الثلاثاء ١ آب (أغسطس) ٢٠٠٦
بقلم جمانة حداد

فتاة مرمية بين الأنقاض

"سوف أصعد الى السماء
سأركّب للقمر زناداً
ومن فوق سأطلق الرصاص على العالم
بلطفٍ
كي يتغيّر"
راوول غونزاليث تونيون

1

فتاةٌ مرمية بين الأنقاض. اسم الفتاة نور. أو اسمها ربى. ما الفرق؟ ألا يتشابه الأطفال الميتون في صمت أجسادهم الصاعق؟ كانت تحب أقواس القزح وتحلم بأن تصير رائدة فضاء عندما تكبر. ها هي صعدت أخيراً الى تلك السماء التي طويلاً تأملتها من تحت. نور: خيّالة الغيم؛ نور: رائدة فضاء الأبد.

2

رجل يبكي أمام منزله المهدّم. لا يقول شيئا. يبكي فقط. ينظر ويبكي. جالسٌ على كتلة اسمنت مشوّهة كانت في ما مضى غرفة نوم ابنه البكر. راحت غرفة النوم وراح الإبن البكر. يده المتكئة على دموعه ترتجف رغماً عنه. يده المهزومة تتعلّم الاستسلام لقدرها الأسود. يبكي ويفكّر: هل القدر ذريعة يتحجّج بها الله عندما يخطىء؟ المفترَسة المروَّضة، يد الرجل، لن تشفى بعد الآن من ذكرياتها.

3

عجوز مغمضة العينين في سرير طارىء في مدرسة. جثث في رأسها، جثث في قلبها، جثث فوق صدرها، جثث على كتفها اليمنى، جثث تحت جفنيها المجعّدين. مغمضة العينين، العجوز، كي ترحل أسرع في العتمة. مغمضة العينين كي لا ترى روحها على حبل الغسيل تجفّ على مهل قرب ثياب أحفادها الذين غافلوها، اولئك العفاريت، ورحلوا قبلها.

4

أمّ تُرضع طفلها في ملجأ. أمّ تُرضع طفلها الحزنَ في ملجأ. أمّ تُرضع طفلها اللوعة والغضب واليأس. أمّ تغنّي لطفلها في ملجأ، تهدهده ببؤس يديها، وتصلّيه كآياتٍ بجروح حنجرتها. تودّ لو تطير مع طفلها، الأم، لكن كآبة الليل الثقيلة كأكياس رمل عند الكاحلين تحول دون تحليقها. هي لا تستطيع أن تتخلص من الليل الذي لا يراه أحد. "ألم يشرق فجرٌ بعد؟"، تقول همساً. أمّ تعصر طفلها في ملجأ لتصير هي الملجأ. أمّ تريد أن تكون أرضاً، وتريد من الأرض أن تجعل طفلها نبعاً يأخذه النهر بعيداً عن الحريق. أمّ تريد أن تكون صلاة، قصيدة، أغنية، وطفلها كلماتها.

5

أولاد يلعبون بمسدسات ورقية. لا يعرفون الـ"بلاي ستايشن" ولا الـ"نينتندو" ولا أفلام والت ديزني السكّرية المشبعة باللونين الزهري والأزرق. يمزّقون صفحات بيضاء مسطّرة من دفاترهم المدرسية، يطوونها مرّة، مرتين، ثلاثاً فتصير سلاحاً. أولاد يمثّلون الحرب التي تفحّ في آذانهم، والحرب تنتظرهم لتبتلعهم كالغول عندما يكبرون. يحفرون الخنادق ويكمنون ويصوّبون ويطلقون النار ويقعون. أولاد يغتالون طفولتهم ومستقبلهم بمسدسات من ورق، والعالم يبتسم ببلاهة.

6

سبعون صندوقاً خشبياً. سبعون صندوقاً خشبياً على الدرب. سبعون صندوقاً خشبياً ترقص على الدرب الواسعة الى المقبرة. سبعون صندوقاً خشبياً ترقص خفيفة تحت شمس تموز المجرمة. هل حقاً "يفقد اسمه الذي يموت ميتة مشتركة"؟ (أنسي الحاج). لا. سأسمّيهم: علي، فاطمة، هناء، هشام، محمد... سأسمّيهم: عصفور، فراشة، وردة، نبع، نجمة... سبعون صندوقاً خشبياً في صور. سبعون صندوقاً خشبياً في قانا. سبعون صندوقاً خشبياً لم يفقد نزلاؤها أسماءهم ولا وجوههم. فقدوا ظلالهم فحسب. ظلالهم التي كانت تركض وراءهم ضلّت الطريق وانطفأت كشموع متعبة على الجدار المقابل.

7

أيضاً: هل القدر ذريعة يتحجّج بها الله عندما يخطىء؟


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى