الأحد ١٥ شباط (فبراير) ٢٠٠٤
بقلم سحر الرملاوي

رواية لاجئة حلقة 17 من 18

عندما وصلوا إلى الحدود ، كانت خيام اللاجئين تبدو على البعد كشريط أسود كبير ، خفق قلب ريم بشدة بينما تحركت بهم الحافلة بإتجاه ذلك الشريط ، لم تنتبه ريم إلى إجراءات دخول قد يكون رفقاء الحافلة قد أنهوها ، كانت عيونها معلقة بهذا الشريط الذي بدأ يتلون و تظهر ملامحه كلما اقتربت الحافلة منه أكثر ، فجــــأة بــــرز بعض الرجـــال و كانوا يركضون بإتجاههم ، وقفوا أمام الحافلة على بعد حوالي مائة متر من المخيم ، اضطر السائق إلى كبح الحافلة بسرعة فأحدثت إطاراتها زوبعة من الرمال ، أختفت الرؤية تقريبا خلالها ، و لما انقشعت الرمال الطائرة ، كان عدد من الرجال يحاولون فتح الباب ، فيما صرخ أحدهم موجها حديثه للطالين من النوافذ :

 هل أحضرتم الدواء ، هل معكم أطباء ؟

لم تفهم ريم ما الذي يقوله الرجال فقط كانوا يتحدثون معا فتضيع عباراتهم مع صخبهم ، على أن قلبها استشعر خطرا ، نهضت بسرعة و اتجهت إلى الباب ، كان المشرف على الرحلة مضطربا ، حذرها من التقدم نحو الباب و قال بارتباك شديد :

 يبدو أننـا أغفلــنا الجانب الأمني •• هؤلاء الرجال بهم مس من الجنون و قد يعتدون علينا ••

نظرت ريم من النافذة مجددا فلاحظـــت أن أعدادهم تضاعفت ، لم يكن يبدو عليهم جنونا و لكنه كان الغضب ، لاحظت إعياءً واضحا على الملامح فرق قلبها ، قالت للمشرف أنها تريد النزول الآن فقال لها بعصبية شديدة أنه لا يستطيع ، لأنه لن يتحمل مسئولية هلاكها على أيدي هؤلاء المجانين ••

نظرت من النافذة و راعها أن بعض الرجال صاروا يخمشون الباب بأظافرهم ، و سقط أحدهم أمام الباب و هو يصيح بصوت واهن :
 افتحوا •• افتحوا ••

صرخت ريم في المشرف و قالت له :

 افتح الباب الآن ••
كان المصـــورون قد بدأوا في إلتقاط الصور من نافذة الباص ، و اندفع سعيد إلى ريم قائلا :
 ريم إهدئي •• لابد من تبين الوضع أولا قبل المخاطرة بفتح الباب ••
لكن ريم التي كانت ترى في اندفاع الرجال حول الباص مأزقا و استجداء ، لم تستطع التحمل ، انقضت على السائق و صارت تدق ظهره و هي تصيح :

 افتح الباب ، افتح الباب ••
تحملها السائق و هو ينظر للمشرف في انتظار أوامره فتركته ريم و نظرت للمشرف برجاء و قالت و عيونها مغرورقة بالدموع :
 أتوسل إليك أن تفتح الباب ، سأنزل وحدي ، أنزلوني ثم أغلقوه فورا ، إن شئت كتبت لك إقرارا ، هؤلاء يشهدون علي ••
صاحت و هي تواجه الجميع :

 ألا فاشهــدوا أنني أتحمل مسئولية نفسي ، و أن المشرف براء مما قد يحدث لي إذا نزلت ••

عادت تنظر للمشرف و تتوسل برجاء :

 أرجوك ، افتح الباب ••
أسقط في يده فأعطى للسائق إشارة و طلب من ريم الوقوف أمام الباب مباشرة ، امتثلت ريم بسرعة ، فتخطى سعيد الأجساد المكومة حوله و حاذى ريم و هو يقول :
 سأنزل معك ••

كان يضع يده على كتفها ، فأمسكت بها ريم امتنانا ، و تأهبت للقفز من الباص بمجرد فتح الباب ، و كان لها ما أرادت ••
في لحظــة كانت هي و سعيد أمام الرجال الذين هجموا عليهم و تبينت ريم سؤالهم المتكرر :

 هل معكم طبيب ؟ هل أنتما طبيبين ؟ هل أحضرتم الدواء ؟
وقفت ريم واجمة و هي ترى تكالبهم عليهما ، تراجعت خطوة حتى لامس ظهرها جسم الحافلة ، ووقف سعيد أمامها يحميها ، صاح بصوت جهوري :
 اهدأوا من فضلكم ، أرجوكم اهدأوا •• نريد فقط أن نعرف ماذا هناك ؟
صاح أحد الرجال و كان مثل الجميع يحمل وجها مغبرا ، مرهقا ، لا تخطيء العين الإعياء فيه ، قائلا :
 مازلتم تريدون أن تعرفوا ؟! إذن لا فائدة ••
أسقط ذراعيه و قال للرجال معه :
 لا فائدة يا جماعة •• يبدو أنهم صحافة ••
تعالت صيحات الإستنكار ، و سمعت ريم بكل وضوح عبارات سخط و لعن و بدأ الرجال ينصرفون و هم يشيحون بأيديهم :
 هيا انصرفوا لا نريد صحافة ••
من إحدى الخيام جاءت إمرأة متشحة بالسواد تركض و هي تصيح و تلطم وجهها :

 أبو محمد •• أبو محمد •• مات الولد ، مات الولد ••
ركض أحد الرجال بقوة في اتجاهها و لحق به الباقون ، نظرت ريم إلى سعيد و نظر إليها و في ثوان كان اتفاقا مشتركا بأن يتبعوهم قد انعقد بينهما ، هرولت ريم و لم تلتفت وراءها رغم أنها سمعت صرير باب الحافلة و هو يفتح و باقي أعضاء الفريق يتبعوهم ، كانت ريم و سعيد أول الواصلين ، و في إحدى الخيام ، كان هناك شاب عشريني مسجى عاري الصدر تنتشر في جسده بقع حمراء كثيفة ، و أمامه السيدة التي جاءت بالخبر ، كانت تولول فيما جلس أبيه على حافة فراشه الأرضي ممسكا بيده يقبلها و هو يصيح بلوعة :

 لا يا محمد ، لا تمت يا ولدي •• سيأتي الدواء يا وحيدي ••
أخذت دموع ريم تسقط بلا هوادة و هي تتابع مع عشرات غيرها الموقف ، و كان أعضاء الفريق قد أصبحوا جميعهم خلفها •• التفتت إلى المشرف و قالت و دموعها تأكل الحروف :
 مات •• مات ••

أحاطها سعيد بذراعه ، فالتفت الأب إليهم و صاح :
 ماذا تريدون •• هيا صوروا ابني ، و بثوا صورته عبر شاشات التلفاز •• قولوا لهم عن الشهامة العربية ، و الرجولة العربية ، و الموقف العربي النبيل •• هيا صوروه ، أليس هذا ما جئتم من أجله ، هيا صوروا و اركضوا إلى سيارتكم و عودوا بالغنيمة ••
و لم يقو الرجل على إكمال الكلام فبدأ يضرب الأرض بيده و يقبض على التراب و يضعه فوق رأسه و يبكي ••
تقدم مشرف الفريق خطوات و هو يعبر الزحام و اتجه نحو الرجل المكلوم و قال بصوت حازم :

 هل هذا المرض منتشر هنا ؟

تعالى صخب الموجودين و كانوا يؤكـــدون أن العدوى تنتــشر بين الجميع بسرعة كبيرة ، و أن هذا الشهيد هو الخامس في غضون أسبوع ••

صرخت ريم من هول ما تسمع و قال رجل من الواقفين :
 جاءتنا بعثة صحافة قبل يومين و طلبنا منهم النجدة ، نريد أطباء و أدوية ، وعدونا خيرا و لم يعودوا ••
و قال الأب المكلوم :
 توسلت إليهم أن يسرعوا •• محمد ولدي الوحيد •• لم أنجب غيره بعد انتظار سبعة عشر عاما •• لكنه مات •• مات ••
بسرعة جمع المشرف أعضــــاء فريقه و أعــــطى توجـــيهات بالعودة السريعة إلى القاهرة و إحضار عدة أطباء بعد شرح الأعراض ليتسنى لهم إحضار كل أنواع الأدوية التي يمكن أن تفيد ، شدد عليهم ضرورة العودة السريعة و أن يكون الأطباء من معارفهم ليتجاوزوا الروتين ما أمكن ، قال لريم و هو يدفعها برفق :

 اذهبي معهم ، سأبقى هنا في انتظاركم ••
قالت ريم بحزم و عناد :
 لن أذهب ، فليذهب من يريد لكنني سأبقى ••
نظر المشرف إلى سعيد يدعوه للتدخل فقال سعيد برفق :
 ريم اذهبي و سأبقى مع المشرف ، قد تستطيعين مالا يستطيعونه ••
رفعت ريم عينا دامعة إليه و قالت بصوت مخنوق :
 لن أذهب ••
حسم المشرف الموقف فدعا بقية أعضاء الفريق للذهاب على أن يبقى معه مصوران و ريم و سعيد، تحرك الأعضاء الباقون بسرعة و اتجهــــوا للباص فيما ركض أحد الرجال خلفهم و هو يصيح :
 لا تنسوا بعض المطهرات •• العدوى ستقتلنا جميعا •
في دقائق كانت الحافلة تغادر تاركة خلفها زوبعة رملية و أربعة من رفاق الرحلة ، تدق قلوبهم بعنف و تملأ حلوقهم المرارة ••

التفتت ريم إلى المشرف ممتنة فربت كتفها و قال :
 علينا بالحذر ، لا تقتربوا من أي مصاب ، و اكتفوا بالإنتشار بين المبعدين لمعرفة التفاصيل ••
جاء أحد الرجال و قال وهو يبصق ترابا :
 هل سيعودون ؟
فقال المشرف و هو يبتسم :
 بأسرع مما تتوقع ••
فقال الرجل :
 ما أسمك ؟
فقال المشرف بهدوء و هو يطالع الخيمة المنكوبة للتو :
 أبو محمد ••
***
راقبت ريم بعض الرجال و هم يحفرون قبرا للشهيد الشاب ، اعتصر قلبها مشهد الأب الحزين ، كان سكان المخيم قد اختاروا بقعة تبعد عنهم بحوالي مائة متر لدفن الأموات فيها •• لاحظت ريم شواهد قبور بدائية متناثرة هـــنا و هنــاك ، كـــان عــددهم بين سبعة و عشرة قبور •• وقفت تطالع المنظر و الرياح الحارة تصفع وجهها و تجفف دموعها بمجرد أن تلامس بشرتها •• جاء سعيد إليها ، وقف بجوارها و عقد يديه خلف ظهره ، ركل بقدمه حجرا صغيرا فسمعت ريم صوته و هو يحتك بالرمال الجافة •• تطلعت إلى سعيد ، فتطلع إليها وقال غاضبا و هو يعيد النظر في الأرض :
 عار علينا و أي عار ••

لم تتكلم •• كزت على شفتيها كأنها تمضغهما •• تركته و سارت عائدة للمخيم •• كان أربعة من الرجال يحملون الجثة ملفوفة في ملاءة ملونة و يسيرون بها نحو المقبرة •• تنـــهدت و هي ترى الأم تخرج مولولة خلف الرجال فيما انتظم على بعد خطوات سكان المخيم في جنازة صامتة بدأت بطيئة ثم أسرعوا الخطو •• وضعوا الجثة أرضا و قام أحد الرجال الملتحين بتأدية صلاة الميت عليه ، ثم عادوا فحملوه و ساروا به إلى مقره الاخير •• لم تستطع ريم مرافقتهم ، فبادرت إلى الأم و أخذتها في حضنها و هي تواسيها و تحاول العودة بها و المرأة تقاوم رغبة ريم ، و تصر على حضور دفن الوحيد ••

تركتها ريم ، و سقطت على الأرض تقبض الرمال الحارة و هي تقول بغيظ و غضب :

 لماذا ؟ لماذا ؟

جاءها أحد المصورين و قال و هو يحاول رفعها :
 إنهضي يا ريم •• أمامنا عمل كثير •• إنهم يحتاجون قوتنا ليعوضوا بها ضعفهم •• لا يجدر بك الضعف في ظرف كهذا ••
تطلعت إليه ريم ، ثم نظرت أرضا و انخرطت في بكاء مرير ••
***
في المساء ••كان سكان المخيم و معهم الضيوف الرجال يصطفون جلوسا على الأرض ، و كان القمر بدرا ، توسطهم أحد الرجال و شرع في قراءة متأنية للقرآن •• كان مأتما في العراء ، لم يشاهدوا مثله من قبل •• بدا والد المتوفى أكثر هدوءا ، أحاط به الرجال يربتون يده و يسمعونه عبارات العزاء ••
و كانت ريم مع النسوة في إحدى الخيام ، و انتشر الأطفال يتصايحون خلف الخيام ••
جلست ريم بجوار الأم التي جفت دموعها و احتضنت بعض ملابس الفقيد و أخذت تتمايل مع صوت القرآن القادم من الخارج ••
كان الجو صحوا •• و نسمة باردة تلفح الوجوه ، حاولت ريم أن تحرك لسانها بكلام فلم تستطع ، تطلعت حولها تستنجد بالنسوة فقالت إحداهن :

 الموت أصبح عادة يومية هنا ••

و قالت أخرى :

 منذ يومين مات هيثم و أمه في لحظة واحدة •• كان قد أصيب بالمرض اللعين و أصرت أمه على احتضانه طيلة الوقت ، هي أرملة منذ سنين و جميع أولادها في الخارج ، كان هيثم آخر العنقود عمره ثلاثة عشر عاما •• أكاد أجزم أنهما ماتا معا •• وجدناهما جثة واحدة صباح أول أمس ••
قالت ريم و هي تبتلع رهبة غصت بها :
 كيف تعيشون هنا ؟
فقالت إمرأة :
 الله لا ينسى عباده •• تأتينا من وقت لآخر إمدادات غذائية من مصر أو من ليبيا ، كما أن بعض منظمات دولية تزورنا أيضا ••
و قالت أخرى :
 حتى أن بعض الأشخاص يأتون بسيارات محملة ببضائع تجارية و يبيعونا إياها ، يعرف الملاعين أن معنا نقودا لا فائدة منها ، يبيعون بأثمان مرتفعة جدا ••
فقالت سيدة و هي تضغط صدرها :
 لا أسمـــح لنفسي بتبديد ما أملك ، أعرف أن هذا الأمر سينتهي يوما •• قد أحتاج للنقود ••
فقالت سيدة و هي تشيح بيدها :
 قد تموتين قبل أن ينتهي الأمر •• و يأكلك الدود و يأكل نقودك ••
لم تكترث للخوف الذي تراقص في عين المرأة ، و قالت و هي تنظر للقنديل المعلق على سارية الخيمة :
 في فلسطين عندما خرجنا من قريتنا بعد مذبحة دير ياسين المشئومة ، عشنا في مخيم على الحدود مع الأردن ، قالوا لنا لن يستغرق الأمر أياما ، فلما تطاولت الأيام شهورا قالوا الفرج قبل سنة •• و سنة جرت سنة •• و لم نغادر المخيم حتى كبرت و تزوجت و جاء بي زوجي إلى ليبيا •• أول منزل حقيقي عشت فيه كان في ليبيا ••كانت له جدران لا تخترقها العيون ، و حماما منفصلا لا يجرح عورتي فيه متلصص في الظلمات ••
تنهدت و قالت :

 لكن بقاء الحال من المحال ••

كانت هناك شابة تضع نظارات طبية على عيونها و تجلس في آخر الخيمة صامتة ، لفتت نظر ريم فنهضت باتجاهها ، راقبتها الفتاة و هي تتجه نحوها ، و عندما اتخذت ريم لنفسها مكانا بجوارها ، ضمت ساقيها أكثر لتفسح لريم مكانا و خلعت نظارتها و طفقت تمسحها بطرف ثوبها ، عادت فلبستها و قالت لريم :
 ما اسم جريدتكم ؟
فقالت ريم و هي تبتسم بود :
 إنها مجلة •• مجلة صباح الخير ••
فابتسمت الفتاة و قالت :
 أعرفها ، كنت أقرأ بعض أعدادها التي تصل إلى ليبيا •• ما اسمك أنت ؟
فقالت ريم و هي تسند ظهرها برفق على قماش الخيمة :
 ريم •• ريم جهاد القاسم ••
قالت الفتاة بدهشة :
 اسمك ليس مصريا

فقالت ريم على الفور :

 أنا فلسطينية •• من غزة •• أقصد أبي من غزة ، أنا لم أر فلسطين أبدا ••

تنهدت الفتاة و قالت :

 لاجئة إذن ؟

أومأت ريم برأسها إيجابا ، فتنهدت الفتاة و ألقت برأسها للخلف و قالت :

 كلنا في الهم سواء ••
و سألتها ريم عن اسمها فقالت :
 أنا وردة صبحي •• طالبة في السنة الثالثة بكلية الآداب ••
تنهدت و أردفت
 كنت طالبة ••


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى