السبت ١٤ شباط (فبراير) ٢٠٠٤
بقلم سحر الرملاوي

رواية لاجئة حلقة 14 من 18

القسم الرابع:

أصبحوا على متن باخرة العودة •• باخرة عملاقة تحمل آلاف البشر ، ضاعت ملامحهم وسط الملامح •• كان الهم في قلوبهم يزيل عن وجودهم صفة الوجود •• تطلعت ريم إلى ميناء جدة و هو يبتعد و تنهدت ••كان لها في هذا المكان يوما حكاية ، و تذكرت مشهد الوداع و كم كــان صعبا مع مشـــاعل و كل زميــلات الســوق و حتى أم عبدالله قالوا لها و هي ترفع شهادتها من فوق حائط الجاليري :

 تذكرينا يا ريم ••
ابتسمت و هي تقول :
 في صندوق ذكرياتي متسع للجميع ••
قالت مشاعل و هي تحمل ريم الصغيرة :
 لن أنساك أبدا يا ريم •• ستظل ريم ابنتي تذكرني بك ••
احتضنتها ريم و هي تقول :
 أقسم بالله أني أحببتك صادقة يا مشاعل •• و إنك كنت دوما نعم الصديقة ، نعم الإنسان ••

 أكتبي لي ••

 سأكتب •• أعدك ••

تنحت بها أم عبد الله ركنا ، منحتها ظرفا منتفخ و قالت و هي تحتضنها :

 تذكري يا ابنتي أن الحياة ليست كلها شرا •• و دعيني أسمع عنك ما يسر ••

أومأت إيجابا و احتضنتها محبة و داخلها صوت يقول :
 ليت كل الناس مثلكم ••
صفارة الباخرة أفاقتها من شرودها •• كان قاسم بجوارها همس و هو يتطلع للماء :
 سنبدأ من جديد يا ريم ••
ابتسمت ريم و علقت :
 كل يوم بداية جديدة ، متي نتابع يا أخي البدايات ؟
ركز قاسم وجهه في الماء و قال بصوت حالم :
 يذكرني لونه بعيون ماهي ، كانت زرقاء كلون البحر و السماء ••
 أحببتها ؟

 كما لم أحب من قبل يا ريم •• أحببت فيها أمانا لن يكون لي في يوم من الأيام ، استقرارا و أسرة عادية ليس بوسعي أن أحلم بمثلها •• أملا أزرقا جميلا منحه لي الله سنوات قليلة •• ما أجمل الحياة حين نحب ••
 أسأل الله أن يجمعك و إياها زوجين كما تتمنى
تنهد قاسم و أدار ظهره للبحر و قال :
 لن أخدع نفسي يا ريم •• عودتي الســريعة لا تعني أن مشكلتي حلت ، مازلت فلسطينيا يا أختي •• لكنني أفكر بأمر آخر ••
 ما هو ؟
قال قاسم بتصميم من قرر :
 أن أبحث لنفسي عن جنسية رقمية ، جنسية يعترف بها العالم كله ، جنسية لا يستطيع كائنا من كان أن يرفضها أو يضطهدها •• سيكون هدفي المال يا ريم ، المال هو حل اللغز ، عندما أصبح ثريا ، شديد الثراء لن يسألني الدكتور عامر عن جنسيتي ، و لن يضيع أبنائي في متاهات اللجوء ، سأتمكن من شراء جنسية عالمية أمنحها لأبنائي يحترمهم العالم بها و يفتحون لهم من أجلها الأبواب المغلقة •• هذه هي جنسيتي الجديدة التي سأسعى لها ما حييت ••
كانت ريم تسمع أخاها و دهشة كبرى تعقد لسانها همست بعد أن انتهى :
 هذا جنون •• هل تعني أنك تريد طوعا هجر جنسيتك ، الأثر الوحيد الذي تحمله لانتماءك و أصلك ؟
أجاب بصوت حاسم :
 نعم •• هذا هو غدي الذي أريده •• و لن يمنعني من تنفيذه أي شيء •• هذا هو الهدف الجديد يا ريم ••أنت أيضا ابحثي عن هدف يخصك ، هدف تجدين فيه نفسك ، ابحثي خارج إطار الوطن المفقود عن شيء آخر ، معنى آخر للحياة •• صدقيني هذا هو الحل ••
شيء كبير داخل ريم كان يرفض الكلام ، يرفض الحروف ، يرفض اللهجة ، و عالم كبير حولها كان يؤيده ، يتبناه ، يقول نعم هذا هو الحل ••
تركته وحيدا يدير ظهره للأزرق و يحلم بجنسية جديدة و عادت للكابينة •

***

عندما وصلت الباخرة ميناء السويس تمتمت ريم :
 لقد عدنا ••
لكن الواقع أنهم لم يعودوا •• الواقع قال كلمة نزلت عليهم كالصاعقة :
 الأم فقط تدخل أما أنتم فعودوا من حيث أتيتم •• لا إقامة لكم هنا ••

تلفتوا ينظرون حولهم ، غير مصدقين لما يسمعون ، العبارات واضحة ، لكن لابد أن هنالك خطأ ما ، لابد أن هذا الحديث لأشخاص هلاميين حولهم ، ليس لهم ••
تمسكت سمر بأمها فصاحت الأخيرة :
 لكنهم أبنائي ••
قال المسؤول و هو يمط شفتيه :
 هذا هو النظام ••
عادوا يتلفتون حولهم ، ينتظرون نجدة من السماء تذيب جبل الجليد القابع أمامهم ، لا يمكن تصديق ما يقوله ••
جلست ريم على الحقائب المكومة و همست بألم :
 إنها حقيقة ••
احتج قاسم بأعلى صوت يملكه ، لوح بيده في وجه الموظف ، أوشك أن يمد يده ليضربه •• كل هذا لم يجدي نفعا •• بالعكس زاد من إصرار الموظف على تنفيذ النظام •• و قال له و هو ينهي الحديث :
 لو دخل الجميع فلن تدخل أنت ••
و قررت الأم أن تعود معهم •• قال قاسم و مرارة تقطر منه مع العرق و الغضب :
 إبقي أنت يا أمي •• لماذا اللجوء إذا كان لك وطن ••
فقالت الأم بحزم لإبنها :
 هيا يا قاسم تعاون معنا في نقل الحقائب •• لن أترككم و لو كان آخر يوم في عمري ••
و عادت الأسرة بحرا ، غادرت الباخرة ميناء السويس تحمل ملامح ليست كالملامح ، نفوسا مقهورة ، ثلة من اللاجئين ••
كانوا أربعة و خامسهم صمتهم ، كانوا أربعة و خامسهم قهرهم ••
هذه المرة تكوموا في كابينة إحسان واحدة ضيقة •• لم يغادروها كانوا ينظرون لبعضهم البعض و تقول عيونهم كل شيء لكن شفاههم صامتة ، كانوا يتساءلون عن العمل ، عن الحل ، و لم تكن لديهم إجابة آثروا الصمت ، فكانت الكابينة قبرا جماعيا يضم أجسادا تتنفس فقط لأن الله كتب عليها أن تتنفس ••
و في ميناء جدة ، اندهش المسئول و قال لقاسم و هو يهز رأسه أسفا :
 آسف حقا يا بني •• أنا فعلا منزعج لما أصابكم ، و لكن ليس لدي حل ، لقد سلمتم إقاماتكم هنا و ليس لكم إقامات لدينا ••
قال قاسم و جسده يفور :
 ماذا تقصد ؟
فقال الموظف و هو يمط شفتيه :
 عليكم العودة إلى مصر و محاولة الدخول ، أمكم مصرية و من حقكم الدخول ••
عاد قاسم إلى أسرته ، قال و هو يفرك يديه :
 سنعود إلى مصر ••
رفعوا وجوههم نحوه فهز رأسه و قال بصوت بلا معنى :
 هذا هو النظام ••
و عادت الأسرة مجددا •• كومة من الأنفاس الملتهبة في كابينة ضيقة •• ظلوا صامتين لبعض الوقت ، ثم فجأة و بدون مقدمات نظروا إلى بعضهم البعض و ضحكوا ، ظلوا يضحكون قرابة الخمس دقائق متواصلة ، دمعت عيونهم و ظلوا يضحكون ، سقطت دموعهم أرضا فشربتها أرض السفينة بسرعة و ظلوا يضحكون ، و عندما أصاب التعب حلوقهم توقفوا فجأة كما بدأوا فجأة ، و قال قاسم :
 يبدو أننا سنعيش في البحر ، ما رأيك يا ريم أليس من الواجب أن نعمل حتى نجد قوت يومنا ••
فقالت ريم و قد عادت مجددا إلى الضحك المرير :
 نعم •• أنا سأخرج لأعرض على الركاب رسم وجوههم المرفهه و تخليدها في صورة و أنت جرب أن تعمل في مطعم الباخرة ، أما أنت يا سمر فبيعي اليانصيب ، و نأتي آخر اليوم لنضع الغلة في حجر أمنا العزيزة ، ما رأيك لو أطلقنا على أنفسنا أسماء جديدة ••
فقال قاسم :
 نعم ، أنا شفتورة ، و أنت فتكات ، أما سمر فلتكن فلة •• و أنت يا أمي المعلمة سمسمة ، سنكون فريقا رائعا ••
تطلعت الأم إلى أولادها و قالت بهدوء حزين :
 هل انتهيتم من مسرحيتكم العابثة ؟
فقالت ريم و هي تنهض :
 ليست مسرحية عابثة يا أم قاسم •• إنها الحقيقة سنصل فيعيدونا ، و نصل هنا فيعيدونا مجددا ، لن تتغير الأنظمة في يومين ، لابد أن نعيش ، و العمل هو الحل الوحيد •• الإستسلام للامر الواقع ، نحن ساقطي وجود ، لكننا لسوء الحظ نحتاج من أجل استمرارالحياة إلى الطعام •• فإلى الجهاد يا أبناء جهاد ••
تنهدت و بصوت كسير أكملت :
 لن نمد أيدينا إلى مدخراتنا القليلة فسنحتاجها ذات يوم عندما ترسو سفينتنا التائهة على أرض تقبلنا ••
بكت الأم و قالت و هي تداري دموعها :
 رحمة الله عليك يا جهاد ••
فقال قاسم و هو ينهض بدوره :
 ارتاح كثيرا يرحمه الله ••
خرج الإثنان من الكابينة ، تاركين سمر لائذة في حضن أمها ، خائفة •• بدأ الخوف معها مبكرا ••
اتفق الإثنان على التوجه فورا إلى القبطان ، كان لابد من الحديث معه ، وجد القبطان شابين جميلي الطلعة يسكن الحزن عيونهما يقفان بين يديه يقصان قصتهما و يطلبان عملا ••حار في إجابتهما ، حك ذقنه المميزة و قال و هو يدخن غليونه :
 أغرب طلب تلقيته في حياتي ، رغم أن قصتكم ليست غريبة ، فلقد حدثت معي بالذات على هذه الباخرة العام الماضي ••
قالت ريم و هي تحاول اصطناع ابتسامة :
 و لصالح من كانت نتيجة المباراة حضرة القبطان ؟
قال القبطان و هو يبتسم لابتسامتها الجميلة :
 لصالح السعودية ، لقــد رق لحالهم مسؤول هناك و رفــع بشــأنهم مــعروضا لإمارة مكة و جاء الرد سريعا بإسكانهم في إسكان خيري لحين إيجــاد شخص يقبل نقل كفالتهم عليه و يعيشون هناك ••
 و كم رحلة قطعتها هذه الأسرة قبل أن تقف مأساتها عند هذا الحد من الضياع ؟
كان هذا السؤال لقاسم ، نظر إليه القبطان و ضيق عينيه و قال :
 شهر كامل من السفر على الباخرة ، ذهاب و عودة ، حوالي ست رحلات ، لكنهم كانوا لأم فلسطينية ، و كان أبوهم خارجا على القانون و نفذ حكم بالسجن ثم أخذ أمرا بالإبعاد ، لذا فإنكم في وضع أفضل بكثير ••
قالت ريم و مازالت ابتسامتها لم تفارقها و كأنها تسمع حكايات مسلية :
 إذن دعنا نتوقع أسبوعا آخر فقط ، لم يكن والدنا يرحمه الله سجينا ، و لا أمنا فلسطينية ، نحن أهون بكثير ••
ضربت ريم كفها بكف أخيها و قال قاسم :
 ما قولك سيدي القبطان ، هل ستجد لنا عملا ؟
فقال القبطان و هو ينظر إلى ريم :
 نعم •• لطالما حلمت بصورة كبيرة لي و أنا خلف الدفة ، هل تستطيعين رسمها لي ؟
فقالت ريم بمرح و هي تحييه تحية البحارة :
 بكل سرور يا سيدي ، و لكن ما المقابل ؟
فقال القبطان بسرعة :
 كم تريدين ؟
فقالت بحزم :
 كابينة خمس نجوم لأسرتي ••
صفر القبطان و صاح :
 خمس نجوم •• حقا فلسطينية ••
نظرت ريم إلى قاسم و تبادلا بالنظر رسالة تقول سطورها :" حتى أنت يا قبطان ؟"
***
بدأت ريم فورا في تنفيذ الإتفاق ، و انتقــلت الأسرة إلى كابينة أوسع و أجمل و أنظف ، و خصصت ريم ساعتين صباحا و مثلهم مساءا لرسمه ، كان قاسم خلال هذا الوقت يجلس معهما يتحدث مع القبطان في سائر أمور حيـــاتهم ، و تبــادلا الحكـــايات عن أحـــوالهم ، و كانت ريم لا تتكلم ، ترتدي معطفها الأزرق و تقبض على فرشاة بأسنانها ، فيما ترسم بالأخرى و تمزج الألوان على ظهر كفها ••
قال القبطان لقاسم :
 إذا كنت تبحث عن الثراء فعليك بالهجرة إلى أمريكا ••
 أمريكا ؟
سقطت الفرشاة من فم ريم و قالت مع أخيها في نفس الوقت هذه الكلمة ، فأخرج القبطان حشو غليونه و أخذ في تنظيفه و هو يكمل :
 نعم ، أمريكا ، هناك يمكن ان تجد فرصتك مثل آلاف الشباب ، كما أنك تستطيع الحصول على الجنسية بشروط بسيطة ، أعرف أناسا استطاعوا أن يصلوا إلى القمة في سنوات قليلة ، المهم أن يكون لديك هدف و أن تكون جادا في تحقيقه ••
قالت ريم :
 و لكن الكثير ممن سافروا إلى هناك سقطوا و لم يعودوا أبدا ••
فقال القبطان و هو يعاود وضع نفسه في وضع الرسم :
 الذين يسقطون هم ممن يذهبوا ليسقطوا ، لا يأخذون الأمر جديا ، و لا يبحثون عن الفرص ، و لا يستطيعون اقتناص الفرصة إذا سنحت •• و أعتقد أن قاسما ليس منهم ••
قال قاسم و قد أخذه الحلم :
 نعم ، معك حق •• هذا هو الحل ••
فقالت ريم في محاولة يائسة لإثنائه عن هذا التفكير :
 و كيف تستطيع الذهاب إلى هناك ، إننا رغم ولادتنا بمصر لم نتمكن من دخولها فكيف بأمريكا ؟
قال القبطان دون أن يغير وضعه :
 أستطيع تدبير الأمر ، لي معارف في السفارة الأمريكية بمصر و يمكنني التوسط لك لأخذ التأشيرة ••
صاح قاسم فرحا :
 حقا ؟
فقالت ريم و هي تلملم أغراضها :
 هيا يا قاسم ، لقد تعبت ••
فقال القبطان :
 و اللوحة ؟
فقالت بغيظ :
 نكملها مساءً ••
خرجت بسرعة و هي تشد قاسم من يده فقال القبطان :
 لا أفهم ماالذي أغضبها ••
على سطح الباخرة كان لريم حديث طويل مع قاسم ذكرته بوصية الأب له في نزعه الأخير فقال و هو يتطلع إلى الأفق :
 من قال إني سأتخلى عنكم ؟ بضعة شهورهناك ، أرسل بعدها في طلبكم ، أعرف خلالها كيف ستسير حياتي هناك ، و أؤمن لكم السكن و أرسل في طلبكم •• لا تقلقي يا ريم ، ربما كان في هذا خلاصنا ••
فقالت ريم بغضب :
 خلاصك لوحدك يا قاسم ، لن تقبل أمي أن تعيش غربة جديدة و تموت فيها ، و ليس من العدل أن تجبرها على هذا ، كما أنني عن نفسي أرفض تماما أن أبحث عن نفسي في أرض ساهم حكامها في ضياع أرضي و تشريد شعبي ••
أشاح قاسم بيده و قال :
 مازلت صغيرة العقل ، وجدانك مغلق على خرافة الوطن ، أين الوطن يا ذات المثل في هذا البحر الشاسع الذي نعيش فيه منذ أسبوعين ، لماذا لم يهب أحد رجاله لإنقاذ أسرة ترفض كل أرض استقبالهم •• لا أرض مات فيها أبوهم ، ولا أرض تنتمي إليها أمهم •• هل تعتقدين أننا تكيفنا مع وضعنا هذا ، هل تعتقدين أن حركتنا و كلامنا و ضحكنا و عبثنا و هزليتنا و عملك ، أشياء تعطي لتغربنا لونا جديدا ؟!! هو لون واحد يا فنانة ، هو الضياع الأسود ، و الشتات الأسود ، لن يتغيرهذا اللون إلا إذا سعينا لتغييره ، لون أسود كئيب قاتم بلا معنى •• لماذا تخيفك فكرة سفري إلى أرض جديدة ، لماذا تقفين في وجه أمل جديد ••؟
قالت ريم و هي تكز على أسنانها :
 أقف في وجه لجوء جديد و غربة جديدة •• أقف في وجه فرقة قادمة ، و أنفاس عزيزة أخرى تلفظ على فراش بارد في غربة قاسية ••
 في النهاية سنلفظها على فراش غريب بارد ، فلماذا لا يكون فراشا أمريكيا فاخرا ؟
نظرت إليه ريم بسخط و تركته و غادرت إلى أمها فقال و هو يعطي ظهره للبحر :
 الفراش العربي أشواكه كثيرة •• لست مجرما إن بحثت لنفسي عن فراش أكثر راحة لأموت عليه ••
***
انتهت لوحة القبطان فكانت بديعة كما تمناها ، قال لريم و هو يتأمل اللوحة :
 أنت فنانة حقيقية ، أصابعك من ذهب ، لماذا لا تستثمرين هذه الموهبة و تقدمي هذه الخدمة لمحبيها ، هناك الكثير من البشر يحبون تخليد أنفسهم في لوحات خاصة ••
قالت ريم و هي تجمع أغراضها بعصبية :
 تريدني أن أصبح أداة في يد المتخمين المرفهين ، أرسم خدودهم المنتفخة و كروشهم المدلاة من أجل حفنة مال ؟
فقال القبطان و هو يضحك :
 أنت غاضبة مني يا ريم أليس كذلك ؟
فقالت و هي تنظر إليه و كأنها ستأكله :
 لماذا أدخلت في رأس قاسم فكرة الهجرة إلى أمريكا ؟
نفث القبطان دخان غليونه و قال و هو يبتسم بهدوء :
 أنا لم أدخل لرأسه شيئا ، لا تنسي ، لقد كان قراره أن يسير في هذا الطريق ، اقتصر دوري على ارشاده ، لم أفرض عليه رأيا ، كنت مرشدا فقط ••
 لكنه مقتنع تماما بهذه الفكرة ••
 يا ريم •• من حق قاسم أن يجرب حياة عملية جديدة ، من حقه أن يسعى لتحقيق أهدافه ، من حقه إذا أغلقت أرض بابها في وجهه أن يطرق بابا آخر في أرض أخرى ، كوني واقعية ، إنه شاب ، لم يمارس حياته العملية بعد ، أمامه مستقبل مجهول في مصر أو في السعودية أيا كانت البلاد التي ستقبلكم أخيرا ، سيزاحم في تخصصه آلاف مثله من أبناء الوطن بالفعل ، سيجد عقبات لا حصر لها ، هذا إن وفق في عمل أصلا ، و لكن الأمر سيختلف كثيرا لو أنه سافر إلى بلد مفتوح ، ينادي بالحرية و يعمل بها ، يتيح لمن يذهبون إليه فرصة أن يجدو أنفسهم بغض النظر عن جنسياتهم ، يتيح لكل فرد أن يكون كما يحب ، صعلوكا ، أو أميرا ، كل شخص يحدد موقعه هناك وفق إمكانياته ، دعيه يجرب ، قد ينجح ، و حاولي بدورك أن تجربي ، قد تنجحين ، الحياة ليست قصرا على مكان بعينه ، إنها أرض الله مفتوحة لكل الناس ••
قالت ريم و هي تهم بالمغادرة :
 لن أستغرب كثيرا إذا اكتشفت صدفة أن أصولك يهودية ••
فقال القبطان و هو ينفض غليونه :
 لن تستطيعي أن تنجحي إلا إذا تخلصت من عنصريتك الصغيرة ••
ألتفتت ريم إلى باب حجرته و قالت :
 لن أتغير •• لن أتغير ••
***
وصلت الباخرة إلى ميناء السويس ، و كان يمكن للأسرة أن تعود ثانية إلى ميناء جدة لولا وجود الصحافة ، إذ اتفق أن كان على الباخرة صحفي مصري عائد إلى مصر ، سمع القصة و فهمها تماما و قام بتصوير أبطالها و أوصى الأم أن تعمل جاهدة على عدم مغادرة ميناء السويس قبل يومين على الأقل يكون خلالها قد استطاع نشر القصة في جريدة الأخبار و تحريك المسؤولين لحلها ، و اتفقت الأم مع أبنائها على تنفيذ هذا الأمر بأية طريقة ، و كم كانت الطريقة التي وجدوا أنفسهم يتبعونها قاسية و مهينة ، إذ أصرت الأم على عدم المغادرة مجددا و أصر معها الأبناء و لم تفلح محاولات المسؤولين في إجبارهم على ركوب الباخرة العائدة إلى جدة ، و وجد المسؤول الأمني نفسه مضطرا إلى وضع الأسرة رهن الاحتجاز حتى يبت في أمرهم و يتم تسفيرهم على الباخرة المغادرة بعد يومين •• و عندما وصلت الأسرة إلى هذه النتيجة قالت ريم لأمها :
 و ماذا إن لم يفي الصحفي بوعده لنا ؟
فقالت الأم و هي تتوسد ذراعها لتنام أرضا :
 لن نخسر شيئا ••
و تنهدت ريم و هي تؤمن على كلام أمها و قالت :
 صحيح ، ماذا سنخسر ؟
***
و انقلبت الدنيا صبيحة اليوم التالي ، نشرت الأخبار القصة مصورة ، و كانت عبارات الأبناء التي أحسن الصحفي المتعاطف صياغتها لها مفعول السحر ، إذ بدا للقاريء عمق مأساة هذه الأسرة التي يرفض احتواء أفرادها أي وطن رغم كون الأم مصرية ، و تعاطف الإعلام مع القضية فاستيقظت الأسرة صباح اليوم التالي على بعثة التلفزيون المصري التي جاءت لتصوير الأســـرة و عمل لقـــاءات حية مــعها ، و عبرت الأم خلال هذا اللقاء عن مأساتها أروع تعبير و اختتمت حديثها قائلة :
 إذا كانت بــــلادي ترتضي لي أن أعيش اللـــجوء بسبــب أنظمة جائرة تـــريد فصــلي عن أولادي فإنني لن أنفصل عنهم و لو قتلوني ، و لن أكف أيضا عن حب بلادي ••
و جاء القرار سريعا من أكبر مسؤول بالسماح للأسرة أن تدخل مصر و تعود لبـــيتها ، مع تجديد إقامات الأبناء لثلاثة سنوات قادمة • • و قبل أن تسير بهم السيارة المحملة بحقائبهم مغادرة الميناء ، كانت سيارة أخرى قد وقفت أمام سيارتهم و نزل منها رجل يغمره ضـــوء الشمــــس فتتلألأ ابتســــامته و تنزل على قلب ريم المتـــعب بردا و سلاما ••و تصيح كل ذرة في كيانها فرحا لرؤيته و تتحرك شفاهها بصوت منخفض لكنه اخترق كل المسافات ليستكين هادئا قويا مرتاحا في قلبه :
 سعيد ••؟
***
عندما استقرت الأسرة في البيت برفقة سعيد ، كان الحديث مازال متواصلا حول الأحداث الأخيرة التي مرت بالأسرة ، حالة من الصخب لم يحاول أيا منهم تنظيمها ، كان الكل يتحدث ، و الكل يحكي ، كان سعيد يتلقى الخبر نفسه عدة مرات و بعدة طرق فيتفاعل معه في كل مرة كأنه يسمعه للمرة الأولى ، كان أفراد الأسرة يشعرون أخيرا أنهم وجدوا من يسمعهم ، من يلقون إليه همهم ، من يستطيعون أمامه أن ينزعوا الأقنعة عن مشاعرهم و تعليقاتهم و أن يقولوا كل شيء بكل الصراحة ، و كما انعقد الصخب سحابات في سماء الغرفة قبل قليل ، فجأة انقشعت السحابات عن صمت تام ، فجأة أدرك كل فرد أنه لم يقل ما ينبغي قوله في مناسبة مثل هذه المناسبة •• لم يتبادلوا خلال ساعات العـــــودة و حتى استقــــروا جلوسا في بيتهم أي حديث منطقي يحمل ســـلامات أو تعازي أو سؤال عن الأحوال •• كانوا يتمون حديثا لم ينقطع ، لذا لم ينتبهوا إلى قفزهم فوق متطلبات اللحظة ، تنحنح سعيد و قد شعر أنه يجب أن يبادر فقال بحزن صادق :
 عظم الله أجركم في وفاة عمي جهاد يرحمه الله ••
تمتموا يردون عليه بعبارات مناسبة و أطرقت ريم و قالت بهدوء :
 تركناه هناك ••
تطلع إليها ، اعتصره حزن قاتم ، تغيرت ريم كثيرا ، بدت أكثر هزالا •• عروق خضراء ارتسمت بارزة على ظهر كفها ، شعرها المشعث قليلا من السفر لم يعد يحمل البهجة القديمة التي جعلت من لمسه ذات يوم غاية المنى لسعيد •• نازعته نفسه أن ينهض ، ليجلو بيده عن وجهها عناء الشهور الماضية بكل ذكرياتها ، ليمسح بيده عنها مسحة الحزن الغريبة التي بدت أكثر قتامة •• ليضمها إليه و يحتوي قلبها المتعب ••
قال قاسم و هو ينهض :
 أنا سأدخل للإستحمام و من ثم النوم •• لم ننم نوما حقيقيا منذ أسبوعين ••و النوم في الحجز أمس كان قاسيا جدا ••
تابعه سعيد بعينه و هو ينصرف ، رغم أن كلماته كانت تحمل دعوة خفية لينصرف بدوره ، إلا أنه تعمد ألا يفهمها •• بقي جالسا •• نظر لريم مجددا ، قال بإشفاق كبير :
 تبدين متعبة ••
هزت رأسها و هي تبتسم ابتسامة طفيفة و قالت :
 جميعنا متعبون ••
قالت الأم و هي تتنهد :
 ريم حساسة أكثر مما ينبغي ، و الظروف التي مررنا بها كانت فوق احتمالنا ••
تطلعت ريم إليه و قالت تسأله :
 هل تغيرت عليك كثيرا يا سعيد ؟
هز رأسه بهدوء و قال :
 لا •• أنت ريم التي عرفتها دوما مهما مر عليها من أحداث ••
ابتسمت ريم ابتسامة باهتة و تطلعت حولها و قالت :
 كأنني أحلم ، كأن الفترة السابقة لم تكن ••• أخيرا مجددا ، ها أنا هنا ، و أنت هنا ، و ها هو منزلنا الصغير •• كأن شيئا لم يتغير •• لكن ••
أطرقت ريم و امتلأت عيونها بالدموع ، فركت يدها و همست بصوت متهدج :
 لكن أبي لن يعود ، و الأحلام الجميلة ، لم يعد لها وجود ، و المشاكل التافهة صارت من الأمنيات •• صمت البيت ، و لعبت بأفراده تصاريف لاترحم ، داخلي فارغ تماما ••• فارغ حد العدم •• هل تفهمني ؟
رفعت إليه عيونا دامعة متسائلة ، فلبتها على الفور عيون و جوارح متلهفة قال بكل ذرة من مشاعره :
 أفهمك يا ريم ••
تنهدت ، مسحت دموعها ، رسمت ابتسامتها الباهتة و قالت :
 على الأقل ، أنا هنا الأن ••
قال سعيد :
 وكنت هنا دائما ••
قالت الأم بسرعة :
 لابد أن قاسما أنهى حمامه الآن ، الدور عليك يا ريم ••
لم يتعمد عدم الفهم مجدد ا، نهض متثاقلا و قال و هو يتجه للخروج :
 سآتيكم بطعام ليلا •• آمل أن تكونوا قد أرتحتم ••
لم يعطهم فرصة للإعتراض ••خرج ثقيلا ، ثقيلا •• منظر ريم المتعب أوصله إلى مرحلة من فقد التوازن ، لم يكن يتخيل أنه سيراها يوما بهذا الشكل •• تبدو مهزومة ، مصدومة ، منهارة ••كور قبضته في الهواء ، قال و هو يكز أسنانه :
 أقسم أن أعيد إليك الفرحة المسروقة يا ريم و لو كلفنني الأمر حياتي •• أقسم ••
***
في المساء ، اجتمعت الأسرة حول مائدة حافلة جلبها معه سعيد و هو قادم •• كانت الساعات القليلة الماضية التي أمضوها في النوم قد تركت أثرا حسنا عليهم •• بدت وجوههم مرتاحة و عيونهم لامعة •• حتى ملابس البيت التي ارتدوها جميعهم كانت تضفي عليهم ألفة و هدوءا جميلا •• أكلوا كثيرا •• كانوا جائعين ••و كانوا ممتنين •• تطلع سعيد إلى ريم يبحث عن ريم القديمة و أسعده كثيرا أنها تطل بخجل من العيون الحزينة ، أسعده أن الملامح التي أحبها مازالت موجودة ، ذابلة قليلا لكنها موجودة ، مد لها يده بقطعة لحم تناولتها منه و هي تقول :
 لقد أكلت لوحدي حتى الآن نصف الطعام ••
قال مبتسما :
 بالهناء و الشفاء •• يجب أن تأكلي كثيرا حتى تعودي إلينا سريعا ••
قالت و هي تنهض :
 لن يعيد الطعام ما تبدد يا سعيد ••
اتجهت للمطبخ لإعداد الشاي و قامت الأم و سمر برفع المائدة فيما اتجه قاسم مع سعيد للصالون قال قاسم و هو يجفف يده :
 هل أخبرتك ؟ سأسافر إلى أمريكا في القريب العاجل ••
دهش سعيد لهذا الخبر فأكمل قاسم :
 قبطان السفينة الأخيرة التي كنا عليها وعد بمساعدتي في الحصول على التأشيرة ••معي كارت توصية منه للسفير الأمريكي هنا ••
قرأ السؤال في عيونه فأجابه قبل أن يسأل :
 ريم غير موافقة •• لم أفاتح أمي بعد •• أريدك أن تساعدني في اقناعهم ••إنهما تثقان بك كثيرا ••
قال سعيد مستنكرا :
 إنهم في أمس الحاجة إليك الآن أكثر من أي وقت مضى يا قاسم ، ما هذا التفكير ؟
صفر قاسم و هو يجلس و قال بسرعة :
 أرجوك •• لا أريد جبهة ثالثة أحارب فيها ، يكفيني ريم و أمي ••
فقال سعيد بقوة :
 قاسم •• لست صغيرا كي تحتاج إلى من يذكرك بواجبك ، ما تقوله جنون ••
ابتسم قاسم و قال ساخرا :
 جنون ؟ !! الجنون يا صديقي أن أبقى هنا أصارع طواحين الهواء بلا فائدة •• لن يفيدهم وجودي ، ستقتلهم انكساراتي المتعاقبة ، لن أجد عملا بسهولة و لن أستطيع لو وجدته أن أتحول إلى ثور في ساقية ، يلف و يدور بلا هدف ، بلا مستقبل •• لن أكرر جهاد ، لن أعيــــش على الهامــــش حتى أموت •• إما أن أجـــد لنفسي مكانا تحت الشمس ، أو أموت و انتهي ، هذا خير لي و لهم ••
صاح سعيد بحزم :
 لا تكن أنانيا
فقال قاسم بتصميم :
 ولن أكون أبلها ••
دخلت ريم بصينية الشاي وزعت الأكواب قالت و هي تنظر لقاسم :
 أخبرته يا قاسم ؟
هز رأسه إيجابا ، فقالت لسعيد :
 ما رأيك فيما سمعت ؟
فقال سعيد بهدوء :
 كنت أناقشه للتو •• قاسم عاقل و سيـ •••
لم يتركه قاسم يكمل حديثه قال بتصميم :
 لا مجال للنقاش ، لقد قررت و انتهى الأمر ••
دخلت الأم و قاسم ينهي عبارته فقالت :
 ما هو الأمر الذي انتهى يا قاسم ؟
فقال قاسم بعد تردد :
 أمي لقد قررت السفر إلى أمريكا ، سأعمل هناك ••
تطلعت ريم إليه بغضب و قالت لأمها بسرعة :
 مازال يفكر يا أمي ، و نحاول أن نقنعه بعدم السفر ••
فقالت الأم بهدوء :
 و لكن يبدو أنه قد قرر
فقال قاسم :
 يا أمي أفهميني أنا ••
فقالت الأم مقاطعة :
 أنا موافقة ••
جابهت كل العيون المندهشة أمامها ، جلست و هي تتنـــاول كـــأس الشــــاي و قالت بعد أن رشفت منه رشفة :
 أعرف الأسباب التي حملتك على هذا القرار يا قاسم ، أعرف أن الدنيا على وسعها ضاقت عليك ، و كنت أتوقع منك هذا القرار منذ ذلك اليوم في الرياض عندما قلت أنك ستختار لنفسك هدفا مختلفا ، و لن تسير وفق سير أبيك يرحمه الله •• كنت أعرف أن هذا القرار قادم ، و لقد وطنت نفسي على قبوله ، لم تعد صغيرا يا بني ، افعل ما تريد ••
جلست ريم القرفصاء أمامها و قالت و هي تمسك يدها :
 و لكن قاسم يا أمي رجلنا الوحيـــد الآن ، كيف تسمــــحين له بالتـــخلي عن مسئوليته و توافقين على سفره و قد وضعنا أبينا يرحمه الله أمانة في عنقه ••
سارع قاسم يقول :
 و لن أتخلى عن مسئوليتي هذه يا ريم ، بضعة شهور أتلمس فيها طريقي ، ثم أرسل لكم لتلحقوا بي ••
قالت الأم بسرعة :
 لا •• أما هذه فلا يا ابن جهاد ، لن نلحق بك و نعيش غربة جديدة و لو أصبحت سيد العالم هناك ، سأظل في بلدي ، أربي سمر و أشرف على مستقبلها ، و لن أرتاح حتى أسلمها شهادتها ، لتصبح بدورها مستقلة ، تحمل سلاحا ، عندها أكون قد أديت ما علي ، أما أنت فتعال لزيارتنا كلما أشتقت إلينا ، ستجد بيت أبيك مفتوحا لك ، و قلوبنا جميعا متلهفة عليك ••
نهضت ريم ، صامتة ، حزينة ، تطلعت إلى قاسم تستجدي تراجعا ترجوه ، فأشاح بوجهه ، كان يعـــرف أنه قد يضعـــــف في أية لحظة ، و كـــان يحتاج للقوة •• التفتت ريم إلى أمها و قالت بصوت مخنوق :
 و أنا ؟
تطلعت إليها الأم فأكملت :
 هدفك الآن هو سمر ، و هدفه هو المال و أنا ؟ أين أنا من حساباتكم ، لماذا أسقطتموني منها ؟
فقالت الأم و هي تغالب دموعها :
 بدورك فتشي لنفسك عن هدف •• هذا ما طلبتموه ذات يوم مني ••
تنهد سعيد و نهض و هو يقول :
 أعتقد رغم قسوة هذه القرارات أن هذا هو الوضع الطبيعي ، كثيرون من الشباب يسافرون ، يتكسبون في الغربة عيشهم ، أما أنت يا ريم ، فإنك لم تسقطي من الحساب ، كنت أول من حمل شهادة ، أول من قبض ثمن غربة أبيه ، لديك موهبتك ، و أبواب كثيرة تستطيعين طرقها ، هذا اليوم الأول لك هنا ، و لا تعرفين ماذا يحمل الغد ••
فقالت ريم و هي تشعر بضياع أعاد لها خفقات الخوف العالية :
 أعود مجددا أنتظر غدا مجـهــــولا ، أعــــود مــجددا لأتـــرك نفسي رهيــنة رياح تحملني و رياح تحطني ؟
فقال سعيد و الأمل داخله يتراوح بين قوة و ضعف :
 إن شئت كنت أنا حــــارس بوابة غدك المجهول ، إن وافقـــت قاسمتـــك رحلة المستقبل ، و حملت عنك أعباؤه ••
نظر إلى الأم و قال بقوة :
 طلبت منك ريم في الماضي فرفضت ، و طلبت مني عهدا بالإبتعاد عن طريقها •• و اليوم أعود فأطلبها منك مجددا و كلي أمل ، بل رجاء أن تقبلي ••
قالت الأم و هي تنهض مبتسمة :
 أنا موافقة يا سعيد ••
تطلعت إليهم ريم ، كان في عيونها استنكار عالي الصوت •• هزت رأسها و ركضت إلى غرفتها ، سحبت الأم ابتسامتها و أكملت :
 إن وافقت هي ••
***
خلال اليومين التاليين كان لدى الأسرة الكثير لتفعله ، كانت معهم بعض المدخرات من باقي حساب و مكافأة والــــدهم المتوفى و بعض المال مما اكتسبته ريم خــــلال فترة عملها و كان لابد أن يفكروا جديا في طريقة لاستثمار المال حتى لا ينضب قبل أن يجد الأبناء عملا ، و اقترح قاسم وضعه في البنك و الصرف من فوائده الشهرية ، إلا أن هذا الإقتراح لم يلق قبولا بسبب ضآلة المبلغ الذي لن يحقق فائدة معقولة يمكن أن تصرف على متطلبات عائلة يزمع أحد أفرادها السفر قريبا بكل ما يحتاجه هذا السفر من مصاريف ، و بعد تفكير لم تجد الأسرة بدا من ضرورة أن يعمل قاسم خلال الفترة القادمة لتأمين متطلبات سفره و تعمل ريم لتأمين متطلبات الحياة مع الصرف من المال المتوفر بحرص حتى تؤمن عائدا جديدا يدخل للأسرة ، و قال قاسم :
 شهور قليلة فقط نضغط على أنفسنا حتى أضع قدمي على أول الطريق ••
و نظر إلى ريم و أكمل :
 هذه الشهور قائمة في كل الأحوال ، إذا بقيت ، أو سافرت ••
فقالت ريم و هي تشغل نفسها بشيء أمامها حتى لا تنظر إليه :
 لم نعتمد عليك يوما لننتظر عطاءك القادم بعد شهور ••
فقال قاسم بعصبية :
 الصغير يكبر يا ريم ••
فقالت و هي تنظر إليه بغضب :
 مهما كبر الصغير ، فإنه لا يكبر على أهله يا قاسم ••
فقالت الأم بسرعة :
 كلاكما كبير يا أبناء جهاد ••
قال قاسم و هو يجلس بجوارها و يمسك يدها بحرارة :
 أمي ، أنا لســــت عـــــاقا ، لســـت مجرما ، لا يمـــــكن أن أنجــــح في غربتي إذا تـــركتكم و في نفوسكم سخط علي ••
ربتت الأم عليه و قالت :
 لا يا قاسم ، مهما غضبنا فلن يكــــون الغضب سخـــــطا ، و لن يكون جمـــــرا يحــرقك في غربتك ، تأكد أننا سندعو لك دومــــا بالتوفيق •• حتى ريم ستــــدعو لك •• إنها تحبك يا ولد ••
ابتسمت ريم و قالت و هي تتقدم نحوه فتقبل رأسه :
 بالطبع أحبك يا ولد ••
دقات مرحة على الباب دق لها قلب ريم ، ذهب قاسم ليفتح الباب ، كان سعيد قال و هو يلوح بمجلة في يده :
 وجدتها ••
تطلع الجميع إليه فقال على الفور :
 هذه مجلة صباح الخير ، فيها خبر يهم ريم كثيرا ••
تلقفت ريم منه المجلة على عجل فلم تنتبه إلى أنها لمست يده فأشعلت في أحاسيسه الرجفة ، كانت المجلة مفتوحة على الصفحة المعنية ، طالعتها ريم بسرعة و توقفت لدى إعلان صغير تطلب فيه المجلة رسامين مهرة •• قرأت الإعلان بصوت عال فرح و عندما انتهت نظرت إليه بامتنان و قالت بأمل :
 ليتهم يقبلوني
قال سعيد بصوت هاديء حاول أن يخفي فيه الإرتجافة :
 سيقبلوك إن شاء الله ، أنا متأكد ••
تمتمت الأم بالدعاء و صاحت ريم :
 سأذهب الآن ••
فقال سعيد على الفور :
 و أنا جاهز لاصطحابك ••
هم قاسم أن يتكلم فلكزته الأم فسكت ، وقالت :
 و لكن هل ستجدان أحدا هناك ؟
فقالت ريم و هي تقبل أمها بسعادة :
 لابد من وجود أحدهم •• الصحافة ليست دكانا يغلق في الثانية و النصف أبوابه ••
نظرت إلى سعيد و قالت :
 سأستعد فورا ••
ركضت باتجاه غرفتها فقال سعيد للأم :
 هل نقول مبروك ؟
فقالت الأم و هي تغمز بعيونها :
 أنت و شطارتك ••
***
في الطريق إلى المجلة قال سعيد و هو يرنو بعيونه إلي ريم :
 أنت جميلة يا ريم ••
أبتسمت و قالت :
 إنها عيونك التي تراني جميلة دوما يا سعيد ••
قال لها و هو يخفض صوته :
 ريم •• أنا أحبك جدا ••
فقالت و هي تضحك :
 لم تتغير يا سعيد ••
صمت و لم يرد فقالت :
 ريم التي أمامك الآن غير ريم التي أحببتها ، لقد تغيرت كثيرا ، أكثر مما تتصور ، لم تعد الحياة بالنسبة لي صفحة وردية ننقش عليها قلوبا و حروفا مرتجفة ، لم تعد وردة حمراء نضعها في كتاب و نكتب تحتها التاريخ ، صارت هما نتنفسه ، و ضبابا يخفي الملامح و النفوس •• صدقني يا سعيد أنا أتمنى لك من كل قلبي من تستحق حقا قلبك الكبير ••
 أريدك أنت ••
 صدقني لن أنفعك •• أنا منتهية •• لن أتمكن من إسعادك ••
فقال و هو يقبض كفها في كفه :
 سعادتي هي أن أسعدك •• و لا أريد منك المقابل ••
خلصت كفها و قالت :
 للحديث بقية •• وصلنا المجلة ••
و في المجلة كانت مقبولة قبل أن تثبت جدارتها سألها المسئول :
 أنت ريم الفلسطينية التي عاشت تجربة الرحلات المكوكية في الباخرة ؟
ابتسمت بمرارة و قالت :
 هي أنا
 عرض التلفاز اللوحة التي رسمتها للقبطان ، كانت رائعة ••
 كنت أسلي نفسي
 أعتبري نفسك منا منذ الآن ••
***
استطاع قاسم أن يعمل في مجال عمل والده وديا ، و ذلك بعد أن استعان بصديق والده الذي تعاطف معه و قدمه لأحد المقاولين مشفوعا بتوصية اعتمدت على حسن سيرة المتوفى طيلة عمله معهم ، و قام المقاول بإعطائه عملا مميزا راعى فيه شهادته العلمية ، فكان يشرف علي سير العمل في البناء فيما يشبه مساعد مهندس تنفيذي ، و لم يكن لدى قاسم الذي حدد لنفسه هدفا و مبلغا محددا يريده مانعا من أن يعمل في أية مهنة في سبيل الحصول على مبتغاه ، خاصة بعد أن وجد تجاوبا من السفارة الأمريكية التي تابعت موضوعه حين كان على متن الباخرة ، علق قاسم و هو يحكي لأسرته ضاحكا :
 رب ضارة نافعة ••
كانت ريم ساهمة فلم تتبين حديثه ، و لما سألها عما بها تنهدت فعلق :
 هل الأمر متعلق بسعيد ؟
هزت ريم رأسها و قالت :
 يبدو أنك لا تقرأ ••
فقال قاسم على الفور :
 لست مغيبا على أية حال ، ماذا هناك ؟
قالت ريم :
 منذ عدة أيام و لا حديث للصحافة إلا عن المبعدين على الحدود الليبية ــ المصرية ••
قال قاسم :
 آه •• نعم ، قرأت شيئا عن هذا الموضوع ••
قالت ريم بغيظ :
 نحن أول من يدفع ثمن القرارات السياسية ، القذافي قال لهم عودوا إلى بلادكم •• لقد صار لكم وطن •• هكذا قال زعماء العالم و على هذا وقع كبيركم ••
فقال قاسم :
 معه حق •• لا أستطيع لومه ، إن كنـــا قدمنا كـــــل هذه التنازلات من أجل وطن فلـــماذا لا يحتويهم هذا الوطن ؟
أشاحت ريم بوجهها ، منذ قرر قاسم الهجرة و هو يحاول تدريجيا التخلص من أية عواطف يمكن أن تعرقل قراره ، ينزع وجدانه نزعا من قلب عائلته ، و بيته ، وبلاده •• يهمش عامدا متعمدا ذاته ، كأنما كل ما يجري حوله لا يعنيه ، حتى قبول ريم في المجلة ، رغم سرعته ، و مجيئه في وقت حاسم ، لم يعني لديه أكثر من نجاح خطوة أخرى باتجاه هجرته ••


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى