

نقوش على جبين الأيام
... سقطت سماعة الهاتف من يده . برودة انسابت إلى أطرافه . رعشة تسربله . تشابكت الرؤى وغامت . وضع رأسه بين راحتيه ..
– " متى ستزورني ؟ "
لم يكن يعلم ، أن جده يستشرف دنو أجله . ابتسامته العذبة ، ووجهه الوضىء ؛ يرنو أمام عينيه . نثر العطر على جبينه ؛ لشعوره بالدوار . سحب مفاتيح سيارته من فوق " الكمودينو ". دقت الساعة الرابعة مساء . قفز السلم .... نتف من السحب الداكنة ، تفترش السماء . نسمات الهواء الشتوية الباردة ، تلسع وجهه.
ما أن وصل بسيارته إلى الطريق الزراعي؛ حتى بدأت قطرات المطر تهطل بغزارة . الرؤية مشوشة . ضغط مفتاح " المساحات ".. كان ينتظر إجازة الصيف؛ لزيارة جده في البلدة .. في الصبح ، يأخذه إلى الحقول ، ويركب " الحنطور "، مستنشقًا نسمات الهواء ، العابقة برائحة زهور البرتقال واليوسفي ؛ تطالعه الخضرة على امتداد الأفق.
يجلس تحت شجرة الجميز ، يرقب الساقية ؛ وهى تدور . واندفاع الماء في " القناية "، يصيخ سمعه إلى الخرير ، ويتساءل هل يجد أسماكًا؟
يخرج رواية: " ملحمة الحرافيش " ، من الحقيبة التي تلازمه ، يقرأ مبهوراً بلغتها الرقراقة ، وبراعة نسج الأحداث ..
تنبه على صوت جده . رفع رأسه ، ألفاه يقف بجواره ،بقامته المبسوطة:
– " أخيرًا وجدتك هنا .. لقد تأخرنا.. "
في شهر رمضان . ألف أن يتابع جده ، قبل الغروب ؛ وهو يعد العرقسوس :
– " عندما تشربه ، بعد الإفطار .. يريح المعدة. "
بعد الإفطار ، يقرأ جده القرآن ، ويقوم بأصطحابه إلى المسجد ؛ لصلاة العشاء ، والتراويح . عند العودة ، يجد الحجرة الكبيرة في مدخل المنزل ، قد أعدت لاستقبال الزائرين . يقرأ شيخ جزءًا من القرآن ، ويقدم للحضور القهوة.
في المساء ، يجلس مع جده ، يستمع لإحدى حلقات المسحراتي ، بصوت " سيد مكاوي "...
رذاذ المطر يلفح وجهه ، أغلق زجاج سيارته . وبدا الطريق معتمًا . أضاء المصابيح . لمح العلامات الإرشادية ، تشي بقرب البلدة .. خفقات قلبه تترى . صداع يقسم رأسه .. مال بسيارته إلى الطريق الترابي الواصل بين المركز وقريته..
وقف بجوار البيت الكبير .. هرع إلى داخله . درجات السلم مادت به . الوجوه مألوفة، لكن القسمات متداخلة . رائحة المسك ، تملأ المكان .
اقترب من جسده المسجى ، لثم جبينه ... والدموع تفيض من عينيه.