الجمعة ١٣ شباط (فبراير) ٢٠٠٤
رواية تستحق القراءة
بقلم سحر الرملاوي

رواية لاجئة ـ حلقة 11 من 18

القسم الثالث:

عندما غادرت العبارة ميناء السويس متجهة إلى ميناء جدة تحمل ريم و أسرتها ، تركت ريم قطعة من قلبها هناك ، كانت الباخرة تبتعد بهم ببطء مخلفة خيطا أبيضا طويلا ينتهي على المرفأ حيث وقف سعيد يلوح لهم بيده ، ظلت يده مرتفعة تعلو على كل الأيادي المـــلوحة ، ظـــلت ريم تلمحـــها حتى عنـــدما اختفى المــرفأ و اختفى الناس ، و تنهدت تاركة لدموع الوداع العنان ، و علا داخلها صوت يسأل بلوعة :

" ترى هل سأعود ؟"
و لم تسمع إجابة ، لم يكن هناك ثمة من يجيب ، فالوداع في حياتها دوما كان صنو الفراق الطويل ••
عندما بدأت الأسرة في حزم حقائبها بعد انتهاء الإمتحانات النهائية لريم ، كان هناك اتفاق ضمني بينهم على أنهم لن ينتظروا الشهادة ، و ستبقى هناك رهن ظروف قد تفرج عنها أو ظروف تبقيها في طي النسيان ••
كان سعيد معهم في خطوات السفر كدأبه دائما عندما يحتاجونه ، كان ينهي الإجراءات بروح ثقيلة و عيون مغلقة ، كان إذا جاء بعد إنهاء إحداها يستقبل أسئلتهم بأوراق يمد يده بها تنبيء عن نجاح المهمة و لا يتكلم ، و يظل يعاود السؤال الوحيد مرة بعد مرة :
" هل سأراكم مجددا ؟"
و تجيب الأم مرة بعد مرة :
" اللقيا نصيب "
فيطرق برأسه و تسمع ريم تكسرات روحه ، و تلمح بعيون قلبها رفض ذرات كيانه لهذا الرحيل النهائي و تقرأ في عيونه الرجاء الصامت فلا تجيب و إنما تبتسم مشجعة ، و في ليلة السفراجتمعا سويا في صالون المنزل وحـــدهما ، كـــان ثمـــة ما يشغل الأم و يشغل قاسم قبل السفر ، تطلعت إلى الحقــائب المكدسة عند باب البيت و تنهدت تقول :
 من يصدق ، ها نحن نغادر أخيرا بعد سنين الملحمة ••
رنا إليها بعيون أضناها السهر و قال بصوت كسير :
 هل أنت سعيدة يا ريم ؟
تطلعت إليه و قالت بحنان :
 أستاذ سعيد •• رغم كل ما عانيته هنا حتى انتهى تعليمي فإنني أشعر إجمالا أنني كنت في بلدي و بين أهلي ، لن يغير هذه الحقيقة بعض الصعوبات التي واجهناها ، و لن يمحو تعلقي بها محن قاسية مررنا بها ، كيف أنسى مسقط رأسي ، أو أتــنكر لبـــلد نشـــأت فيه و كبرت و تعلمت الكلام وتلقيت فيه العلم ، صدقني يا أستاذ سعيد ، أنا أحب مصر حبا عظيما ، و في قلبي مكان لكل شخص عرفته يوما أحبني أو أبغضني ••
و ضحكت بعصبية و هي تفرك يدها و تكمل :
 حتى الأستاذ شاكر مدير شؤون الطلاب بالجامعة ، لا أحمل له ضغينة •• و أعرف أنني سأحن إلى أيامه ، إلى زملائي في الجامعة ، صديقاتي ، بيتنا ، شارعنا ، و حتى القمر الذي أعرف أنه الوحيد الذي سيرافقني إلى هناك ••
تطلع إليها و همست روحه قبل أن يهمس بألم :
 و أنا ؟
جلست بجواره و قالت بحرارة :
 أنت ؟ أنت الكائن الوحيد الذي لن يكون حنيني إليه شوقا عابرا ، الوحيد الذي لن يغادر ذاكرتي ما حييت ، ألا يكفيك أنني سأتذكرك و أذكرك في كل لحظة من لحظات حياتي ، إذا فرحت ، و إذا حزنت ، إذا ضاقت علي الدنيا و إذا ابتسمت لي ،إذا تطلعت إلى القمر ، أو استيقظت في الصباح ، أو نمت عند المساء ، إنك غال جدا يا أستا••
قاطعها ، وضع راحته على فمها بسرعة و همس برجاء:
 سعيد •• قولي سعيد فقط •• الا أستحق هذا في اليوم الأخير معا ، أرجوك ••
انفلتت منه بسرعة و نهضت و قالت بارتباك :
 ما سيعذبني هناك هو إحساسي بأنني لم أستطع موافاتك حقك يا •• أســـ •• أقصد يا ••
ابتلعت ريقها و نظرت إليه ثم قالت بسرعة :
 يا سعيد
علت وجنتيها حمرة خجل و شعرت بحرارة الكلمة فاغمضت عينيها ، و عندما فتحتهما كان سعيــــد واقفا أمـــامها ، في عيــــونه حــب الدنيا ، مد يـــده فأمسك يدها فلم تفلـــتهما و استمعت إليه و هو يقول :
 أعرف أنني أحببتك دوما و إنك لم تبادليني حبا بحب ، لكنني أريدك أن تعرفي إنك الكنز الوحيد الذي وهبه الله لي في وقت كنت بأشد الحاجة فيه إلى هدية تنير طريقي ، صدقيني يا حبيبتي •• لم أعرف طريقي أبدا إلا بعد أن أحببتك ، و لم أعرف لهذه الحياة معنى إلا عندما وجدتك تتربعين على عرش قلبي ملكة متوجة بلا شريك ••و لن امتلك ناصية السعادة المطلقة إلا حين يجمعنا الله سويا زوجين في هذه الدنيا •• ربما ليس الآن •• ربما ليس غدا ، لكنني أسأل الله أنني عندما يحين قضائي أن يكون بين يديك •• وتكونين آخر من أرى يا ريم يا حبيبتي ••
كانت يده تضغط على يدها فتؤلمها ، لكن لم يكن لديها القدر الكافي من الشجاعة لتسحب يدها •• كانت تسمعه و تؤنب نفسها و قلبها الذي لم يشارك هذا المحب حبه ، كانت تعرف أنه صادق ، صادق حتى النهاية ، و لم تعرف بماذا تكافيء صدقه ، و لا كيف توفيه شكره ، إلا أنها أضمرت في نفسها أمرا تنفذه قبل رحيلها بدقائق ، و هكذا عندما سلموا جميعا السلام الأخير و توجهوا الى الباخرة تمهلت قليلا و تركت لوحة مغلفة بجواره كان الجميع يعتقد أنها ستحملها في الباخرة معها و عندما نبهها قاسم إلى أنها نسيتها ، لكزته و قالت :
 لم أنسها •• إنها هدية لسعيد ••
كانت لوحة "لاجئة " الأصلية التي رسمها لها يوما الدكتور محمد و أعطاها هدية لها بعد انتهاء الإمتحانات في اليوم الأخير بعد أن ظلت طيلة الأعوام الأربعة تزين جدران المعرض الدائم و بعد أن حازت على إعجاب كل النقاد ، و كتبوا عنها في الصحف ، و رغم أن الدكتور محمد أعطاها لها و أوصاها أن تحافظ عليها بعد أن ظلت ترجوه أن يعطيها إياها منذ رسمها ، فقد وجدت أنها عند سعيد ستكون بأمان أكثر ، ووجدت نفسها مرتاحة إلى هذا القرار و كتبت عليها من الخلف " إلى سعيد •• الواحة الآمنة لللاجئة ريم
و عندما اختفت الباخرة من أمام سعيد •• أنزل ذراعه المودعة ، و استدار ليغادر بنفس كسيرة ، ملتاعة ، اصطدمت قدمه باللوحة المغلفة •• رفعها و استدار بسرعة كأنه سيتمكن من مناداة ريم ليعطيها ما نسيت ، ، لكن الباخرة كانت قد ابتعدت بريم ، حمل اللوحة كشيء غال ، أحتضنها و غادر الميناء ••
***
سطح الباخرة كان المكان المفضل لريم دائما في سفراتها إلى السعودية عندما كانت تذهب لزيارة أبيها ، و في هذه الرحلة كان بينها و بين السطح موعد دائم لا تقطعه إلا سويعات النوم القليلة في الكابينة المخصصة لهم ، و في الفجر كان ركاب السفينة قد ألفوا منظر ريم و هي منكبة على لوحة ترسم فيها الشروق كما تراه من هناك ، كانت خطوط ريم قد اكتسبت قوة و مهارة بعد سنوات الدراسة ، و كان اتجاهها نحو الواقعية رغم ما واجه من انتقاد يعطي للوحاتها قيمة كبرى ، و قد استطاعت خلال سني دراستها أن تحصل على العديد من الجوائز في المعارض المشتركة و كان حلمها أن تصنع معرضا خاصا بها في يوم من الأيام و قد شجعها على ذلك الدكتور محمد الذي كان يشيد دوما بموهبتها و أخبرها قبيل سفرها عن استعداده لتبني معرض شخصي لها إن هي أرادت ، إلا أن السفر أجهض هذا الحلم مؤقتا ••
و أصبح لريم مع مرور الزمن طقوسها الخاصة و عاداتها التي لا تفارقها عند الرسم ، فهي لا تستطيع أن ترسم إلا لو كانت إحدى الفرشات بين شفتيها في وضع مستعرض ، كما أنها أصبحت تلقائيا ترتدي اللون الأزرق إذا قامت لترسم ، و سميت مجازا لهذا السبب بين زملاء الجامعة " ذات الرداء الأزرق " و كانت تختبر مزيج الألوان على ظهر كفها قبل أن تضعه في لوحة الالوان •• لذا فقد كان منظرها مثير للتأمل و هي ترسم لوحة الشروق عند الفجر على سطح الباخرة ، أما المتــــأمـــل فقد كان رجــــلا خمسينيا يرتدي بـــذلة الرياضة و يمارس بعض السويدي على السطح ، استوقفه منظر ريم ، فاقـــترب كثيرا و لم تشعر به تأمل المنظر و شدته براعتها و دقتها في تصويره و عندما بدأت في مزج لون الشروق على كفها ثم استقرت على اللون النهائي و بدأت في وضعه على اللوحة قال بسرعة :
 لو أنه أغمق لكان أفضل ••
ارتاعت ريم فنظرت بسرعة لمحدثها و أوقعت الفرشاة من بين شفتيها و قالت بسرعة :
 بسم الله الرحمن الرحيم ••
ضحك الرجل و هو يضرب صدره يستنشق الهواء كأنه يشــربه و يقفز قفزات متتابعة قال :
 آسف •• هل أفزعتك ؟
كزت ريم على شفتيها مغتاظة و قالت :
 ألا ترى ذلك ؟
فقال باسما :
 آسف مرة أخرى ، أنا عبد الرحمن ، رجل أعمال سعودي ، و اعتبر نفسي من متذوقي الفن التشكيلي ، لذا أقترح أن تزيدي درجة هذا المزيج اللوني ليتناسب مع وقت اللوحة ••لا تنسي ، مازال الليل يجمع فلوله ••
تأملت ريم لوحتها و دققت النظر في اللون الذي اختارته لسمائها فوجدت أنه على حق أومأت برأسها و قالت :
 معك حق •• لابد أن يكون أكثر دكنة ••
شرعت فورا في إضافة قطرة من اللون الأسود على المزيج فأصبح أكثر دكنة و عندما خطت بفرشاتها على اللوحة بدا اللون مناسبا ••
توقف عبد الرحمن عن رياضته و أخذ يتأمل اللوحة و قد شارفت على الإنتهاء صامتا ، كانت ريم قد أعادت الفرشاة الأخرى إلى فمها و بدأت تركز مجددا فيما تعمل حتى أنها نسيت أمر الرجل الواقف بهدوء خلفها وبعد قليل ، رفعت الفرشاة من فمها و تنهدت بارتياح قائلة :
 الحمد لله ، انتهيت ••
ألتفتت فلم تجده ، شكت للحظة أن تكون واهمة ، أسرعت فرفعت أدواتها و نزلت بسرعة إلى الكابينة ••
***
كان العشاء هو الوقت المفـــضل لدى ريم ، إذ أنهــــم كانوا يتوجهــــون إلى مطــعم الباخرة و ينعمون بطلب المأكولات البحرية التي يجيد المطعم صنعها فيأكلونها على أنغام موسيقى هادئة يوفرها المطعم لمرتاديه ، و لأن ريم فنانة أساسا فقد كان هذا الجو يمنح خيالها بعدا آخر ، و لم تكن أمها أو أحد إخوتها ليقطع عليها إغراقها في الخيال و الصمت الذي تمارسه اختيارا بمجرد استرخائها على مقعدها •• و كانت ريم قد ارتدت ثوبا بسيطا أنيقا و رفعت شعرها فبدت أكثر وقارا و أكبر سنا ••
عندما انتهت الأسرة من تناول وجبتها فوجئوا بأن حسابهم مدفوع ، و عندما استفسروا عمن دفعه أشار النادل إلى عبد الرحمن الذي كان طوال الوقت في الطاولة التالية لهم ، رفضت ريم هذه المكرمة و أعطت للنادل نقوده و طلبت إليه أن يرد النقود إليه ، نهض عبد الرحمن و توجه إليهم و حياهم بهدوء ، فقالت ريم شبه غاضبة :
 نرجو ألا تكرر ما فعلته ثانية يا أستاذ عبد الرحمن ••
فسحب كرسيا و جلس دون دعوة منهم قائلا :
 لم الغضب يا آنسة ، إنني رجل أعمال ، و لا أبعثر نقودي دون هدف أبدا ••
بدا على الأم عدم الفهم و نظرت إلى ريم و قبل أن تسألها أجابت ريم بسرعة :
 أمي إنه الأستاذ عبد الرحمن ، رجل أعمال سعودي ، تعرفت إليه عند الفجر اليوم بينما كنت أرسم لوحة الشروق •• هذه أمي ، و هذا أخي قاسم ، و هذه أختي سمر ••
ابتسم الأستاذ عبد الرحمن للجميع و قدم تحيته الخاصة لكل منهم ثم قال :
 آنسة ريم ، لقد أعجبتني لوحتك و أنا على استعداد لشرائها منك ••
فوجئت ريم بطلبه •• فنظرت إلى أمها و قالت :
 في الحقيقة •• في الحقيقة •• لا أعرف •• لم يسبق لي بيع إحدى لوحاتي ، و هو أمر جديد كليا ••
ضحك رجل الاعمال و قال للأم :
 أحضرينا يا ماما ••
فقالت الأم بعد تردد :
 الأمر يعود لك يا ريم ، هي لوحتك على أية حال ••
لمس رجل الأعمال ترددهـــــا في اتخاذ القرار فأخــــرج بطاقة تحمل اسمه و أرقام هواتفه و دعاها إلى الاتصال به عندما تستقر على رأي ، أخذت ريم البطاقة و راقبته و هو يبتعد و نظرت إلى امها و إخوتها و فجأة ملأت وجهها ابتسامة كبيرة و همست :
 إنها الحياة العملية قد بدأت ••
***
وصلت الباخرة إلى ميناء جدة و بعد عدة ساعات من الإنزال و إنهاء الإجراءات غادرت الأسرة الميناء في سيارة الأب ذات الموديل القديم ، كان الجميع سعيدا و تناثرت عبارات الأشواق و التحيات و الحكايات السريعة عن الأحوال و أخبار المعارف و الأصدقاء ••
كانت ريم تشعر باسترخاء كبير و سعادة فائقة لعرض رجل الأعمال ، فهي قد جاءت لتبدأ حياة جديدة ، و البداية حتى الآن مطمئنة و تبشر بخير وفير ••
و عندما تحلق الجميع حول مائدة العشاء كان الحديث كله لريم التي لم تأكل قدر ما تكلمت ، و حكت لأبيــها ماحــدث معهم في الباخرة و ما تشعر به إزاء ذلك ، و سألته عن رأيه فقال :
 يجدر بك أن تتأني قبل اتخاذ أي قرار •• عليك أولا بالتعرف على الأوضاع هنا و نمط المعيشة فليست السعودية كمصر ، هناك فروق جوهرية ستلمسيها بنفسك و آمل أن تجدي نفسك هنا ••
و كانت ريم تعرف من خلال زياراتها السابقة إلى المملكة العربية السعودية الخصوصية التي تتمتع بها البلاد و تختلف عن أي بلد آخر •• و تدرك تماما ذلك البون الشاسع بين حياتها في مصر و حيـــاتها في السعودية ، لذا تفهمت رأي أبيها جيدا و قدرت له ما قاله و تساءلت عن البداية و كيف ستكون •••
كانت ريم تمضي جل يومها في الرسم ، و كانت الحياة معها تسير على وتيرة واحدة ، تستيقظ في الصباح فتتبادل مع أمها الأحاديث و الأعمال المنزلية حتى يأتي الأب من عمله فيتحلق الجميع حول الغــــداء و يتبادلـون الحـــديث و من ثم يأخذ الجميع قيلولتهم و عند الخامسة يتجه الأب إلى عملــــه ثانية و تبدأ الأم في متابعة البرامـــج التــــلفازية و تستغرق ريم في الرسم حتى يعود الاب ••
و كان يمكن أن تظل حياتهم على هذا النسق لولا التغير المفاجيء الذي حدث معهم عندما قرر كفيل الأب أنه بحاجة لخدماته في الرياض العاصمة ، و لم يكن بوسع الأب أن يرفض هذا القرار فهو في البداية و النهاية يسعى وراء عيشـــه و عيش أسرته وفــــق المتــــاح ، و هكذا لملمت الأسرة حاجياتها و انطلقوا إلى الرياض بعد أن سافر قاسم إلى مصر لإتمام تعليمه في كلية الهندسة مصحوبا بالنصائح و الدعوات •• يرافقه قلق الأب و الأم على غربته وحيدا ••
***
في الرياض استطاع الأب أن يجـــد سكنا عائليا رخيصا في منطقة يتجمع فيها الأجانب و من النادر أن تعيش فيها أسرة سعودية ، كانت عمارة سكنية قديمة يعيش فيها أخلاط مختلفة و جنسيات عديدة من سوريا و السودان و مصر و اليمن ، استقرت الأسرة في شقتها و بدأت في التعرف على جيرانها فاختلفت قليلا يوميات ريم إذ بدأت في الاختلاط بجيرانها و التعرف من خلالهم أكثر على مجتمع الرياض و فــــرص العمل و الحياة فيه ، و كانت موهبة ريم أمر رئيسي في اتســـــاع رقعة معارفها هناك ، إذ تبــادل الأصـــــدقاء و المعارف أنباء هذه الفنانة فكانت تتعرف كل يوم على وجه نسائي جديد و كانت تستقبل طلباتهن بترحيب كبير خاصة عندما يتعلق الأمر برسم وجه طفل لهذه ، أو طفلة لتلك ، و لم تكن تتقاضى أي أجر على عملها إذ كانت تعتبره من قبيل تمرين اليد حتى لا تصدأ مع مرور الزمن ••
و في غضون ذلك استطاعت ريم أن تتعرف أكثر على الجو العام للمدينة من خلال الصحف و المجلات المحلية التي كانت حريصة على تصفحها و قراءتها عندما يأتي بها الأب مساءً ••
في ذلك الوقت تحــــديدا بدأت انتفاضة أطفال الحجارة في فلــــسطين و كـــانت الصحف و المجلات و نشرات الأخبار مليئة دوما بأخبارهم و صورهم ، و كانت ريم مع أبيها أكثر المهتمين بالحديث حول هذا الموضوع صباحا و مساءً و كم تمنت ريم لو استطاعت المشاركة في دعم الإنتفاضة المباركة بأي عمل وواتتها الفرصة عندما شاهدت عبر مجلة الخدمات المرئية في التلفاز السعودي دعوة من جمعية الثقافة و الفنون لجميع الفنانين العرب للإشتراك في معرض عن أطفال الحجارة ، شعرت للحظة أن هذه الدعوة موجهة لها شخصيا ، فوظفت طاقاتها الفنية لهذا العمل ، و شرعت فورا في الرسم •• و عندما انتهت كان ما رسمته جميلا بحق فقد رسمت صورة طفل يقتلع جبلا ليقذف به عدوا يرتجف •• و اتصلت ريم على الجمعية و أخبــرتهم بأن لديها مشاركة ، طلبوا إليها إرسالها مع أبيها و انتظار ردهم ••
و لم يتأخر الرد و ذات صباح حمل إليها رنين الهاتف البشرى بقبول لوحتها ضمن أعمال الجمعية المتميزة ، و علمت فيما بعد أن هذا المعرض سيشارك في أكثر من دولة على مستوى العالم دعما للإنتفاضة الفلسطينية ••
في المساء عندما جمعتهم الجلسة بعد العشاء تنهدت ريم و قالت دون أن تخص أحدا بكلامها :
 و بعد ؟
عم الصمت الجلسة فلم يكن أيا منهم يملك الرد ، إلا أن الأم قالت بعد فترة :
 لما لا تقدمين أوراقك للعمل في أي مدرسة كمعلمة رسم ؟
لم تجد الفكرة قبولا لدى ريم إلا أنها قالت :
 و لم لا •• و لكن هل نسيت شهادتي يا أمي ؟ إنني لم أحصل عليها بعد ••
تنهدت الأم وعادت للصمت فقال الأب :
 يؤسفني يا ابنتي أنني لن أتمكن من تسديد مصاريفك للحصول على الشهادة فالمبلغ الذي يحتاجه قاسم كل عام ضعف المبلغ الذي تحتاجينه و ليس بمقدوري الحصول على مال يكفي الجميع ليس قبل عامين عندما ننتهي من تعليم قاسم ••
ابتسمت ريم و قالت لأبيها :
 يكفيك ما عانيت يا حاج ، كان علي أنا أن أدبر المبلغ ، لكن كما ترى لا يوجد عمل لمن تحمل مؤهلي ••
فقالت الأم على الفور :
 ألم تعرض عليك جارتنا السودانية أمل عملا قبل يومين ••
أجابت ريم مستنكرة و قالت :
 يا أمي العمل في سوق نسائي كبائعة طوال اليوم ليس بالعمل الذي يناسبني ، لا تنسي أنني لا أتقن فنون البيع ، بالإضافة إلى أن أجرة هذا العمل ضئيلة جدا قياسا على تعبه ، إنني بعد يوم عمل في السوق لن أتمكن من الرسم ساعة واحدة ••
هزت الأم رأسها و همست :
 أمر الله ••
فقال الأب :
 أتركي ريم في حالها يا سميحة ، لم نعلمها لتصبح بائعة ••
فقالت الأم و هي تتأهب للدفاع عن وجهة نظرها :
 اسمع يا جهاد و أنت يا ريم ، لا يقدر على القدرة إلا الله ، و هذا هو المتاح حتى تستطيعي تحرير شهادتك من الجامعة بمصر ، صحيح هو قليل لكنه عندما يدخر سوف يكون المبلغ المطلوب ، هذا من ناحية ، و من ناحية أخرى العمل في السوق سوف يجعلك تعرفين أناسا جددا و مستويات مختلفة وقد تجدين فرصتك يوما ، لا شيء بعيد على الله ، بدلا من هذه الدائرة المفرغة التي ندور فيها و لا نعرف طريقا للخروج منها ••
بدا الاقتناع على وجه ريم ، و نفث الأب دخانه و قال :
 يبدو كلاما منطقيا •• لكنه شديد القسوة ••
تنهدت ريم و قالت :
 لا نملك إلا المضي فيه ، غدا أكلم أمل إن شاء الله ••
***
التحقت ريم بالعمل مطلع الأسبوع التالي مباشرة ، و كانت قد قابلت صاحبة السوق النسائي مقابلة شخصية و قبلتها المرأة بعد أن عرفت ظروفها و تقرر لها أن تعمل كبائعة في محل للأدوات المنزلية براتب شهري قدره 058 ريالا سعوديا ••
و في اليوم الأول لعملها عرف الجميع موهبتها عندما أعادت ترتيب الأدوات المتناثرة بذوق عالي و استخدمت ابتسامتها الساحرة في استقطاب عميلا ت للمحل و انشغلت بعملها الجديد حتى إنها كانت لا ترى إلا منكبة على لوحات ورقية تكتب عليها ما يتميز به محل الأدوات المنزلية من تخفيضات و فرص ذهبية للمشتريات ••
و ذلك المساء عندما عادت ريم من عملها كان يبدو عليها الملل و الرغبة في البكاء فسارعت الأم إلى إعطائها رسالة وردت من ليبيا باسمها و أحضرها الأب معه ظهرا ، أمسكت المظروف و قالت بلا مبالاة :
 إنه من سهيل ••
كانت كلمات الرسالة قليلة و مقتضبة و فيها خبر واحد هام هو أن سهيل سيأتي إلى السعودية بعد شهرين للعمل في الرياض بعد أن توفرت له فرصة عمل كان ينتظرها ••
أبلغت ريم أمها بما في الرسالة فقالت الأم :
 أعرف ما بك ، فلن أسألك ••
قالت ريم :
 يكاد الملل يقتلني ، نفس العمل بنفس الطريقة كل يوم ، حتى العبارات التي أتبادلها مع زبائني هي نفسها ، البضائع متشابهة و الوجوه متشابهة ، و أصابعي أصابها الصدأ ، هل تعرفين يا أمي منذ متى لم أرسم ؟
قالت الأم و هي تنصرف :
 سأعد لك العشاء ، لابد أنك جائعة ••
تنهدت ريم و استلقت على فراشها و همست :
 كم أتوق الى التغيير ••
***
لم تكن الأم بحاجة إلى أن تسمع من ريم أحوالها ، فهي على اطلاع دائم على يومياتها ، تعرفها منها و تكاد تحفظها ، و هي تعلم أن ابنتها هجرت الرسم لأن عملها يتطلب منها الوقوف على قدميها الساعات الطوال و إرهاقها خلاله كان يدفعها إلى الفراش دفعا بمجرد عودتها ، تعلم أن ريم لم تعد تواجه لوحتها إلا لتخط عبارات دعائية مزخرفة الأركان و الحواشي منذ ما يقرب من ثلاثة شهور ، و تعلم أن ريم غير راضية عن عملها هذا ، إلا أنها عاهدت نفسها على ألا تتـــحدث مع ريم في هــــذا الموضوع لئلا تثبط همتها و تدفعها لاجترار ضيقها فيتضخم حد المأساة ، كانت الأم ترى أن هذا الوضع بداية انفراج رغم ما يكتنفه من ضيق ، فهي منذ ثلاثة شهور تجمع راتب ريم و تضعه في علبة داخل خزانة ملابسها و لا تمد يدها إلى قرش فيه رغم احتياجهم أحيانا إلى بعضه ، و رغم إصرار ريم على أن يساهم راتبها في مصاريف البيت ، لكن الأم كانت ترفض و تجبر نفسها و ابنتها على عدم صرف أي قرش منه ، و أصـــبحت ريم تتجــــاهل كونها في سوق و تتعرض لمغريات شراء عالية كل يوم فهي تعمل مؤقتا من أجل هدف واحد و لا بد من تحقيقه مهما كلفها الأمر من صبر ••
هذا من ناحية ريم ، أما سمر و التي كانت قد بلغت العاشرة من عمرها فقد تمكنت الأم من الحاقها بمدرسة إبتدائية في حيهم لاستكمال دراستها التي بدأتها في مصر ، و كان قاسم قد أرسل إليهم بانتهاء الفصل الدراسي الأول للسنة الثالثة بكلية الهندسة ، و لما كانت الاسرة لا تستطيع تحمل نفقات سفره فقد تقرر أن يظل في مصر فترة الاجازة ، إلا أن هذا الأمر وقف أمامه عائق الاقامة فلقاسم إقامة في مصر و إقامــــة في السعودية و إذا مرت ستة شهور على أي الإقامتين دون أن يدخل صاحبها البلاد سقطت و تعذر عليه العودة مجددا ، لذا فقط اضطرت الأسرة إلى ضغط نفقاتها و استعمال بعض من مدخرات ريم لكي يتمكن قاسم من الحضور بواسطة الحافلة إلى الرياض ، و بدا أن الأسرة قد نظمت أمورها و استجابت لظروفها متقبلة كل ما يجري عليها في سبيل أن يحمل كل فرد فيها سلاحا ضد مستقبل مجهول ••
***
عندما جاء قاسم في زيارته القصيرة استقبلته ريم استقبالا خاصا ، فربما كان مجيئه يحمل تغيرا تتوق إليه و لو في شكل خبر مفاجيء ، أو قصة طريفة ، أو حتى خبر محزن ، المهم أن تتحرك مشاعرها سلبا او إيجابا ، لتشعر أنها مازالت تعيش ••
كان قاسم متفهما تماما لما تشعر به أخته ، فهو يعــرف أن روحها الوثابة ترفض الرتابة ، و تتحرى مواطن التحدي لتقتحمها ، و الحياة في المملكة العربية السعودية تتسم بالوداعة و التكرار خاصة لمن في مثل ظروفها تحمل روح فنانة و تعمل في غير مجالها ، لذا عندما انتهى بهما المطاف آخر اليوم وحدهما قالت له ريم بلهفة :
 حدثني عن أهل مصر ، حدثني عن زملاء الجامعة و عن سعيد و عن سوسن و حتى عن سيد ، حدثني عن الشوارع و المحلات و المواصلات و السماء و الأرض و الحواري و بيتنا ، حدثني عن غرفتي و عن مطبخنا و عن منظر القمر من نافذتي •• حدثني يا قاسم عن كل شيء مهما بدا تافها في نظرك فإنه يعنيني ، يهمني •• قل يا أخي ، قل ••
ابتسم قاسم متفهما و كان شاربه الكث الذي يشبه شارب أبيه قد فرض على شخصيته وقارا كبيرا و قال :
 اسمعي يا ريم ، أنا أعرف علة شوقك إلى الأخبار التافهة ، إنه الملل ، أنت لم تستطيعي بعد أن تتكيفي مع الوضع هنا ، لم تستطيعي أن تخلقي منه واقعا تتعايشين معه ، التقصير منك يا ريم ، أعذريني ، لكنك أختي و أنا منزعج من الحالة التي وصلت إليها ••
و تهز ريم رأسها و تقول بألم :
 أنا أعرف أنك صادق فيما تقول لكنني لا أملك تغير واقعي ، كل ما حلمت به أنهار فجأة ، أنا في النهاية بائعة في محل للأدوات المنزلية ، أسعى من أجل تحرير شهادة لأعمل بها معلمة رسم ، لا هذا و لا ذاك هو ما أتمنى ، أصابعي علاها الصدأ لم أرسم شيئا منذ ثلاثة شهور أو يزيد ، ماذا أفعل يا أخي ، ماذا أفعل ؟
نهض قاسم من مكانه و تصفح بسرعة حامل الرسم ، وجد عدة ورقات بيضاء فوق لوحة الشروق التي رسمتها على ظهر الباخرة ، أزاح الورقات البيضاء و قال لريم :
 لقد دفنتي ريم خلال هذه الشهور مثلما دفنت الشروق خلف هذه الأوراق ، أين ريم التي كان الوطن عندها سؤالا بلا إجابة ، يعذبها البحث عنه ، و يقويها البحث عنه ، أين الوطن الآن في مساحة تفكيرك و اهتمامك يا ريم ؟ ••
نكست ريم رأسها أرضا و لم تجب ، صدق أخيها في كل ما قال و لكن ماذا تفعل ، هذا السؤال بدا عميقا في عيونها و هي ترفعها متسائلة إلى قاسم ••عاد قاسم فجلس بجوارها ، أمسك يدها و قال :
 ريم ، كوني عملية أكثر ، أنت تريدين ريم الفنانة ، و ترفضين ريم البائعة ، أو معلمة الرسم ، إذن اسعي في طريق ذلك ، وفق إمكانياتك المتاحة ، أنت في سوق نسائي ، مجال الديكور المنزلي و لوحات الحائط فيه سيكون أفضل من الأسواق المفتوحة ، لأن الفن يتطلب عيونا متأملة و فنانا يقدر ما يقوم به ، ابدئي بركـــن في المحــــل الذي تعمــلين به و عندما يتيسر لك دخل مناسب حاولي استئجار محل خاص بك ، حاولي أن تقدمي خدمة متميزة ، لا تقصري نشاطك على رسم اللوحات فقط ، ادرسي السوق و احتياجات الناس و ابدئي فورا •• هل تفهمين ؟
أومأت ريم برأسها تفهما و لكنها قالت :
 و لكن متى يا أخي ، إنني أعمل يومـــيا في المحل مــنذ الرابعة و النصف حتى التاسعة و النصف أعود منهكة أريد فقط أن أنام ، و في الصباح لا يشجع الجو على العمل ، فالحرارة مرتفعة و المنزل مطروق و الجارات يزرننا و أعمال المنزل العادية تستغرقنا ، إذن متى يمكنني عمل أي شيء خلاق و كيف ؟
فقال قاسم بعد فترة صمت :
 لو أنك أردت لاستطعت ، كان بمقدورك دوما أن تفعلي ، إنها مشكلتك و أنت من يجب أن يحلها •• خططي لهدف ، هذا هو الأهم ، أن يكون لديك هدف ، يمكنك أن تجعليه على مراحل كل مرحلة هدف لكي تصلي إلى الهدف الأكبر في النهاية ، المهم لوني حياتك ياذات الرداء الأزرق ••
تركها قاسم في حيرة و مضى ليستريح ، كانت قد سهرت كثيرا الليلة بسبب عودة قاسم ، و كان عليها أن تكون نائمة قبل ساعات من الآن ، لكنها عوضا عن النوم ، اتجهت إلى حامل الرسم ، تطلعت إليه مليا ، داعبت بأصابعها أركانه و زواياه ، غطته بكفها و دارت بها على كل الحامل ، كانت تشعر بحنين إليه ، مدت يدها و أمسكت فرشاتها ، علب الألوان ، اللوحات البيضاء ، احتضنتهم ما وسعــها و قالت بصــوت دافيء ، كأنها تشده من الماضي :
 كم أشتقت إليكم يا أعزائي ••
عندما استيقظ الأب لصلاة الفجر ربط بين الضوء في غرفة ريم و عودة قاســم ، هز رأسه و همس :
 لابد أنها الحكايات سرقتهما ••
لكنه عندما دخل الغرفة لم يجد قاسم ، وجد ريم أمام حامل الرسم ، كانت نائمة ، الفرشاة مازالت بين شفتيها ، و الفرشاة التي ترسم بها على الأرض بجوار ذراعها المدلاة ••
توجه إليها بهدوء لإيقاظها ، لكن اللوحة التي كانت تعمل فيها شدته ، تأملها كانت عبارة عن منظر ضبابي لعيون تتطلع بشغف نحو الأعلى من خلال سحابات بيضاء كثيفة تغطي تلالا بعيدة ، للحظة داخل الأب إحساس بأنه يعرف لمن هــذه العيون ، همس بإعجاب :
 الله •• الله ••
انتبهت ريم من غفوتها فزعة ، وعندما رأت أباها همست :
 أبي ••؟
قال الأب و هو مازال يطالع اللوحة :
 مرحى يا ريم ، لقد عدت من غربتك مجددا ••
أفاقت تماما و استوعبت المعنى وراء العبارة ، ابتسمت بهدوء و قالت :
 إن هي إلا محاولة ••
 ناجحة ، ناجحة تماما يا ريم ••
نهضت ريم و هي تقول :
 الفضل بعد الله لقاسم ، كم كنت بحاجة لمن يذكرني بأنني مازلت على قيد الحياة ••
قال الأب و ابتسامته تنسحب و إحساس بالذنب يلفه :
 غلطتنا يا ريم ، نحن من شجعنا اغترابك عن نفسك ••
بسرعة و حنان ردت ريم :
 لا تقلها يا أبت ، بالعكس لقد استفدت كثيرا من الفترة السابقة ، لا يمكن أن أظل بعيدة عن الواقع ، و أعيش في جزيرة أحاسيسي فقط ، كان لابد من معاشرة الواقع ، من معرفة العالم من حولي ، الخطأ الوحيد هو أنني عرفت و لم أتعلم ، قاسم أرشدني و أعتقد أنني الأن اكثر قدرة على تحويل واقعي إلى الوجهة الصحيحة التي تتيح لي الإستفادة منه في ضوء إمكانياتي ••
تطلع إليها الأب بفخر و قال باشفاق :
 كبرت يا ريم ••
ابتسمت و قالت :
 لم أعد ريم الصغيرة يا أبي •• لابد من التغيير على أية حال ••
***
في اليوم التالي بدأت ريم مباشرة في تنفيذ ما اتفقت عليه مع أخيها ، إذ شرعت في اعادة ترتيب المحل و فرغت ركنا خاصا للوحات التي ترسمها ووضعت حامل رسم خاص في زاوية منه ، و لم يمض يومان حتى كان هذا الركن الخاص من أجـــمل الأركان في المحل و أكثرها اجتذابا لزائرات السوق ، ووجدت ريم لنفسها متعة أخرى عندما بدأت بعض السيدات في سؤالها عن المعنى الآخر للوحات ، و كانت تشرح بحماس و تقدم خلال شرحها معلومات إضافية عن قيمة العمل الأصلي ، و أشياء كثيرة كانت دهشتها عظيمة عندما ضبـــطت نفسها تقولها ، إذ أن إقبـــال السيدات عـــلى الشراء بعـــد الحديث معــــها و اتفاقهن على لوحات أخرى لم يكن له من معنى آخر غير أنها نجحت ••
استرعى الزحام غير التقليدي على محل ريم انتباه زميلاتها بالسوق من مختلف البائعات ، و عندما استطلعن الأمر و عرفن الخبر وجدت صاحبة الأسواق من تترك عملها و تذهب إليها خصيصا لتخبرها أن ريم تعمل لحسابها الخــاص في المحـــل الذي تقف فيه ، و يبدو ان طريقة توصيل هذه المعلومة كانت قوية بالقدر الذي دفع صاحبة الأسواق إلى استدعاء ريم على عجل و مبادرتها فور دخولها :
 ريم هل أفتتحت لنفسك ركنا خاصا بك في محلي ؟
فوجئت ريم بالمباشرة في السؤال فــلم تعلق مـــباشرة ، فأعـــادت المرأة الســــؤال علــــيها و أمهلتها حتى استجمعت شجاعتها و ردت عليها قائلة :
 إذا كان ما تقصدينه هو ركن الفن التشكيلي فهذا صحيح ••
قالت صاحبة الأسواق بحدة :
 هل تعرفين معنى أن تفتتحي لنفسك ركنا خاصا بك دون علمي ؟
فقالت ريم بدهشة :
 ركنا خاصا بي ؟
فقالت المرأة :
 بالطبع ، هو ركن تجاري يعود بالنفع عليك وحدك ، هكذا و بدون استئذان حتى •• أين تعتقدين نفسك ؟ في سوقك ، أم أنك صدقت أن المحل لك ؟
قالت ريم و قد أربكتها لهجة التأنيب الحادة :
 يا سيدة أم سعد ، أنا لم أعتقد في أية لحظة ما تقولينه ، و لا يعدو الأمر تنفيذ فكرة تعود بالنفع على المحل و تستقطب له زبائن أكثر ، و هذا ما حدث بالفعل ••
هزت أم سعد رأسها رافضة تفهم ما حدث و قالت :
 ريم أنت لم تكوني أمينة على المحل الذي وضعتك فيه ، لذا أطلب إليك بهدوء أن تغادري المحل و لا تعودي إليه ثانية ••
كانت الدموع تتدافع من عين ريم و هي تشعر بمذلة و إحباط كبيرين ، و تذكرت مثل هذا الشعور و كم مر بها في مناسبات سابقة ، غادرت منزل أم سعد و هي مقتنعة أن لا حظ لها أبدا في هذه الحياة •• توجهت إلى السوق ، لملمت أغراضها و أغلقت دكانها و سارت بهدوء بين عيون الزميلات اللواتي تعاطف بعضهن معها و تحدثن معها مواسيات مستفسرات مستنكرات و تحدثت إحدي البائعات قائلة :
 كان من واجبك استشارتها قبل الإقدام على هذه الخطوة يا ريم •• أنت مخطئة طبعا ••
من أقصى السوق جاءتها عميلة تركض ، قالت بسرعة و هي تلتقط أنفاسها :
 لم أصدق ما حدث ، هل حقا أنت راحلة ؟
ابتسمت ريم و أومأت إيجابا فقالت المرأة :
 هل يمكن أن آخذ رقم هاتفك ، سأحتاج موهبتك قريبا ••
أعطتها ريم الرقم و غادرت السوق و لم تعد إليه ثانية ••
***
كان قاسم أكثر أفراد اسرتها تألمــا مما حدث معها و اعتبر نفسه سببا مباشرا فيما حدث و قال لها :
 كان يجب ان نتدارس المشروع من كافة جوانبه ، لقد أغفلنا أهم الجوانب ، صاحبة السوق من حقها أن تعرف ، و لن يكون ظلما لو أخذت نسبة من المبيعات أيضا ، فالمحل محلها ••
قالت ريم و هي تغص بدموعها :
 لم تترك لي فرصة لأشرح لها حسن نيتي ، لم تدع لي مجال للتفاهم معها ، كانت قاسية جدا ، للحظة اتخذت ملامحها ملامح كل من ظلمني يوما •• أنا فاشلة ، لا حظ لي في هذه الحياة ••
قالت الأم و هي تراقب ريم مغتاظة :
 إنها وشاية يا ريم ، لابد في الأمر وشاية ••
رفعت ريم رأسها و قالت مستنكرة :
 وشاية ؟ و لماذا أتعرض لوشاية من أحد ، إن علاقتي بالبائعات جيدة و لا أعتقد أن لإحداهن مصلحة في طردي ••
تنهدت الأم و قالت بحزم :
 ستظلين طوال عمرك بلهاء •• تنظرين للناس بعين طبعك ، تعتقدين أنهن كلهن طيبات و محبات •• ألم تسمعي يوما عن الغيرة ، الحقد ، التنافس غير الشريف ، هذا بالتأكيد ما تعرضت له يا ابنتي ، و عليك أن تعرفي من هي التي وشت بك عند أم سعد ••
فقال قاسم بسرعة :
 يا أمي و ما الفائدة ؟ لماذا نحمل ريم فوق طاقتها و نفتح لها نوافذ على عيوب البشر ، دعيها في اعتقادها و دائما لن يصيبها إلا ما كتب الله لها ••
و قالت ريم :
 هل تظني يا أمي أنني حقا بلهاء ، إنني احاول أن أراجع مواقفهن معي فلا أجد فيهن من أستطيع اتهامها ، لقد كنت دوما صديقة للجميع ، و لم يحدث أن طلبت مني إحداهن خدمة ولم أؤدها لها ، لقد ساعدت معظمهن على إعادة ترتيب محلاتهن ، ووقفت بدلا عن من تخرج مبكرا لظرف طاريء منهن ، و كنت أوجه زبائني إلى محلاتهن عندما أعرف رغبة إحداهن في شراء شيء لديهن ، حتى المشاكل التي قد تحدث بين البائعات كنت أساهم دوما في حلها و ترضية الأطراف ، فلماذا أقابل بالشر و قد بدأتهم بالخير ؟
قالت الأم و هي تنظر بشفقة لإبنتها :
 من أجل كل هذا يا ابنتي •• من أجل الخير الذي يملأ قلبك ، لابد أن منهن من حسدتك على خيرك و عطائك ، لابد أن هناك من تمنت موقعك في السوق و تمنت لو أن خير قلبك و عطاءك يكون لديها ، هذا لا شك فيه •• و عندما ظهرت موهبتك سافرة أمام العيون اشتعل الحسد في القلوب المريضة و كانت هذه النتيجة ••
فقالت ريم :
 و لكن يا أمي هذا يعني أن الشر انتصر ••
فقال قاسم على الفور :
 إلى حين يا ريم ، الشر قد يكسب جولة ، و لكن الخير له النصر الأخير ••
همست ريم :
 أتعتقد هذا حقا ؟
هز رأسه إيجابا و قالت الأم :
 بل هو أكيد ••
***
لم تمض على هذه المحادثة أيام قليلة حتي جاء الفرج بشكل لم تتوقعه ريم أبدا عبر مكالمة هاتفية من صاحبة أسواق نسائية أخرى في منطقة أكثر رقيا عرفت بنفسها قائلة :
 أنا أم عبد الله ، سمعت عنك كثيرا من بعض عميلاتي ، و رأيت أيضا عملك الفني لدى إحداهن ، و لذا فإنني أطلب إليك ــ خلافا للعادة ــ أن تأتي إلى السوق غدا لنتحدث بشأن مشروع أفكر به ، إذا كان يناسبك ••
قالت ريم بحماس :
 بالطبع ، سآتي ، غدا ، غدا أكون لديك إن شاء الله ••
عندما وضعت ريم السماعة كان لديها يقين بأن الله معها ، و عندما شرحت لأمها ماحدث دعت لها بالتوفيق و قال قاسم :
 آمل أن أطمئن عليك قبل سفري ، سيكون من دواعي سروري أن أحمل عنك أخبارا طيبة لمن ينتظرون أخبارك ••
سألته ريم باسمة :
 و من الذين ينتظرون أخباري يا قاسم ؟
 كثيرون يا ريم ، كما تتلهفين على الأخبار يتلهفون ••
قالت ريم بحذر :
 الأستاذ سعيد ؟
ضحك قاسم و قال :
 سعيد ، ياله من رجل !! ، أتعرفين لقد أقمت عنده فترة أسبوعين على الأقل ، أصرعلى أن أعيش معه ليتمكن من خدمتي و عندما أثبتت الأيام أنه لا يتقن الطهي آثرت العودة إلى منزلنا و خرجت و لن أعود ••
قالت ريم مندهشة :
 عشت مع سعيد ؟ لم تخبرنا من قبل بهذا الأمر ••
 لا جديد فيه ، سعيد يعيش بمفرده و أعيـــش بمفردي ، و لا فــــرق في أن أســــكن عــنده أو يسكن عندي ، الحياة اختلفت كثيرا يا ريم ، البيت بدونكم مقفرا ، أحيانا أجد نفسي متجها تلقائيا لديه أمارس معه لعبة العائلة المفضلة في تفريغ الهموم ، و أحيانا أخرى أجده يأتي إلي ، عزاب يا أختي ماذا تتوقعين ؟
قالت ريم بإعزاز :
 هذا المخلوق •• كم أتعبناه معنا و لازلنا ، إنه إنسان نادر ••
 هو يراك نادرة أيضا ••
 أنا ؟
 نعم ، يضع لوحة لاجئة فوق فراشه و كلما وقعت عيناه عليها بادر بارسال التحية ، بالمناسبة لقد تلقى عرضا مغريا لبيع اللوحة قبل مقدمي بيوم ، زاره شخص غريب قال إنه صاحب صالة فنون تشكلية و يريد شراء هذه اللوحة منه ••
بلهفة قالت ريم :
 و هل وافق؟
فقال قاسم بلامبالاة :
 اقترحت عليه أن يوافق فالرجل يعرض ثروة ، و لكنه فيما يبدو لم يوافق •• لا أدري ، انشغلت بأمور السفر و لم أعرف التفاصيل ••
همست ريم :
 لن يبيع اللوحة ، لو فعل لن يكون سعيد الذي عرفت ••
***
كان عرض أم عبد الله مفاجأة لريم بكل المقاييس ، لقد عرضت عليها محلا مستقلا في سوقها ، يؤثث كاملا للفن التشكيلي ، يبدأ بلوحات لها و تدريجيا يضم لوحات أخرى لفنانين أخر ، تنفذ فيه أعمال تشكلية وفق رغبة العميلات ، و يلحق به فرع خاص للاطارات و تغليف الهدايا ، و طلبت منها أن تعرض عليها أي فكرة جديدة قد تخدم المحل ، او خدمة في هذا الإطار تحتاجها العميلات ، و ذلك مقابل المناصفة في الأرباح ، عرض خيالي لم تكن ريم تتوقعه ، فهي لا تملك إلا موهبتها ، فيـــما ستقوم السيدة بتأثيث المحل و تجهيزه و توفير كافة الخامات المطلوبة ، وفي النهاية الأرباح مناصفة ، أي عرض ؟
كانت ريم تقص الخبر على أسرتها و دهشة كبيرة تغلف صوتها ، و إحساس فرح كبير يطغى على قلبها ، قالت الأم و هي تحمد الله :
 الله مع المنكسرين جابر ••
و قال قاسم :
 مبروك يا أختي ، ارفعي رؤوسنا و قدمي أحسن ما عندك ••
و قال الأب :
 لا تنسي يا ابنتي ، العمل لن يكون فنا خالصا ، إنه ادارة و تسويق و تعامل مع أناس فيهم الجيد و فيهم الرديء ، ضعي الله نصب عينيك و توكلي عليه ، و إن شاء الله ستنجحين ••
و قالت الأم :
 لا تعطي ثقتك لأحد •• إعملي بما يرضي الله و لكن لا تمنحي كل ما تملكين دفعة واحدة ، اعرفي المجتمع الجديد و تعاملي معه بحذر ••
هزت ريم رأسها و قالت بثقة :
 اطمئنوا ، الله معي ، لن يخذلني ما حييت ••
***
سافر قاسم ، وعادت الأسرة إلى سابق عهدها و يومـــياتها ، و استغــرقت ريم في إعـــداد و تجهيز المحل الخاص بها ، كان الحــلم يتجسد يوما بعــــد يوم و المحل يأخذ طــــابعا مختلفا و شكلا مبهرا ، وظفت أم عبد الله كل فنون الديكور في عمل موقع للفن التشكيلي من أبدع ما يكون ، أطلقت على المحل " جاليري الرياض " و بعـــد شهـــر كان المحـــل قد اكتسى حلته و تهيأ حتى بالأكياس و الكروت التي تحمل اسمه ، و لم تبخل أم عبد الله عليه بالإعلان في الصحف و عندما رأت في عيون ريم أسئلة و دهشة ضحكت قائلة :
 الغالي ثمنه فيه يا ريم ، العمل ينبغي أن يصرف عليه جيدا حتى يأتي بعائد جيد ، غدا تعرفين قيمة ما نفعل و ما نصرف ••
قالت ريم :
 لكنك أنفقت الكثير وفي هذه الحالة يكون مناصفة الأرباح بيننا غير عادل ، ينبغي إعادة النظر في هذا الاتفاق ••
ضحكت أم عبد الله كثيرا و ربتت على كتف ريم و قالت :
 يبدو أنك ساذجة أكثر مما تصورت ، ما تقولينه ينبغي ألا يقال ، أنت ستساهمي بمجهود كبير و على اكتافك سينهض و يستمر هذا المحل ، كل ما ترينه غلاف أنيق لن يكون له قيمة ما لم يكون المضمون راق ، هل فهمت ؟
هزت ريم رأسها و قالت :
 لا أعرف كيف أشكرك يا أم عبد الله ، أسأل الله أن يوفقنا و ينجح المشروع و أستطيع حقا أن أكون عند حسن ظنك بي و بموهبتي ••
قالت أم عبد الله مؤكدة :
 انا اكيدة إن شاء الله أنك ستكونين على قدر المسئولية ، هذا أحساسي و طالما كان إحساسي صادقا و لم يخذلني أبدا ••
***
عادت ريم في هذا اليوم كأسعد ما يكون ، ممتلئة حماسا و رغبة في إعطاء مجهودها مداه ، كانت بالفعل قد شرعت في الرسم المخصص للمحل داخل المنزل و كانت تريد أن تصل سريعا فقط لتكمل ما بدأت ، و عندما دخلت المنزل ، استرعت انتباهها الأصوات القادمة من الصالون ، ثم نادتها الأم لتدخل و كانت مازالت بعباءتها ، دخلت تلبية لطلب الأم فوجدت الأب جالسا في واجهة الغرفة وعلى يمينه ، جلس شاب شديد الوسامة ، كانت نظراته مطرقة ، و في يده كوب شاي لم ينتهي ، وقفت ريم على الباب فقال الأب :
 أدخلي يا ريم ، تعرفي على ابن عمي سهيل
اتسعت ابتسامة ريم و دخلت على الفور مرحبة و قالت و هي تمد يدها إليه :
 أهلا بك يا سهيل ، حمدا لله على سلامتك ••
نهض سهيل و قال بارتباك قليل :
 أهلا بك يا ابنة العم ••
قال الأب :
 أتصدقين يا ريم أن سهيلا في الرياض منذ شهرين و لم يأتي الا اليوم ؟
فقالت ريم فورا :
 صحيح ، لقد تذكرت أخبرتني في خطابك أنك قادم ، فعلا أنت هنا منذ وقت طويل ، لماذا لم تأت قبل اليوم؟
جلس سهيل و عادت نظراته إلى الأرض و قال :
 لم أشأ أن أزوركم قبل أن تستقر أوضاعي هنا ، كان لابد من تأمين السكن و استلام العمل والتعرف على المكان و غير ذلك من أمور ••
قالت ريم :
 فهمت •• ستحتاج بعض الوقت للتكيف مع المحيط و الحياة هنا ، و خاصة حرارة الجو ••
رفع سهيل عيونه إليها و ركزهما عليها و قال :
 انسيت ، أنني كنت أعمل في الصحراء الليبية ، و الجو الحار من خواص منطقة العمل هناك ••
خفضت ريم نظراتها بسرعة و قالت :
 نعم •• معك حق ••
أستأذنت لتبديل ملابسها و عندما عادت ، تشعب الحديث و كانت الموضوعات كثيرة ، تحدث سهيل عن نفسه و تحدثت ريم عن مشروعها ، و عندما دقت الساعة منتصف الليل قرر سهيل أن يمضي ••
عادت ريم لغرفتها ، و استخرجت من خزانة ملابسها رزمة رسائل كان سهيل قد كتبها إليها طيلة السنوات الماضية ، أعادت قراءتها ، كانت تريد أن تعرف المزيد عنه ، و كانت كأنها تقرأ الرسائل للمرة الأولى ، كان فيها شيء جديد لم يسبق لها أن رأته من قبل ، فجأة شعرت أن الكلمات أكتست لحماو دما و أن وجه سهيل الجميل يطغى على السطور بل على كل جو الغرفة ••
***
عاش سهيل يتيما ، تربى في أحد المخيمات على الحدود ، كانت ظروفه دائما سيئة ، تعلم في مدارس الأنروا و كان دوما طفلا ذكيا موهوبا أثبت تفوقه رغم ظروفه و رغم اضطراره إلى العمل منذ نعومة أظفاره و افتقاره إلى الحنان فكل امريء في المخيم لاه بحاله و لم يكن وجود طفل يتيم بينهم بالأمر الذي يدعو إلى المعاملة الخاصة ، لأن حاله مثل حال الكثيرين ، تربى و كبر دون أن يعتني أحد بعينه بهذه التربية و كان في داخله غضب يكبر كلما كبر و تعلم و فهم ، غضب على حياته و جوعه و حرمانه ، غضب على الأشخاص الذين يأتون مرة كل شهر ليصبوا في أوعيته القديمة دقيقا و سكرا و زيتا ، كان لديه غضب على كبار كانوا يسرقون طعامه ليطعموا أولادهم و يتركونه في البرد يرتجف ليغطوا بغطاء الصدقات الخاص به أطفالهم ، كان في قلبه غضب على الأطفال الذين لديهم أم أو أب ، أولئك الذين كانوا يصيحون فيه كلما اقترب منهم و يهددونه بهذا الأب أو تلك الأم ، كان غاضبا دوما ، لا تزور البسمة شفتيه إلا إذا استطاع أن يقتص من أي شخص بطريقته الخاصة ، قد يسرق ، قد يضرب ، قد يجري سريعا بعد أن يضايق أحدهم فلا يلحق به ، الشيء الوحيد الذي لم يمارسه أبدا في حياته هو الكذب ، لم يكن يكذب أبدا كان يعتبر الكذب نقيصة تقلل من أهميته و تأخذ من رجولته ، لذا جر عليه صدقه صنوفا من العذابات على يدي سكان المخيم ، أو معلميه ، و عندما كبر انخرط كغيره من الفتيان في صفوف المقاومة ، لم يكن يعنيه اللواء الذي يقاتل تحت شعاره ، كل ما كان يهمه أن يمسك في يده بنـــدقية قديمة ، أو رشاشا صغـــيرا ، أو حتى قنبــلة يدوية و ينفذ عملية صغيرة تطلب منه ، و سقط إحدى المرات في يد الإسرائليين ، و كان من الممكن أن يظل سجينا بقية حياته لولا خروجه ضمن إفراجات تحدث من وقت إلى آخر لأسباب سياسية لم تكن تعنيه ، كل ما كان يعيشه آنذاك أنه دخل السجن و أنه خرج منه ، و أنه صار بطلا و لا يستطيع أن يقهره أي مخلوق ، و عندما انتهى من الثانوية العامة تحدث مع المستر "جو " الذي جاء ليتفقد المخـــيم ذات يـــوم و طلب منه أن يكـــمل تعليمه و وعده هذا "الجو " بأن يدرس وضعه و ييسر له هذا الأمر ، و بالفعل حالفه الحظ ووجد له مقعدا دراسيا في جامعة بير زيت ،ربما كانت الدعاية للمساعي الغربية النبيلة هي التي وفرته له ــ فقد تم تصويره و هو يدخل الجامعة و كتبوا على لسانه بعض عبارات الشكر في كتيب أنيق يوزع على الجهات المانحة للمعونات ــ ، لكنه لم يكن معنيا إلا بما يستطيع الوصول إليه من مكاسب أيا كانت الجهة التي ستمنحه هذه المكاسب ، و في الجامعة أيضا كان متفوقا ، عنيفا ، سليط اللسان ، ساعدته وسامته و طلاقة لسانه على تقبل الآخرين له ، كما أنه كان وطنيا لا يجرؤ أحدهم على اتهامه بعكس ذلك ، فقد كان ينظم المظاهرات و يقوم من وقت لآخر بالعمليات الصغيرة التي اعتاد القيام بها منذ صغره ، و عندما تخرج استطاع أن يحصل على عقد عمل في صحراء ليبيا ••
و لم تكن حياته خالية من وجود الجنس الناعم فيها ، فهو قد تربى في مخيم و يعرف من أين تؤكل الكتف كما يقولون ، لذا اتسم بالجرأة في تعامله مع البنات ، و كان من السهل عليه تكوين العلاقات ، إلا أن علاقاته لم تصل يوما إلى أبعد من اللقاءات و الكلام المعسول و الأحلام الوردية ، ثم يتركها ليبحث عن غيرها ، و كان شباب الجامعة يغبطونه على قدرته في اجتذاب القلوب إليه فكان يبتسم إبتسامته الغامضة الساحرة و يقول :"إنه سر اللعبة ••!!"
عندما أتاحت له الظروف أن يعمل في الرياض ، كانت ريم هي شغله الشاغل ، ربط مصيرها بمصيره منذ تعرف إليها عبر السطور و المسافات ، كانت شيئا شفافا لم يقابل مثله في حياته، و عندما تعرف إليها في أول زيارة لبيتها ترسخ لديه اليقين بأنها ستكون بطلة قصة جدـــيدة في حياته ، و أعجبه جــدا طريقـــة تفكيرها و أسلوب حديثها و تفاؤلها الدائم رغم ما مرت به من محن ، و عندما تحدثوا أمامه عن ثقتها فيمن حولها عرف أنه قابل فتاة طيبة :
 كما أنها جميلة ••
***
خلال عام كانت ريم قد ثبتت نفسها في عملها و صنعت لنفسها اسما في عالم الفن التشكيلي و استطاعت ان تحظى بثقة كل من تعامل معها فازدهرت أعمـــال المحل كثيرا ، و ظلت هي محل اهتمام و عطــف صاحبة الســــوق ، التي قدرت فيها مهارتها وأمـــانتها و حسن سلوكها ، و استطاعت ريم أيضا خلال هذا العام أن تستخرج شهادتها الجامعية بناء على الحاح والدتها و ليس لأنها تريدها ، شقت ريم طريقها بدون الشهادة و لذا فلا أهمية لهذه الورقة التي أخذت من عمرها سنين ، و خالفتها أم عبد الله الرأي قالت لها إن وجود هذه الشهادة ووضعها في المحـــل في إطار أنيق من شأنه أن يدعـــم المحـــل أكثر ، و ذلك عندما تطلع العميلات على الشهادة و تعرفن أن من يتعاملن معها صقلت موهبتها بالدراسة ، قالت لها و هي تؤكد :
 صدقيني ، الناس يهمها الشهادات ••
و بالفعل أطرت ريم الشهادة ووضعتها على جدار المحل ، و صدق توقع أم عبد الله فقد تناقلت العميلات الخبر و ازدادت ثقتهن بها و بذوقها و أصبح من العادي جدا أن تسألها العميلة عن رأيها في التصميم الداخلي لمنزلها ، و فشلت في أقناعهن بأنها ليست مهندسة ديكور ، إذ كان ذوقها يبرهن دائما على تفهمها الكبير للجمال و معرفتها لأبسط الطرق التي تؤدي إليه ••
و استرخت ريم ، شعرت أنها ارتاحت ، لم يعد هناك ما يؤرقها ، فالتفتت إلى قلبها لتكتشف فجأة أنها لم تحب حتى هذا الوقت ، استعرضت الأسماء التي مرت بها في حياتها فوجدت أن اسما منها لا يعني لقلبها شيئا ، حتى جاءت على ذكر سهيل ، ابتسمت و أرخت عضلاتها تماما و استلقت على الفراش ، و أخذت تسترجع تفاصيل علاقته بهم منذ عام ، لقد لاحظت ــ و تعتقد ان الجميع لاحظ معها ــ اهتمام سهيل بها ، نظراته ، كلماته ، تلميحاته ، لكنها لم تعطه الفرصة أبدا أن يحدثها بشكل خاص في أي موضوع ، كان يزورهم مرة كل أسبوع ، يسهر حتى وقت متأخر يتعشى معهم ، و يحرص في كل زيارة على هدية بسيطة لريم أو لأمها أو لأختها و عندما عاد قاسم في الإجازة أحضرله سهيل هدية ، تندرت الأسرة على هداياه فأصابه الخجل و تطلــــع إلى ريم لتنــقذه فقالت و هي تبتسم له :
 يا سهيل نحن نعتز بك لأنك من العائلة و ليس بسبب هداياك ••
و قالت الأم :
 وفر قرشك يا بني القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود ••
و تقلبت ريم على فراشها بمرح و تذكرت عندما همت ذات يوم برفع الأطباق بعد العشاء من أمامه فهمس في أذنها بسرعة :" أريد أن أتحدث معك " رفعت الأطباق و نظرت إليه بركن عينها و تصرفت كأنها لم تسمعه ، و راقبت تحرقه لردة فعلها و هي تمعن في لامبالاتها و تخاله شك في أنها سمعته !!
و نهضت من فراشها و توجهت للمرآة فوقفت أمامها تطالع نفسها و تتذكر التعليقات المتباعدة التي كان سهيل يضمنها أحيانا كلامه و يتعمد أن تظهر و كأنها غير متعمدة ، لقد أشار يوما إلى دقة اصابعها و جمال منظرها في معرض حديثه عن تأثير الحياة الخشنة على أيدي النساء في فلسطين ، و أشار يوما إلى روعة قوامها عندما ألحت عليها الأم في تناول المزيد من الحلوى بعد يوم عمل شاق و رفضت من أجل المحافظة على الرشاقة ، و عندما أراد أن يتحدث عن عيونها أدار بنفسه دفة الحديث ليتجه نحو ما يريد ، فأسهب في شرح لغة العيون و تراوحها بين القوة و الضعف ، و لاحظت ريم اندفاع الأم للتدليل بعيون ريم على ما يقول قائلة :
 صدقت ، مثلا ريم استطيع بسهولة أن أعرف مشاعرها و ما تريد قوله بمجرد النظر في عيونها ، إن لغة عينيها قوية جدا ••
صاحت ريم في نفسها :" احذري يا أمي ستقعين في الشراك !!"
لكن الأم كانت قد وقعت بالفعل إذ رد سهيل سريعا على عبارتها قائلا :
 قوية و جميلة أيضا ••!!
و توجهت ريم إلى حامل لوحاتها و خطت بعض خطوط تشكل قلوب و أسهم و الحروف الانجليزية الأولى من اسمها و اسمه ثم ضحكت ضحـــكة حــــبور صـــافية و صفقت بيدها و خرجت من غرفتها إلى أمها ، كانتا وحديهما قالت :
 أمي •• ما رأيك بسهيل ؟
فوجئت الأم بالسؤال و قالت بسرعة :
 و ما لنا به ؟
فقالت ريم بمرح :
 لا شيء •• لكن بعد عام من تعرفنا عليه ، يجب أن يكون لدى كل منا انطباعا ما عنه ••
فقالت الأم مبتسمة :
 ماهو انطباعك أنت يا ابنة جهاد ؟
فقالت ريم :
 لا أدري ، لكنني أحب مجيئه إلينا ، و أحب أن أجلس إليه و أتحدث معه ، أحب مراقبة محاولاته لإبلاغي دوما برسالة ما •• أشعر أنه قدم روحا جديدة لحياتي •• و أحب ذلك ••
تركت الأم ما في يدها و علا ملامحها القلق و قالت بجدية :
 تحبين ؟ ألا تعتقدين معي أن سهيل غير مناسب ؟
قالت ريم بمكر :
 غير مناسب لأي شيء يا أمي ؟
فقالت الأم بجدية كبيرة :
 غير مناسب للزواج يا ابنة جهاد ••
فقالت ريم باهتمام :
 صحيح أنه لم يطلــبني ، و لا تحــدث معي بهـــذا الخصوص و لكــــن بوجه عــام ما المانع يا أمي ؟
تنهدت الأم و جلست و هي تقول :
 المانع يا حبيبتي هو في القهر الذي لاقيت أنت و إخوتك بسبب الجنسية ، تريدين الزواج من فلسطيني لكي تكرري المأساة مع أبنائك أيضا ؟
وجمت ريم ، انسحب بقوة كل المرح داخلها ، لوهلة شعرت بغصة كبيرة تتجمع في حلقها ، غصة بحجم المعاناة القديمة ، تذكرت بسرعة و غامت عينيها بضبابات الذكرى ، هزت رأسها و قالت بهدوء :

 إذا تعاملنا بهذا المنطق لن يتذكر فلسطين بعد عقد من الزمن أحد من خارجها ، سينتهي من يحبها و تضيع من القلوب ••
أشاحت الأم بيديها و قالت :
 لن تتأثر فلسطين بواحدة ، و أن تضيع البلد من قلبك خيرا من أن يضيع منك أبنائك ، الحالة تزداد سوءا و العاقل من يضع الغد نصب عينيه ••


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى