الأربعاء ٦ أيار (مايو) ٢٠٢٠
بقلم أحمد بلحاج آية وارهام

في داخلكَ يَكمُنُ جوابُ أسئلتكَ

استيقظتُ ذات ليلة خريفية لأجدَني غارقاً في عَرقٍ لزِجٍ أصفرَ، مريضاً،ساخناً كفُرنٍ، فعزوتُ ذلك إلى حُمّى عابرةٍ، ولكنها مع مرور ثلاث ليالٍ ظلَّتْ ساكنةً في جسدي كلاجئةٍ

فرَّت من إبادةٍ عِرقيةٍ. فقد فقدْتُ السيطرةَ على مزاجي،واختلَّ توازني، وانتفخَتْ عيناي، واخضرَّ هذَيَاني، وامتدَّتْ أشجارُ هواجسي في أراضي النهارِ والليل.

وبعد زيارة عدَدٍ من الأطبَّاء، أمدُّوني؛ عَقِبَ التشخيصات المتنوِّعة؛ بأدويةٍ كثيرة، ووعدُوني بعد تناولها بالشفاء، دون أن يُسَمُّوا لي مَرضِي، فانحنيتُ لأوامرهم، وابتلعتُ أصنافاً مُقرفةً من الأقراص مُختلفةَ الألوان، وتحمَّلتُ حُقَناً لَسَعاتُ العقارب أحَنُّ منها. غير أن حالتي بقيَتْ كحَجَر في الماء، لا يَذُوبُ ولا يَتحرَّك، فيئِسْتُ من نفْسي، وصِرتُ أُمْطِرُ زُواري بأسئلةٍ حمقاء كقطراتِ سَرابٍ في فمِ عصفورٍ كسيرِ الجناح، مما دعا مُعايِدِيَّ إلى التخفيفِ من مُعايَدَتي، وإلى الشعور بالحَرَج،إلا واحدا منهم، فقد تَباطَأ حتى انصرف الآخرون سِراعاً، ثم قال لي:

- أنت صديق قديم لي، ما يؤلمك يؤلمني، ولن أغشَّك في النصيحة، وإن مرضك ليس في جسمك كما تعتقد، وإنما هو في سُويداء نفسك ،ولا أحد غيرك لديه حقيقتُك، فلا تُزعجْ أصدقاءك بأسئلتك، إنْ أردتَ الاحتفاظَ بهم،فكَمْ مِن صداقةٍ قتلَتْها الأسئلةُ الخرقاءُ، فلا تَنتظِرْ أجوبةً حقيقيةً عن أسئلةِ حياتك، بل عليك أن تكتشفها في داخلك، ولا شيء غير هذا يُجْدِيكَ في عِلَّتك.

- يا لك من قاسٍ، لا يُمطر شفقةً ولا رحمةً، الخلاءُ الموحشُ المُكفهِرُّ ألينُ منك، وأكثرُ سماحة!!.

- صدِّقْني، إن الوهمَ بَاضَ في أعماقك، فخِلتَ نفسك مريضا، وكم كُثْرٌ هؤلاء الذين هم نُظَراؤك، والذين لا يكتشفون الرؤوسَ التي على أكتافهم،ولا يُكَرِّمونها،ولا القلوبَ التي تَدقُّ في صدورهم مغتبطةً بالحياة.

- إن ما تراه وهماً فِيَّ أراه أنا حقيقة، وبين الوهم والحقيقة شعرةٌ لا يراها غير الأسوياء، وبرزخٌ لا يَعبُره غير الفؤاد المغسول بالنور.

(إن الوجود كتاب فيه مرقومُ
لكنه منه معلوم وموهومُ
والمُحْدَثاتُ هي الموهوم منه،ومَنْ
يُقالُ فيه إلهٌ فهْو معلومُ
وليس يَحكُم في الأعيانِ من أحدٍ
إلا وحاكمه عليه محكومُ
إنْ قلتُ هوَ،قال هذا لستُ أعرفُه
أو قلتُ لا،قال هذا فيه تقسيم
متى يُصَدِّقُ بالإحساسِ يُكْذِبُه
لكنَّه الأمرُ مَرحومٌ ومحرومُ
فمنْكَ تَعْلَمُ ما تَحوِيهِ من عَجَبٍ
لا من سِواكَ،لهذا أنت منهومُ
لا يَعْلَم الأمرَ مَن تُروِيهِ شَربتُهُ
وكيف يُدرِكُ عَرْفَ المِسْكِ مَزكُوم؟)*

- مشكلتُك أنك تُريد أن تَضع رأساً فوق رأسك، ليفكِّرَ لك في حياتك ومصيرك، وأنا لا أرضَى لك هذا، ولا أُحَبِّذُه، فاسبَحْ في بحرك،ولا تَجذِبْني إليك،واترُكْني سابحاً وحدي في بحر التأمُّل حتى لا أكون مثلك مريضا.

وتركني مُصَفِّقاً الباب خلفه كريحٍ تأكلُ ذاتَها من الغيظ، فجَزعتُ،وطَفقْتُ أُفكِّرُ فيما أنا فيه من داءٍ، ومن قلقٍ، وعدمِ رضاءٍ عن حياتي، ومن مُشكلاتٍ شتَّى رَكِبتْني. لا شك أن هناك خَطأً ما، أو شيئاً مفقوداً جعلَني أتخلخلُ، وأمضِي عميقاً في الاضطراب. فالداء سَهمٌ مسمومٌ، وعليَّ أَنْ أعرفه بنفسي، لا بغيري، وكيف سأسحبُ ذلك السهم مني، وأتخلَّصُ منه، ولا أعتمد على الآخرين في نزعه.

وصعدْتُ من جُبِّ نفسي بحبال الأملِ، ووقفتُ على صخرة التَّأمُّل، لاغيا من وجودي كل النقاشات والتساؤلات عن مَرَضي، ووضعتُ حدّاً للحديث عنه، فتمثَّلَ لي السهمُ مُجرَّدَ قشَّةٍ نحيلةٍ تستحيلُ رؤيتُها على العين، فعلِمتُ أن الوهم الذي وصَمَني به صاحبي ما هو إلا هذه القشة، فأمسكتُ بها ونزعتُها من ذاكرتي،ثم نفختُ عليها فإذا هي لا شيءَ يَطيرُ إلى لا شيءَ، وعلمتُ كذلك أن العديد من الأشياء التي . نَتُوقُ إليها ونسعى خلفها، ونعتقد أننا لا نستطيع الحياةَ بدونها هي المرضُ والسهم المسموم الذي لا نَحْذَر منه. فقررتُ من بعد ما بَصُرتُ بهذا أن أضع رأسي على وِسادة التأمل، وليس على وسادة الغير، وأن أقْضِيَ سحابةَ الأيام في ممارسة التأمُّل، وأن أتحمَّل جُرعةً كبيرة من الواقع، حتى لا ألجأَ إلى الوهم لِطَمْأنةِ نفسي، فأُصَابَ بذلك السهم المسموم، وأعيش ألماً وخيبةً هائلين.

إن حقائق حياتنا، عندما نكون قادرين على معرفتها، هي ذاتها التي ستُحَرِّرنا من المعاناة التي تُعذِّبُنا، فالتمكُّن من تحمُّل الواقع، هو الكفيل بتخفيفِ المعاناة ،ورغم أنه قد يوجَد شيءٌ من الألم إلا أنه ألمٌ فقطُّ، فلمَ نُضيف إليه المعاناة؛ التي هي في جوهرها رفضُ اختبارِ الحياة كما هي؟!.

لا شك أنه بعد مواجهة مرضٍ، أو صعوبةٍ،أو كارثةٍ ما، تَضطَرِمُ في دواخلنا رغبةُ الفهم والتفسير، إلا أن الحقيقة الأعمقَ هي أنَّنَا لا نعرف، ولا نستطيع إدراكَ كثير ممَّا يَحدُث في الوجود، وكل التفسيرات والتأويلات التي تأتي ما هي إلا بمثابة مُواساةٍ وعزاءٍ سَطحِيٍّ، أما العقل مهما بلغ سموُّه فإنه سيبقى متواضعاً ومرِناً، ولن يدَّعيَ أنه مُحيطٌ بحقائق الحياة، مُدركٌ لدقائقها، يتعلَّمُ ببساطة من صَدَمات الكوارث، ويَقبَل الخوضَ فيها دون استسلام.

فكَم من الوقت نحتاج لنرى الأشياء في جوهريَّتِها،وكما هي تماما؟وكَم فردٍ منا يُمكنُه تَحمُّل ذلك؟فمنذ - وَوَفْقاً لحِكمة(زِنْ) -《تعلَّمتُ أنَّ حَاجِبَيَّ أفُقيانِ، وأنَّ أنْفِي عَموديٌّ》تعافَيتُ.

*ابن العري: الديوان الكبير،تحقيق ودراسة وتعليق: عبد الإله بن عرفة، ط1، منشورات دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت2018م،276/4.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى