الاثنين ٣ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٢
بقلم رامز محيي الدين علي

فلسفةُ الحبِّ عندَ نعيمةَ

يستعرضُ نعيمةً بعضَ الأقوالِ الشَّائعةِ حولَ مفهومِ الحبِّ في أدبِنا العربيِّ فصيحِه وعامِّيِه، ويرى ثمَّةَ ما يماثلُها في الآدابِ الأخرى، وكلُّها تؤدّي المغْزى ذاتَه، وهو أنَّ الحبَّ يُعمي المحبَّ عن كلِّ سيِّئاتِ المحبوبِ، حتّى يُحيلَ السَّيِّئةَ إلى حسنةٍ والبشاعةَ إلى جمالٍ، ومن هذهِ الأقوالِ الّتي أوردَها من العربيَّةِ:

• الحبُّ أعْمى. عينُ الحبِّ عمياءُ. القردُ في عينِ أمِّه غزالٌ. أحبُّ حبيْبي وإنْ يكنْ عبداً أسودَ.
وأنا أوردُ بعضَ ما جاءَ في أقوالِ العربِ ممّا لم يذكرْه نعيمةُ:
• إذا كانَ الحبُّ يُعْمي عنِ المساوئِ، فالبُغْضُ يُعْمي عنِ الحقائقِ والمحاسِنِ. الجاحظ
• الحبُّ يُحْدِثُ عَمى القلبِ عنْ عيوبِ المعشُوقِ. عبّاس حلمي محمّد
• حبُّك الشّيءَ يُعمي ويُصِمُّ. من أقوالِ العربِ.
أمّا في الآدابِ الأخرى فنَرى ما يماثلُها من أقوالٍ ممّا لم يذكرْها نعيمةُ تجنُّبا للإطنابِ، ولكنّني أوردُها إثراءً للبحثِ، وهي نتاجُ قوّةِ الحبِّ في جاذبيَّتِه وتأثيرِه في المحِبِّ، فقدْ يُعْمي القلوبَ عن رؤيةِ ما في العقولِ، فلا يَرى الحبيبُ في محبوبتِه إلّا الجمالَ، مهْما كانتْ نظرةُ الآخرينَ وآراؤُهم مختلِفةً، ومن هذهِ الأقوالِ:
• الحبُّ هوَ عملُ حسٍّ عنْ إدراكِ عيوبِ المحبوبِ. أرسطو طاليس
• إنَّ الحبَّ أَعْمى؛ لأنَّهُ يَكْرهُ النُّورَ، ويَعيشُ في الظَّلامِ. نابليون بونابرت
• إنَّ الحبَّ أعْمى، حتَّى يَستدِرَّ عطْفَ أكبرِ عددٍ منَ المحبِّينَ. شاتو بريان
• إنَّ الحبَّ أعْمى؛ لأنَّهُ ضلَّ الطَّريقَ لكيْ يُصبِحَ زواجاً. لامارتين
• الويلُ للنَّفْسِ الّتي استَوْلى علَيها جيشُ الأكْدارِ ورسولُ الأحزانِ منْ جرَّاءِ سَقْطةِ الحبِّ العمْياءِ. فيكتور هيجو
• منْ عجائبِ الحبِّ.. أنْ يُعْميَ الحبيبَ، فيَقْبلُ حبيبَهُ بمَزاياهُ ونقائِصِه. هارشا أورجلر
• إنَّ الحبَّ أعْمى، وليسَ أَرْوعَ وألذَّ للمِحِبِّ منْ ملاحظةِ الغَيْرِ لهُ. تورجينيف
• للحبِّ مَزيَّةٌ هيَ واسِطةُ العِقْدِ.. ودرَّةُ التَّاجِ الّتي يُفسِّرونَها بقولِهم: عينُ الحبِّ عَمْياءُ. جول دي كاستيل
• مِنْ عَمى الحبِّ: أنْ تَنظُرَ الفتاةُ إلى الّذي تُحِبُّه كأنَّهُ أميرٌ بينَ الرِّجالِ.. ولوْ أنَّ مَظْهرَهُ وجوهرَهُ لا يستَحِقَّانِ وصفَهُ. فرجينيا فاندواتر

من الأقوالِ السَّابقةِ عربيّةً وأجنبيّةً نرى أنّها تؤكّدُ على مزيَّةٍ رائعةٍ تُخْفي عيوبَ الحبيبِ وتُبدي عنها المحاسنَ، وتجعلُ من الحبيبِ آيةً من آياتِ الجمالِ دونَ مبالاةٍ بنظراتِ الآخرينَ،
لكنّ نعيمةَ في نظراتِه الثَّاقبةِ يَنفي أيَّ عمىً حقيقيٍّ عنِ الحبِّ، ويعدُّ ذلكَ ضرباً من الوهمِ؛ لأنَّ الحبَّ في رأيِه سحرٌ ونورٌ يبدِّدُ الظُّلماتِ، ولو كانَ الحبُّ أعمَى لمَا أبصرَ المُحبُّ جمالَ الحبيبِ: "وهل ذلكَ من العمَى في شيءٍ، إنَّه السِّحرُ بعينِه. وإنَّهُ النُّورُ الّذي يبدِّدُ الظُّلماتِ. فهوَ أبعدُ ما يكونُ عنِ العَمى، كما نفهمُ العمَى، وأجدرُ ما يكونُ بالدَّهشةِ الّتي تُثيرُها الخوارقُ لا بالشفقةِ الّتي يبعثُها فيْنا منظرُ كفيفٍ يستدلُّ على طريقِه بعصاهُ.".

ولكيْ يوضِّحَ نعيمةُ مفهومَ العمَى في الحبِّ، نراهُ يقسِّمُ العمَى إلى نوعينِ، عمىً يحجبُ النُّورَ، وهو محنةٌ وبليَّةٌ، وعمىً يحجبُ الظُّلمةَ فهوَ عطيَّةٌ سنيَّةٌ، وينسبُ عمَى الحبِّ إلى النَّوعِ الأخيرِ الّذي يحجبُ النَّقائصَ.

وما يؤكِّدُ رأيَ نعيمةَ أقوالٌ أستمدُّها منَ الآدابِ الأخْرى تؤكِّدُ أنَّ الحبَّ ليس أعْمىً، وإنّما هو عينُ البصيرةِ الّتي تكشفُ المحاسنَ من وراءِ الحجُبِ، وتتلمَّسُ الجماليَّاتِ بالتَّوافقِ في الميولِ والثَّقافةِ والأهدافِ المختلفةِ، وقد تكونُ العاطفةُ عمياءَ، لكنَّ الحبَّ ليس بأعمىً:

• إنَّ الحبَّ ليسَ أعْمى كمَا يَزعمُون، بلْ بالعكسِ، فإنَّ الحبَّ وحدَهُ يَقدِرُ أنْ يَرى الحقيقةَ. فرانك كراين
• إنَّنا نُحِبُّ جيِّداً، وعُيونُنا مُغْمَضةٌ.. فمَا فائدةُ فتْحِها. أدولف دويتو
• قدْ تكونُ العاطِفةُ عمْياءَ.. أمَّا الحبُّ فمِنَ الكذبِ والبُهتانِ أنْ نصِفَه بالعَمى. دافيز
• نحنُ لا نُنادي بالحبِّ الأعْمى الّذي يُنادي بهِ الكثيرُونَ.. إنَّما نُنادي بِحبٍّ بصيرٍ مُبْصِرٍ يتمُّ فيهِ التَّوافقُ في الميولِ والثَّقافةِ والتَّقْوى والأهدافِ المختلِفةِ. فؤاد باسيلي

ويرى نعيمةُ أنَّ الحبَّ أنبلُ وأسْمى وأقْوى أنواعِ العواطفِ الّتي يختلجُ بها القلبُ البشريُّ؛ لأنَّها تُخرجُ العجائبَ، ويُعلِّلُ رأيَه بأنَّ الحبَّ إذا ما تربَّعَ في القلبِ وبثَّ أنفاسَه في نياطِه وشغافِهِ، استطاعَ في طُرفةِ عينٍ أن يعبثَ بالنَّاسِ وتقاليدِهم وبالطَّبيعةِ وسُننِها على هواهُ حينَما يَرى القردَ غزالاً، ويُحيلُ القُبحَ جمالاً والضَّعفَ قوَّةً والبعدَ قُرباً.. "فالعليلُ يَبرأُ، والقبيحُ يَجْملُ، والضَّعيفُ يَقْوى، والقَصيُّ يدنُو.. والمحدودُ يغْدو بغيرِ حدودٍ. وإذا الأبديَّةُ لمحةٌ واللَّمحةُ أبديَّةٌ. وإذا الفضاءُ بكلِّ ما فيهِ سريرٌ دافئٌ وثيرٌ. فالزَّمانُ والمكانُ كلاهُما عبدٌ طيِّعٌ للحبِّ ومطيَّةٌ ذلُولٌ.".

ويقارنُ نعيمةُ بينَ كيمياءِ الحبِّ وكيمياءِ المختبراتِ من حيثُ قوَّتُها وتأثيرُها، فيَرى أنَّ كيمياءَ المختبراتِ فشِلَتْ في تحويلِ المعادنِ الرَّخيصةِ إلى معادنَ ثمينةٍ، ولم يُفلِحِ العلماءُ في ذلكَ حتّى اليومِ، أمّا الحبُّ فقد استطاعَتْ كيمياؤُه أنْ تجعلَ منَ الصَّعاليكِ ملوكاً، ومنَ الشَّياطينِ ملائكةً، ومنَ الأنذالِ أبطالاً، ومن سُلالةِ آدمَ وحوَّاءَ آلهةً خليقينَ بالتَّسبيحِ والعبادةِ: "إنَّ سحرَ الحبِّ يَفوقُ كلَّ سحرٍ. وكيمياؤُه أينَ منْها كيمياءُ الأنابيقِ والغازاتِ في المُختبراتِ؟.. إنّما الحبُّ وحدَهُ - تباركَتْ كيمياؤُه - يملكُ السِّرَّ في تحويلِ الإنسانِ إلى ما فوقِ الإنسانِ. والحبُّ وحدَهُ - تَباركَ سحرُهُ - يملكُ المفتاحَ إلى قدسِ أقداسِ السَّعادةِ الّتي يَنشدُها الكلُّ، فلا يلمحُونَ وجهَها الإلهيَّ إلّا في لحظاتٍ نادراتٍ هيَ من العمرِ زُبدتُه ولبابُه، ونارُه ونورُه. وما تبقَّى فرغْوةٌ وقشوةٌ. وحطبٌ ورمادٌ.".
وفوقَ كلِّ ذلك فإنَّ الحبَّ مرآةٌ صافيةٌ تعكسُ المحبوبَ صافياً لا تَشُوبُه شائبةٌ، ولا يكدِّرُ نقاءَه كدَرَ، فإذا بالمحبوبِ فتنةٌ وروعةٌ وجمالٌ وجلالٌ، وليس مخلوقاً من عظْمٍ ولحمٍ ودمٍ يأكلُ ويشربُ، فهو النِّصفُ الآخرُ المكمِّلُ لذاتِنا والكيانُ المتمِّمُ لكيانِنا: "وإذا بهِ فتنةٌ وروعةٌ وجلالٌ وطعامٌ وشرابٌ لا تستقيمُ لنا بدونِها حياةٌ. فهو الكيانُ المتمّمُ لكيانِنا. هو الحياةُ في حياتِنا، والرَّجاءُ في رجائِنا، والإيمانُ في إيمانِنا. به نكتملُ ونَخلُصُ. وبدونِه نبقى ناقصينَ ونهلكُ. به نحْيا وبدونِه نموتُ. به الوجودُ حلاوةٌ وهناءةٌ. وبدونِه حسكٌ وحنظلٌ.".

ولكنَّ الحبَّ سرعانَ ما يَخبُو ويندثرُ عندَ أكثرِ النَّاسِ اندثارَ الثَّلجِ أمامَ أشعَّةِ الشَّمسِ، فيتحوَّلُ الحبُّ إلى ذكْرى وتتغيَّرُ صورةُ المحبوبِ عندَ المحبِّ، فإذا بالبياضِ النَّاصعِ يتلاشَى، وتنكشفُ عوراتُ الطَّبيعةِ بأوحالِها وأحجارِها وأشواكِها، وإذا بالمحبوبِ عظمٌ ولحمٌ ودمٌ تتحكَّمُ فيه الشَّهواتُ والأهواءُ، وهُنا تتعرَّى السَّيِّئاتُ والعيوبُ وتذوبُ المحاسنُ والمحامدُ، وتتَعالى الشَّكوى وينهمرُ التَّذمُّرُ، وترتفعُ البراقعُ، وتنبثقُ المعايبُ، وينْجلي ضبابُ العَمى، ويُشرقُ نورُ الحقيقةِ أمامَ العينِ الرَّمداءِ: "إلّا أنّ الحبَّ لا يدومُ. فمَا إنْ يُشرقُ حتَّى يغربَ. وما إنْ يحلُّ في القلبِ حتّى يرتحلَ. فيَمضي وكأنَّه الطَّيفُ في المنامِ. وتأْتي اليقظةُ فلا يَبقى من الحبِّ غيرُ الذِّكرى. وإذا المحبوبُ عظمٌ ولحمٌ ودمٌ تتحكَّمُ فيها الشَّهواتُ البشريَّةُ بعديدِ أصنافِها..".

فهلِ الحبُّ أعْمى يومَ أحبَبْنا، فلم نُبصرْ إلّا الجمالَ والفتنةَ، أم أنَّ الّذينَ أحبُّوا لم يُدركُوا فلسفةَ الحبِّ الحقيقيِّ، فكانَ حبُّهم مبنيَّاً على الوهمِ ومُلطَّخاً بأدرانِ الأنانيَّةِ والشَّهواتِ، وفي ذلكَ يصحُّ أن نقولَ إنَّهم عُميانُ كما يرى نعيمةُ، ولا يمكنُ أن يكونُوا مُبصرينَ إلّا متى أحبُّوا حبَّاً لا شرَكَ فيه ولا التواءَ، فهم إذ ذاكَ مُبصرونَ.

ويحمّلُ نعيمةُ هؤلاءِ النَّاسَ الذَّنبَ كلَّهُ حينَما يشْكُون من اندثارِ الحبِّ من قلوبِهم وانكشافِ المساوئِ وتلاشي المحاسنِ، ويَرى أنَّ الحبَّ من هؤلاءِ براءٌ؛ وذلكَ لأنّ الحبَّ سيِّدٌ مطلقٌ لا يُطيقُ فوق سيادتِه سيادةً: "أمّا أنَّ حبَّهم لا يُقِيمُ العمرَ، ولا يتألّقُ حتّى يخبُوَ فالذَّنبُ في ذلك ذنبُهم. والحبُّ منهُ براءٌ. ذلكَ لأنَّ الحبَّ سيِّدٌ مُطْلقٌ لا يُطيقُ فوق سيادتِه سيادةً.. ولأنّه سيِّدُ الزّمانِ والمكانِ تراهُ إذا احتلَّ قلباً ولو لحْظةً أو لحظاتٍ قصيراتٍ جعلَهُ أفسحَ من الأرضِ والسَّماءِ، وأعْتقُ من الأزلِ، وأفْتى من الأبدِ. هو الطَّريقُ والدَّليلُ. وهو الغايةُ والواسطةُ والبدايةُ والنّهايةُ.".

ويشبِّهُ نعيمةُ هؤلاءِ النَّاسَ الّذينَ يدَّعونَ الحبَّ بالأطفالِ العابثينَ، فهُم لا يكادونَ يشعُرونَ بدبيبِ الحبِّ في قلوبِهم حتّى تراهُم يعبثُون به فيُسخِّرُونهُ لشهواتِ اللَّحمِ والدَّمِ، وتارةً يحبِسُونَه في أقفاصِ غاياتِهم الأرضيَّةِ والزَّمنيَّةِ، وتراهُم إذ ذاكَ يَعجبُون كيفَ تبخَّرَ الحبُّ من أفئدتِهم فكانتْ حلاوةُ الحبِّ السَّماويَّةُ الّتي تذوّقُوها مجرّدَ حلمٍ أفْضَى إلى نهايةٍ مأساويَّةٍ قاسيةٍ، ولو أنَّ الّذين يَندبُون حبَّهم المرتحِلَ وخيبتَهم الباقيةَ فتَّشُوا قلوبَهم وأفكارَهم، وغربلُوا نيَّاتِهم وأعمالَهم، لأدركُوا إذنْ أنَّ الحبَّ ما ارتحلَ عنْهم إلّا لأنّهم ما أحسنُوا فهمَه والامتِثالَ لهُ: "إلّا أنّ النَّاسَ أطفالٌ عابثُون. فما يكادُ واحدُهم يُحسُّ دبيبَ الحبِّ في دمِه حتّى يروحَ يعبثُ بالحبِّ. فحيناً يُسخِّرُه لشهواتِ لحمِه ودمِه. وحيناً يحاولُ حبسَه في أقفاصِ غاياتِه الأرضيَّةِ والزَّمنيّةِ. ثمَّ يعجبُ للحبِّ كيفَ تبخَّرَ، ومن أينَ أفلَتَ وطارَ..".

ولكيْ يعزِّزَ نعيمةُ نظريَّتَه في أنَّ الحبَّ ليس أعْمىً وأنّ الّذينَ أحبُّوا ثمّ سرعانَ ما تلاشَى الحبُّ من قلوبِهم همُ العميانُ، نراهُ يسلِّطُ النُّورَ على الدَّياجيرِ الّتي تُحيقُ بالحبِّ فيتجَلّى الحبُّ بأبْهى حُللِه وخصالِه الّتي تأبَى أنْ تهدمَها أزاميلُ العابثينَ، ولا معاولُ المستهترينَ الّذين لم يتذوَّقُوا جمالَ الحبِّ الحقيقيِّ، ومن هذهِ الخصائصِ الّتي يتحلّى بها الحبُّ:

1-الحبُّ قوّةٌ شاملةٌ لا تقبلُ الحصرَ والتَّجْزئةَ:

يرى نعيمةُ أنّ الحبَّ كاملٌ إذا هو تناولَ جسدَ الكونِ كلَّه. فلا ينحصِرُ في جزءٍ دونَ جزءٍ أو صفةٍ دونَ صفةٍ. والكونُ كالحبِّ، وحدةٌ لا تتجزَّأُ. فمَن أحبَّهُ بكاملِه كان حبُّهُ كاملاً وكانَ مُبصِراً أبداً. ومَن أحبَّ بعضَه دونَ بعضٍ كان حبُّهُ ناقصاً، مُبصراً على قدْرِ ما يُحبُّ وأعْمى على قدْرِ ما يُبغِضُ؛ وذلكَ لأنّ الحبَّ نورٌ والبغضَ ظلمةٌ. ونحنُ لو كانَ لنا أنْ نُبصرَ كلَّ ما في الكونِ على نورِ الحبِّ لما أبصرْنا فيه غيرَ الجمالِ. ولكنَّنا ما نزالُ قاصرينَ عن بلوغِ الحبِّ الكاملِ؛ لأنّنا ندينُ مع الحبِّ بدينِ البغضاءِ والكراهيةِ. وعينُ البغضِ والكراهيةِ عمياءُ.

2-الحبُّ مفتاحُ السَّعادةِ:

فلولا الحبُّ لمَا تذوَّقَ إنسانٌ غبطةَ الوجودِ ولا انتشَى بخمرةِ الحياةِ، فنحنُ مَدينُون للحبِّ لا لسواهُ بتلكَ الومضاتِ الخلَّابةِ الّتي تكشفُ لنا آفاقاً رحْبةً تتألَّقُ بأشْهى الآمالِ والأماني، وتسمُو بنا إلى حيثُ نُفلتُ من جاذبيّةِ الزّمانِ والمكانِ. فلا همومَ ولا أثقالَ، ولا شكوكَ ولا مخاوفَ، ولا بداياتٍ ولا نهاياتٍ. بل ثمّةَ ديمومةٌ ثمْلَى بغبطةِ الدَّوامِ.

3-الحبُّ ذوبانُ الحبيبينِ في كيانٍ واحدٍ:

فالحبُّ ذوبانُ المُحبِّ في محبوبِه، وذوبانُ الاثنينِ في الكائناتِ، إنّه الشُّعورُ بأنَّ المحبوبَ هو الكونُ وأنَّ الكونَ هو المحبوبُ، فالاثنانِ وحدةٌ شاملةٌ كاملةٌ؛ وبذلكَ يشعرُ المحبُّ بأنَّه منْ ذلكَ الكونِ بمثابةِ الرُّوحِ منَ الجسدِ. وأنّه جسدٌ کاملٌ وروحٌ كاملةٌ.

4-الحبُّ هو الطَّريقُ إلى قلبِ الحياةِ الحنونِ الدَّافئِ:

يَرى نعيمةُ أنَّ الحياةَ ما جعلَتْنا نتذوَّقُ الحبَّ إلّا لتدلَّنا على الطَّريقِ إلى قلبِها الحنونِ، الدَّافئِ، حيثُ الوجودُ وحدةٌ شاملةٌ تتَعالَى فوقَ كلِّ المتناقضاتِ. فكأنَّها تقولُ لنَا: "هذا هو الفردوسُ المُعَدُّ لكُم منذُ تأسيسِ العالمِ. وهو فردوسٌ لا تُبصِرُه غيرُ عينٍ مُحِبَّةٍ، ولا يدخلُه غيرُ قلبٍ محِبٍّ، فمَن شاءَ أن يسكُنَه دائماً أبداً عليهِ أنْ يحِبَّ دائماً أبداً".

ممّا تقدَّم نرى أنَّ نعيمةَ يؤكّدُ على أهمِّيَّةِ الحبِّ الّذي علَّمَتْنا إيَّاهُ الحياةُ؛ لتدلَّنا إلى قلبِها الدَّافئِ الحنونِ، ويجبُ أنْ يكونَ هذا الحبُّ كاملاً شاملاً يشملُ الكونَ بأسرِه، وإذ ذاكَ فنحنُ مُبصِرونَ، وإنْ كانَ حبُّنا لجزءٍ من الكونِ دونَ أجزائِه الأخْرى، فنحنُ إذ ذاكَ عُورانُ، وإنْ أحبَبْنا بعضَه وأبغَضْنا بعضَه الآخرَ، فنحنُ إذ ذاكَ عُميانُ!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى