

امتثال ...
الوظيفة، لم تكن من أحلامك.. تمقت القيود.. تعشق الحرية.. لا تحب الشكليات..
يربت خالك كتفك:
– " لا تحتاج إلى التفكير. "
تضغط على شفتك السفلي :
– "لا أحب الروتين والرتابة الوظيفية. "
يقول خالك، بحيرة:
– " إن التعيين في بنك من الأمور النادرة، هذه الأيام. "
تنظر إلى سقف الحجرة، تقول بهدوء :
– " إ نها فرصة ، ولكن لا أتصور نفسي موظفًا. "
تلوح ابتسامة ، على ثغر خالك:
– " المهم أنك موافق على الفكرة. "
يجفوك النوم - في الليلة السابقة لذهابك إلى العمل – أيكــون تعيينك في البنك ، هو الذي تسعى إليه ؟ . أم هي تجربة ، تتبعها تجارب أخرى ؟ .. هواجس كثيرة تضاربت في رأسك وتداخلت الدوائر.. تجلس تتأمل الفراغ ، تستنشق نسمات الهـواء – الشتوية - التي تنساب من خصاص نافذة حجرتك، مع ظـلال النور الخافت، الساقط على الحائط.
يقطع السكون السادر رنين " المنبه " . تغلقه ، تنظـر إلى عقارب ساعتك.. تلفاها تقترب من السابعة.. تهرع مسرعًا ، ترتدي ملابسك .. تنثر وجهك بالماء البارد، المندفع من الصنبور ، تخرج من شقتك .
تقفز في أتوبيس ، متجهًا إلى ميدان التحرير.
لم تكن تعلم، ما هي وظيفة خالك – بالضبط – كل ما تعرفه : أنه في درجة وكيل وزارة.
تسأل عنه: موظف الأمن .. يرحب بك ، تقول: الدور الرابع... تقف أمام المصعد – الأوسط – المخصص للأدوار الزوجيــة .. بعد دقائـق تدخل فيـه ، تطلـب الـنزول في الدور الرابع..
تخرج من المصعد.. تطالعك: لوحة إرشادية ذهبية اللون: "قطـاع التخطيط والتنظيم والتدريب "، وسهم يتجه إلى الجهة اليمــنى .. تتجه خطواتك ، عبر ممر قصير، مفروش بسجادة قانيـــة الحمرة.تدلف إلى مكتب ، مدونًا على بابه:" مكتب رئيس القطـاع" . قبل أن تسأل عن خالك ، تجد في انتظارك " عباس " - الذي يعرفك بنفسه - أسمر البشرة ، ذو شارب دقيق ، وأنف حــاد ، نحيف القد.. يرتدي قميص أزرق ، وبنطلون أسود ، ورباط عنق ، تتداخل ألوان الطيف في نسيجها .. يقول بتودد:
– " خال سيادتكم في اجتماع طاريء، ولقد كلفني بأن أنهى إجراءات تعيينك. "
تقف حائرًا، تردد:
– " شكرًا .. "
.. تمكث في إدارة شئون العاملين : تملأ أوراق التعيين ، بعد تقديم مسوغا تها ، وتوقع على أوراق ، وأوراق ...
تقابلك ابتسامة الموظف المختص ، والمديح في شخص خالك .. وإصراره على الترحيب بك ، بطلبات : الشاي والقهوة.. لكنك لم ترتح لتلميحات بعض الموظفين ، وتحيتهم الباهتة..
تجلس - في مكتب خالك - تتأمل عالمًا جديدًا ، لم تألفه من قبل ..
بعد ساعة تقريبًا ، يفتح باب الحجرة ، يدخل " عباس" وخالك - مبتهجاً - يسلم عليك :
– " كنت في اجتماع رؤساء القطاعات ، ولعل عباس قام بالمطلوب.."
– " لقد قمت بالانتهاء من إجراءات التعيين."
قال خالك ، وهو يجلس على مكتبه:
– " فورًا ، يتم تخصيص مكتب له في حجرة إدارة القضايا..
ولا تنس أن توصي عبد الخالق سعيد، وأن يعتني بابن شقيقتي."
يهز - عباس - رأسه :
– " في الحال ، ستنفذ أوامرك ، يا سعادة البك.."
يأخذك " عباس" إلى الدور السادس ، تدخلا - آخر حجرة - الباب مفتوحًا .. وبادر " عباس " بتعريفه بك لـ " عبد الخالق سعيد " .. تلفاه يهم بالوقوف من وراء مكتبه .. يشد على يدك بحفاوة :
– " أهلاً بك في إدارة القضايا ، وإن شاء الله ، نكون عند حسن ظنك."
تقول ، بارتباك:
– " شكراً .. "
تجلس على الكرسي ، الملاصق لمكتبه ، يأخذ نفسًا عميقًا مـن سيجارته ، يشير بيده ، كي تقعد ، يردد:
– " سأعرفك بزملائك ، وبعد ذلك نتحدث عن العمل."
يلتفت وراءه ، يضغط على مفتاح .. ينبعث رنين متصل .. يدخل ساعي المكتب :
– " أ يوه يا فندم .. "
ينظر إليه ، وبنبرات حازمة:
– " بلغ المحامين إدارة القضايا الحضور لدى فورًا.."
يقوم " عبد الخالق سعيد " ، يزيح كرسي مكتبه .. يقعد عليه ، يسحب أحد الملفات - المتراصة أمامه - يقلب في أوراقه ، يقرأ صفحاته بتركيز .. ينظر إليك سارحًا ، ثم يعود مرة أخرى إلى الأوراق..
نقرات ، متتابعة ، ومنتظمة على باب الحجرة ..يدخل ثلاثة من زملائك .. يقفوا قبالة مكتب " عبد الخالق سعيد " .. يضع نظارة القراءة أمامه ، يأخذ رشفة من كوب الشاي:
– " والآن يا خيري ، سأعرفك بزملائك. "
يشير بيده :
– " عماد.. سامي .. نرمين.."
يهموا بالتسليم عليك ، والبشاشة والترحاب ، تطلان من عيونهم.. ينظر إليك " عبد الخالق سعيد " .. يزوى ما بين حاجبيه:
– " من قرار تعيينك يتضح ، أنك معين أخصائي شئون قانونية ، ولست فنيًا .."
تقول :
– " أرجو الإيضاح ."
يضيف :
– " وفقًا للائحة البنك ، وقانون الإدارات القانونية ، واللائحـة التنفيذية. لا يكون التعيين في وظيفة محام إلا بإجراء مسابقة ، يعلن عنها في جريدتين رسميتين .
على العموم .. ستوزع عليك ملفات القضايا المنتهية ، لكي تتعلم من قراءتها . بإشراف زميلك عماد.. وأي معضلة .. أنا تحت أمرك. "
.. لم تنبس بكلمة ، تخرج مع زملائك من الحجرة ..
تجلس على مكتبك – الصغير – لصق الحائط الأوسط لحجرة القضايا ..على يمينك " عماد" .. أمامك " نرمين" .. وفى الجانب الأيسر " سامي " .. يبادرك عماد، ً :
– " أجدك شاردًا .."
بنبرات خفيضة:
– " حديثي مع مدير الإدارة ، أقلقني . "
– " لا تهتم بكلامه كثيراً..أنت حاصل على ليسانس حقوق مثلنا.."
بحزن ، تقول :
– " لقد أصابني بالحيرة ."
يقوم " سامي " من مكتبه ، يدنو من مكتبك ، بصوت جهوري :
– " سيادة خالك ، مشرف على قطاع الشئون القانونية .. لا تقلق.. "
بضيق :
– " صحيح خالي ، هو الذي عينني في البنك ، لكن لا أحب أن
تكون معاملتي على هذا الأساس .."
تبتسم نرمين:
– " سامي ، لم يقصد ذلك .. المهم لا تتأثر بكلام عبد الخالق سعيد.."
يفتح " عماد " ، أحد أدراج مكتبه ، يسحب ملفًا ، وبنظرات ودودة:
– " اطلع عليه ، وسنتناقش فيه ، وأي استفسار . لا حرج في الأمر .."
.. ترنوإلى عقارب ساعتك .. الثالثة تمامًا .. تتوقف عن قراءة الملف ، تضعه في أحد أدراج مكتبك ، كي تقوم بالتوقيـع في دفتر الانصراف ..
لم تنتظر المصعد ، تهبط على السلم .. الزحام خانق .
.. تخرج إلى شارع " قصر العيني " ، تستنشق هواءً ، عابقـًا برائحة الانفلات من الروتين...