مملكةٌ كبيرُ الشَّياطينِ (بعلزبول) يقودُها، وبدهاءٍ زوجتُه (فينوموس) تُديرُها، ويُنفِّذُ نفرٌ من الأبالسةِ أوامرَها، لا يحملُون ذرَّةَ كرامةٍ أو خلّةً من أخلاقِ أبي جهلٍ أو أمثالَها، أمّا سكّانُ القوقعةِ فحدِّثْ ولا حرجَ.. صِنفٌ يعشقُ الدَّيجورَ ويخْشى النُّورَ، وصنفٌ آثرَ نقيقَ الضَّفادعِ بلا نغمٍ، وصنفٌ يَهوى مكْرَ الثَّعالبِ فيقتاتُ بالحيلةِ والدَّهاءِ، وصنفٌ رضعَ حليبَ الذِّئابِ شيمتُه الغدرُ، وصنفٌ استسلمَ لمِبضعِ الجزَّارِ فلا يملكُ حرّيّةَ القرارِ.. وأصنافٌ لم يرِدْ ذكرُها لا في مقدِّمةِ ابنِ خلدونَ ولا في متونِ كتبِ التَّاريخِ والاجتماعِ، ولا في مؤخِّرةِ ابن جدعُون.. وفي مقدِّمتِهم حرَّاسُ القوقعةِ الّذين يبيعونَ كلَّ أسرارِ القوقعةِ بحَفنةٍ من أخسِّ العُملاتِ!
في هذهِ المقالةِ أضعُ نصبَ أعيُنِكم قصَّةً من قصصِ حرَّاسِ القوقعةِ تلخِّصُ عقليَّةَ ذلكَ الصِّنفِ من الأوباشِ الّذينَ بأيديْهم مفاتيحُ أمنِ القوقعةِ وفي قبضتِهم شتّى أنواعِ الأسلحةِ الّتي توجَّهُ إلى صدورِ الأبرياءِ والفقراءِ حينَما يعجزُون عن دفعِ صكِّ الرَّشوةِ على حواجزِ القوقعةِ، كما أنّها موجَّهة إلى صدورِ كلِّ مَن لا ينعقُ نعيقَ الغربانِ، أو لا يحملُ مصَّاصةَ اليانسونِ الّتي صارتْ شعاراً وطنيّاً أو وثيقةَ سفرٍ بعدَ أنْ عجزتْ القوقعةُ عن منحِ سكَّانِها بضعَ وُريقاتٍ تُثبتُ محتدَ الانتماءِ إلى مملكةِ القوقعةِ!

السيّاراتُ أمامَ الحاجزِ.. كلُّ سائقٍ بيدِه هويَّتُه وشهادةُ القيادةِ وبينَهما صكُّ الرَّشوةِ، كلُّ شيءٍ يُمكنُ أن يمرَّ عبرَ الحاجزِ.. الأسلحةُ والمخدِّراتُ وكلُّ ما حرَّمَتهُ شرائعُ السَّماءِ تحتَ وطأةِ خدرِ الضَّميرِ برؤيةِ بريق ِالصّكِّ بينَ الأوراقِ الثُّبوتيَّةِ المُهترئةِ.

كلُّ وسيلةِ نقلٍ تخضعُ للتَّفتيشِ حسبَ الرَّشوةِ.. وحتّى الحميرُ المحمَّلةُ ببضاعةِ الباعةِ هيَ كذلكَ رهينةُ التّفتيشِ والبحثِ في سروجِها وصَّناديقِها المتربِّعةِ فوقَ بردعِها، ومثلُها حميرُ الحراثةِ الحديثةِ (العزَّاقات) الّتي حوَّلَها سكَّانُ القوقعةِ إلى آلةٍ شيطانيَّةٍ تحرثُ الأرضَ حينَما تستنهِضُ الحراثةُ هممَ الحراثةِ، ووسيلةٍ لنقلِ البضائعِ والرُّكّابِ، بعدَ أنْ وضعَ صاحبُها يافطةَ النِّعمةِ والتَّرفِ والبطولةِ (مِيلي علَى ميّالِك.. أبو حسنْ خيّالِك) أوالخرزةَ الزَّرقاءَ وتحتَها عبارةٌ لردِّ حسدِ عيونِ الحاسدينَ (الحَسُود لا يسُود.. أو هذا منْ فضلِ ربّي)، وآلةٍ لرشِّ المبيداتِ على الأشجارِ المُثمرةِ والخضراواتِ، وربّما يفكّرُ سكّانُ القوعةِ في تحويلِها إلى آلةٍ تقومُ بكلِّ مهامِّها دونَ قائدٍ يتولّى قيادتَها.

وأمامَ هذا المشهدِ الدراميِّ الفانتازيِّ يتقدَّمُ صهريجُ بترولٍ بعدَ أن أصبحَ خاوياً من حمولتِه، ويقفُ على الحاجزِ.. فرصةٌ ذهبيَّةٌ لحرَّاسِ الحاجزِ.. صهريجُ بترولٍ! وعيونُهم تحلمُ بليترٍ واحدٍ منهُ أو بشمِّ رائحتِه بعدَ أن أعمَى بصائرَهم دخانُ الحروبِ والحرائقِ ومدافئِ الحطبِ الشتويّةِ الّتي أتتْ على مساحاتٍ واسعةٍ من الغاباتِ والأشجارِ المثمرةِ!

يقفزُ أحدُ حرَّاسِ الحاجزِ مُعتلِياً ظهرَ الصِّهريجِ، وبيدِه ولّاعةُ سجايرَ بعدَ أن حلَّ الظَّلامُ، يفتحُ غطاءَ الصِّهريجِ يريدُ أن يستكشِفَ مستوياتِ البترولِ أو يتفقَّدَ محتوياتِه، وهُنا يهبطُ إلهامُ العباقرةِ إلى ذهنِ الحارسِ على مبدأ (الحاجةُ أمُّ الاختراع) بعدَ فقدانِ كلِّ مقوِّماتِ الحياةِ من ماءٍ وكهرباءَ وغيرِهِما، فيُولِجُ رأسَه ويدَه في الصِّهريجِ، ويُوقدُ الولَّاعةَ؛ ليَرى المحتوياتِ، لكنَّ الصِّهريجَ كان أسرعَ وأمضَى لنفضِ كلِّ محتوياتِه في وجهِ الحارسِ، فأعلنَ عن انفجارِه أمامَ غباءِ الحارسِ الّذي حلَّقَ في الفضاءِ، ثمَّ تساقطَ كأوراقِ الخريفِ أشلاءً على النَّهر المجاورِ للحاجزِ، وطارَ الحاجزُ من مكانِه إلى عالمٍ آخرَ ليسَ فيهِ أيَّةُ حواجزَ، وفي الحالِ اجتمعَت قِوى الأمنِ وصدرَ التَّقريرُ (إنّه عملٌ مدبَّرٌ نفَّذهُ الإرهابيُّون).


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى